تعدُّ خطبة الوداع منهج حياة متكامل؛ إذ حددت لنا الطريقة الصحيحة في التعاملِ مع الله من خلال العبودية الشاملة الكاملة التي لا إكراه فيها، والتعاملِ مع الناس بالحسنى وبالتي هي أحسن، ومخاطبةِ العالم كلِّه بأسلوب حضاري، ومعاملته معاملة إنسانية راقية تحفظ للإنسان كيانه دون نظر لأي اعتبار آخر، وهذه هي رسالة الإسلام الحقيقية.

إن المتأمل في نصوص هذه الخطبة النبوية الجامعة يرى ضرورة الوقوف مع بعض بنودها؛ فتكون تلك الوقفات بمثابة معالمَ رئيسة في فقه الإسلام؛ فمن خلالها يتضح الجوهر الحقيقي لهذا الدين الذي جمع منافع ومصالح الدنيا والآخرة، واهتم اهتماماً كبيراً بالبناء الإنساني، ورسم له الطريق الذي يسير فيه؛ ليكونَ على بيِّنة وهدى.

الوِقفة الأولى: ميزان حياة المسلم عبادة الله وحدَه وتحقيق تقواه، وهذا ظاهر في قوله صلى الله عليه وسلم : «إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي  ولا عجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

إن الميزان الأول الذي يضبط الحياة كلها هو ميزان ضبط العلاقة بينك وبين الله بالتوحيد الخالص لله «إن ربكم واحد»، وضبط العلاقة مع الناس من خلال التقوى؛ فهي الميزان الحقيقي للتكريم: {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. فبالتوحيد والإيمان والتقوى والعمل الصالح تعيش الأمة حياة طيِّبة آمنة في ظل الهداية الربانية، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِـحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

الوقفة الثانية: الرسالة المحمدية رسالة الإنسانية كلها؛ لذا نجد افتتاحية خطبة الوداع متضمنة ذلك إذ بدأ صلى الله عليه وسلم  الخطبة بقوله: «أيُّها النَّاسُ»، وهذا نداء إنساني عالمي من الرسالة العالمية للناس جميعاً وليس نداءً عنصرياً، كما فعل اليهود الذين وصَفوا غيرهم بالأمية: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75]، وقد تعالت عندهم العنصرية والأنا فمدحوا أنفسهم بقولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18]، بل تحولت العنصرية القولية إلى فعل فظهرت جرائمهم الإبادية للشعوب من أجل بقائهم وسيطرتهم على العالم من النيل إلى الفرات!

الوِقفة الثالثة: الرسول صلى الله عليه وسلم  بقوله: «فإنِّي لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعدَ عامي هذا» يؤكد على مسألةٍ إيمانيةٍ مهمةٍ يجب أن ترسخ في قلوب وعقول الناس؛ وهي أنه صلى الله عليه وسلم  لا يعلم الغيب ولا يؤمل في الدنيا كثيراً، ويريد لأمته أن تقطع طول الأمل، هذا الداء الذي أصاب الأمم فَقَسَت القلوب وخرجت الجوارح عن مسار الطاعة: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16].

الوقفة الرابعة: الشريعة الإسلامية من أهم مقاصدها وأهدافها العامة الحفاظ على الدين، والأنْفُس، والأموال، والأعراض، واحترام العقل، وأنها شريعة السلم والسلام، قال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضكم عليْكُم حرام».

الوقفة الخامسة: ضرورة أداء الأمانات، وعلى رأس هذه الأمانات: أمانة الرسالة، التي إذا أُدِّيت فسوف تؤدى الأمانات كلُّها تباعاً، كما أنه صلى الله عليه وسلم  يريد أن يؤكد أنَّ من لم يحفظ أمانات الناس فقد فرَّط في أمانة الرسالة، قال صلى الله عليه وسلم : «فمن كانت عندَهُ أمانةٌ فليؤدِّها».

الوقفة السادسة: المنهج الاقتصادي الإسلامي منهج نجاة للعالم؛ لأنه منهج قائم على العدل إذ لا يجعل المالَ متداولاً بين طائفة بعينها ولا يترك الناس لأطماعهم، بل حرَّم كل ما يضر بالاقتصاد ومصالح الناس عن طريق تحريم الربا: «وإنَّ كلَّ رِباً موضوعٌ».

الوقفة السابعة: في خطبته صلى الله عليه وسلم  حذَّر من شياطين الإنس والجن؛ لأنهم خطر على الدين والدينا، فوظيفتهم الإفسادُ وتغيير القلوب والتقاطع والتدابر. فوجب الحذرُ منهم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلُّونَ؛ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ».

الوقفة الثامنة: التحذير من التحايل على الدين، والبعد عن منهج المراوغين؛ لأن من يفعل ذلك فقد ضل عن سواء السبيل {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37].

الوقفة التاسعة: المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وأن الأيام والشهور والسنين تتعاقب وَفْقاً لقدر الله الكوني، وهذا ما بيَّنه صلى الله عليه وسلم  بقوله: «وإنَّ الزَّمانَ قدِ استـدارَ كَهيئتِهِ يومَ خلـــــقَ اللَّهُ السَّمواتِ والأرض».

الوقفة العاشرة: ربط صلى الله عليه وسلم  العبادات بالأشهر الهجرية، وهو دليلٌ على تميُّز الأمة الإسلامية، قال صلى الله عليه وسلم : «إن عدةَ الشُّهورِ عندَ اللَّهِ اثنا عشَرَ شَهراً».

الوقفة الحاديةَ عشرةَ: ركَّز صلى الله عليه وسلم  على الأسرة وأعطى لها مساحة كبيرة في خطبته: «استوصوا بالنِّساءِ خيراً... فإنَّ لَكم على نسائِكم حقّاً ولَهنَّ عليْكم حقّاً...» وكان هذا الاهتمام بالأسرة - خاصة المرأة - لأن الأسرة تعدُّ محورَ ارتكاز الأمة إذا قامت بمسؤوليتها، ولم تلتفت إلى المعوقين الذين يريدون هدمها بحجج واهية، وبكلمات في ظاهرها الحق وتحمل في طياتها الباطل، كما أكد صلى الله عليه وسلم  على مكانة المرأة فهي من المرتكزات الأساسية في الخطاب النبوي، وقد أوصى صلى الله عليه وسلم  بالإحسان إليها والاهتمام بها، وعلى الأمة أن تنفِّذ وصية نبيِّها.

 

الوقفة الثانيةَ عشرةَ: التأكيد على قيمة العقل الواعي المنضبط شرعاً وأنه مناطُ التكليف وعليه تقوم الحضارات، وأن غياب هذا الوعي قد يؤدي إلى مفاسد عظيمة تؤثر على المجتمع كله، قال صلى الله عليه وسلم : «فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَاسْمَعُوا قَوْلِي».

الوقفة الثالثةَ عشرةَ: الاعتصام بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم  حبلُ نجاة للأمة: «ترَكتُ فيكم ما إنِ اعتصمتُم بِهِ فلن تضلُّوا أبداً».

الوقفة الرابعةَ عشرةَ: أكد صلى الله عليه وسلم  على الأخوَّة الإنسانية على وجه العموم بخطابه الإنساني: «يا أيها الناس!»، وعلى الأخوَّة الإسلامية بخطابه: «المسلم أخو المسلم»، الأولى أخوَّة التعايش، والثانية أخوَّة الدين.

الوقفة الخامسةَ عشرةَ: حذَّر صلى الله عليه وسلم  من أكل الحرام أو ما فيه شبهة، وحضَّ على أكل الحلال؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، قال صلى الله عليه وسلم : «فلا يحلُّ لامرئٍ من أخيهِ إلا ما أعطاهُ عن طيبِ نفسٍ».

الوقفة السادسةَ عشرةَ: أكد صلى الله عليه وسلم  على أن من يظلم الناس إنما يظلم نفسه، فقال: «فلا تظلِمُنَّ أنفسَكمُ»، فعلى الإنسان ألا يحمِّل نفسه ما لا تطيق فالظلم ظلمات وإفلاس يوم القيامة.

الوقفة السابعةَ عشرةَ: رد صلى الله عليه وسلم  بقوله: «فإنِّي قد بلَّغتُ» على كل من يحتج بعدم وصول نور الرسالة المحمدية إليه، وفيه دليل على أننا مأمورون بالبلاغ دون إرغام أحد على اعتناق الدين الإسلامي؛ فإنه لا إكراه في الدين، كما أكد صلى الله عليه وسلم  على أهمية البلاغ ومصداقية مَنْ بلَّغوا، واستمرارية الأمة في تبليغ نور ربها؛ لأن استمرارية البلاغ، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ استمراريةٌ لخيرية الأمة، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

هذه بعض الوِقْفات والتأملات في خطبة الوداع (خطبة الإسلام) فيها عِبَرٌ ودروسٌ يستفيد منها مَنْ عاش معها وعمل على تطبيقها؛ فالأمة الإسلامية في أمَسِّ الحاجة أن تقف وقفات متأنية وواعية مع سيرة رسولها صلى الله عليه وسلم  كي تعرفَ كيف تتعامل مع واقعها وكيف ترسم لنفسها وجوداً واقعياً إيجابياً وتستردُّ الريادة والخيرية.