كثير من الناس عند الإقراض أو الاقتراض يقع في مشكلة اختلاف قيمة الدَّين يوم أخذه عنه في يوم الوفاء به؛ لِـما عمَّت به البلوى في هذه الأيام من ارتفاع قيمة العملات وانخفاضها، وهو ما يترتب عليه إلحاق الضرر بأحد المتعاملين بالقرض (المقرض أو المقترض)، وقد يترتب على ذلك مشاحنات وفساد ذات البين خاصة إذا كانت الديون بين أقارب أو أصدقاء.

بداية يجب أن نذكِّر المقترِض بهدي النبي صلى الله عليه وسلم  في حسن الأداء والقضاء، وأن مَن اقترض من غيره سُنَّ له أن يؤدي بأفضل مما أخذ من غير اشتراط من المقرض عند القرض؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ»، فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنّاً فَوْقَهَا، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ»، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» متفق عليه.

كما يجب أن نذكِّر المقرِض بأن يحتسب الأجر عند الله تعالى، وألَّا يأسف على ما نقص من قيمة المبلغ في الظاهر، رجاءَ أن يبارك لك في ما بقي، وأن يكون مضاعفاً عند الله تعالى، مدخراً لك في الآخرة؛ ففي الحديث عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَكْتُوبٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ»، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: «مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: إِنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالمسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إِلا مِنْ حَاجَةٍ» سنن البيهقي.

أما بالنسبة لغلاء النقد ورخصه: إذا تغيرت قيمة النقد غلاءً أو رخصاً بعد ما ثبت في ذمة المدين بدلاً في قرض أو دين مهر أو ثمن مبيع أو غيره، وقبل أن يؤديه، فإن كان هذا الدين من عملة ذهبية أو فضية محدودة مسماة، فغلت أو رخصت عند حلول وقت الأداء، فلا يلزم المدين أن يؤدي غيرها، وهذا التغير لا تأثير له على الدين، لأنها كما يعبِّر عنها الفقهاء نقد بالخلقة، وعلى ذلك نص الإمام الشافعي والمالكية في المشهور عندهم. وقال بعض المالكية: إذا أبطلت تلك العملة واستبدلت بغيرها فيرجع إلى قيمة العملة الملغاة من الذهب، ويأخذ صاحب الدين القيمة ذهباً.

أما إذا كان الـدين الثابت في الذمة نقداً بالاصطلاح لا بالخلقة، كسائر العملات الأخرى غير الذهبية والفضية، فطرأ عليه تغيُّر عند حلوله بأن تزيد قيمة النقد أو تنقص بالنسبة إلى الذهب والفضة، فيجب - بلا خلاف - وفاء الديون بالقيمة لا بالمثل إذا كانت العملة التي تم اقتراضها ليست سارية وتم إلغاؤها من الدولة، ذلك لأن في أدائها بالعملة الملغاة هو أكل لأموال الناس بالباطل وإلحاق الضرر البيِّن بالغير.

أما من ثبت في ذمته دين من نقد ولم يزل متداولاً ولكن تغيرت قيمته النقدية غلاء أو رخصاً قبل أن يؤديه فقد اختلف أهل العلم في ما يلزمه أداؤه على أقوال:

الأول: قول الجمهور من الفقهاء أن الواجب أداء النقد نفسه المحدد في العقد والثابت في الذمة دون زيادة أو نقصان.

الثاني: قول أبي يوسف من الحنفية وعليه الفتوى عند الحنفية؛ وهو أنه يجب على المدين أن يؤدي قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة من نقد رائج، كالذهب والفضة.

الثالث: قول الرهوني من المالكية وهو أنه إذا كان التغيُّر فاحشاً وجب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص، أما إذا لم يكن فاحشاً فالمِثل.

فعلى القول الأول: لا يلزمه إلا ردُّ المبلغ الذي أخذه وإن انخفضت قيمته أو زادت. وعلى القول الثاني: فالواجب رد قيمة النقود بما يعادلها من الذهب أو الفضة يوم القرض، كأن يقوِّم بالدولار أو الذهب أو الفضة حتى لا يقع ضرر بالدائن أو المدين. وعلى القول الثالث: يجب الوفاء بالقيمة عند كساد العملة كساداً فاحشاً، وهذا الذي يطمئن إليه القلب، لأن التغيرَ اليسيرَ مغتفرٌ قياساً على الغبن اليسير والغرر اليسير المغتفرَين شرعاً في عقود المعاوضات المالية من أجل رفع الحرج عن الناس؛ نظراً لعسر نفيهما في المعاملات بالكلية، بخلاف الغبن الفاحش والغرر الفاحش، فإنهما ممنوعان في أبواب البيوع والمعاملات. وهذا هو الأحوط، والقاعدة أن الخروج من الخلاف مستحبٌّ بفعل ما اختُلف في وجوبه، وترك ما اختلف في تحريمه. وقد اختلف في رد القيمة، فيكون الرد أحوط. وهذا أمر يتفق مع مبدأ العدل الذي ينشده الإسلام.