تعيش الجـزائر على وَقْع الثورة الشعبية التي انطلقت منذ فبراير/ شباط الماضي للأسبوع الثامن والعشرين على التوالي، والتي نجحت في قطع الطريق أمام استمرار نظام بوتفليقة في الحكم وإسقاط الولاية الخامسة له، وزج الكثير من رموز هذا النظام البائس في السجن، لكـن أمـام كل هـذه النجاحات ما تزال الجزائر تتخبط وسط نفق مظلم بسبب خلافات حادَّة بين النظام الحالي الذي يستمد قوته من المؤسسة العسكرية وفواعل الحَراك الشعبي حول آلية تحديد مستقبل البلاد.

ويواصل الحَراك الشعبي مطالبه برحيل جميع رموز النظام السابق يتقدمهم الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح والوزير الأول نور الدين بدوي، والدخول في مرحلة انتقالية يسيِّرها مجلس تأسيسي يعمل على وضع دستور جديد للجزائر، وهي المطالب التي يقابلها رفض مطلق من النظام الحالي الذي يلِحُّ على تنظيم انتخابات رئاسية في أقرب الآجال تثمر رئيساً جديداً وحكـومة وبرلماناً جديدين، بتزكية كبيرة من المؤسسة العسكرية صاحبة الفكرة، والتي لا تريد الحياد عن الشرعية الدستورية.

وبين الخيـارين المتنازع عليهما، تبقى الجزائر تعيش حالة من الانسداد السياسي وتفاقم الوضع الراهن بسبب اختلاف الرؤى بين الحراك والمؤسسة العسكرية التي عرَّتها الثورة الشعبية وأظهرت حقيقتها بأنها هي من أعدَّت هذه الطبخة وتسير بالجزائر إلى مصير مجهول، لتصبح وجهاً لوجه مع فواعل الحَراك الشعبي الذي بدأ يشكُّ في نواياها ويطالبها بعدم التدخل في الشؤون السياسية للبلاد تحت شعار (دولة مدنية وليست عسكرية).

وما تحقق حتى الساعة من مكاسب خلال الثورة الشعبية التي فجَّرها الشارع الجزائري، لا يريد الشعب أن يتركها تذهب هباءً منثوراً، ويعوِّل على رفع زخم المظاهرات الشعبية خلال قادم الأسابيع مع بداية الدخول الاجتماعي الجديد لأجل التأثير على المؤسسة العسكرية للاستجابة لمطالبها وجعلها تخضع للأمر الواقع وعدم الذهاب لانتخابات رئاسية قبل رحيل باقي رموز النظام القديم لضمان شفافية ومصداقية هذه الانتخابات التي يبدو أنها لن تجريَ قريباً إذا ما ظل الحال على حاله.

واستعاد الشعب الجزائري سيادته وزمام المبادرة من خلال ثورة 22 فبراير بعد فترة طويلة من مصادرتها، فليس من السهل أن يزاح رئيس قوي مثل بوتفليقة عمَّر 20 سنة في الحكم وصنع نظاماً فاسداً تحكَّم في جميع مفاصل الدولة، وهو أهم مكسب يريد الحراك أن يستثمر فيه ويزيد من سقف مطالبه التي تطورت لإقالة حكـومة نور الدين بدوي الذي عيَّنه بوتفليقة ذاته وحتى الرئيس المؤقت بن صالح بات مغضوباً عليه ومطالَباً بالرحيل.

ويجزم الكثير من المتتبعين للشان السياسي بالجزائر، بأن يستمر الحَراك الشعبي لأسابيع أخرى مع زيادة وتيرته خلال الأسابيع المقبلة التي ستشهد عودة الجزائريين للحيـاة الاجتماعية وهو ما سيعقِّد الأوضاع ويربكها إن لم تبادر السلطة بحلول عاجلة ترتكز على تحقيق المطالب الشعبية وفي مقدمتها إقالة حكومة بدوي وإقناع الحراك بتنظيم انتخابات رئاسية في أقرب الآجال.

والمعطيات الحاليـة للمشهد السياسي بالجزائر لا تُمكِّن من استقراءٍ واضحٍ للحراك، لأن الفاعلين فيه يعيشون حالة ارتباك كبيرة وليست لهم إستراتيجيات واضحة عدا المعادلة الأمنية، والنظام نجح إلى حدٍّ كبيرٍ في الحفاظ على استقرار وأمن البلاد، وحتى الحراك مقتنع لأبعد الحدود بضرورة المحافظة على السلمية الأمنية.

ويعتقد المحلل السياسي الدكتور (نور الدين بكيس) في حديثه لـ ^ بأن الحراك السياسي يتجه للاستمرارية مع الدخول الاجتماعي القادم ويرشحه لأن يكون بزخم أقوى ما دام أن الجزائريين مصرُّون على مطالبهم ومن ثَمَّ المشاركة السياسية في هذا الوقت بالتحديد ستكون أقوى.

وحاليّاً الحراك كما يقول بكيس: «لا يملك بديلاً للخروج من الشارع، لأنه لا توجد هناك أحزاب يستطيع أن يثق بها وليست هناك نقابات حقيقية، وحتى الفضاءات الأخرى هشة ولا توجد مؤسسات يرتكز عليها ومن ثَمَّ مواصلة الحراك هي حتمية وضرورة يفرضها الواقع.

والمشكل الأساسي اليوم حسب الدكتور (نور الدين بكيس) في الحلول والسيناريوهات المقترحة التي سوف تكون حسب التطورات التي تحدث، لأن الحراك - على حد تعبيره - الذي بدأ يوم 22 فبراير الماضي لا يختلف عن كل المراحل التي مر عليها؛ أي هناك متغيرات تحدث تُحسَب في المشهد السياسي.

ويواصل المحلل السياسي (نور الدين بكيس) حديثه بأن السيناريوهات التي سيؤوْل إليها الحراك تكون حسب التطورات الحاصلة، وارتباطاً بزخم وانتشار الحراك ومدى عقلنة مطالبه إلى جانب مدى التنازلات التي يستطيع النظام أن يقدمها ومدى قدرة الدولة العميقة على التوغل وتوجيه الأحداث خلالها.

ويضيف أيضاً أن الكثير من العوامل تبقى مؤثرة في المشهد السياسي للحراك لكن تأثيرها يختلف من مرحلة إلى أخرى؛ فتارة يزداد فيها الحَراك، وتارة أخرى يزداد تأثير وتوجيه الدولة العميقة له، وتارة يزداد تأثير النظام المتمثل في المؤسسة العسكرية عليه، وهي كلها معطيات لا يمكن استقراؤها في الوقت الراهن.

والمؤسسة العسكرية التي أضحت لاعباً مهمّاً في تسيير شؤون الجزائر وأكثر تمسكاً في الوضع بعد انحيازها للحراك ومرافقته بطريقة ذكية تريد اليوم الالتفاف على مطالب الشعب، وهي التي كانت من قبل في صف النظام البوتفليقي ووصفت شباب الثورة الشعبية في بدايتها بالمغرر بهم وتحركهم أيادٍ خارجية، وانقلب موقفها رأساً على عقب، وراحت تضغط لدفع الرئيس السابق للاستقالة وزجِّ رموز نظامه في السجن لـمَّا شعرت بأن الشارع أقوى بكثير من ذلك النظام الفاسد.

وتواصل المؤسسة العسكرية بقيادة رجُلها القوي الفريق (أحمد قايد صالح) عزفها المكشوف بمحاولة صنع رئيس جديد للجزائر من خلال الالتفاف بطريقة مرنة على مطالب الشعب وإصرارها على تحديد موعدٍ قريبٍ للانتخابات الرئاسية أمام رفض الشارع لكل هذه التدابير، ليبقى الوضع على ما هو عليه أو يزيد تعقيداً مع قادم الأيام.

والكل يُجْمع على أن المؤسسة العسكرية في الجزائر أصبحت هي المتحكم الأول في تسيير دواليب الحكم بالجزائر، وما يحدث من محاكمات وتفجير قضايا الفساد ما هو إلا محاولة منها لتشتيت تركيز الشارع لمواصلة حراكه ورفع سقف مطالبه التي يبدو أنها ستبقى على ما هي عليه رغم كل المحاولات التي تحدث من هنا وهناك لكسر وحدة الحراك واختراقه بطريقة ذكية.

وكان آخر خطاب للفريق قايد صالح من الناحية العسكرية الثانية بوهران، هاجم من خلاله دعاة المرحلة الانتقالية ورافضي الحراك، مستعملاً معهم الأسلوب نفسه الذي دأب على استعماله في مواجهة خصومه منذ بداية الأزمة السياسية، أي أسلوب التخوين والمصالح الشخصية الضيقة والعمالة للخارج والسعي إلى بث الفوضى والخراب في البلاد.

ويقول المحلل السياسي البارز (عدة فلاحي) لـ ^: إن هنـاك محاولات متواصلة لاستنزاف هذا الحراك وإضعافه، و بأساليب الترهيب والترغيب والتشكيك ومحاولة إحداث انقسام داخل الحراك ذاته، ومحاولة التشكيك في نوايا كثير من مكوناته بالرغم من ذلك هناك تمسُّك وهناك مقاومة للاستمرار حتى تتحقق كل المطالب المرفوعة.

ويضيف (فلاحي) بأن الحراك يتجه إلى زخم أعلى لأن الشعب الجزائري اليوم أو الحراك بالأحرى أدرك الالتفاف أو القفز على مطالبه الأساسية في ظل عدم وجود مبادرات جادة للحل، وأيضاً هو ما بات يسجله الحراك في جمعته السابعة والعشرين أي بعد 6 أشهر من بدايته.

ويقول (عدة فلاحي) بأن الحـراك مصمـم على التمسك بالشارع إلى غاية تحقيق مطالبه الشرعية التي خرج من أجلها في 22 فبراير وعلى رأسها بناء دولة ديمقراطية من خلال انتخابات رئاسية وليست الانتخابات التي دعت إليها السلطة وأسقطها الحراك مرتين في محاولة لفرضها بطريقة ذكية على الشعب الجزائري.

وفي ظل كل هذه الظروف، يبقى الحراك الشعبي بالجزائر مرشَّحاً للاستمرار وبوتيرة متزايدة مع الدخول الاجتماعي الجديد للضغط أكثر على السلطة للخضوع لمطالبه المرفوعة، التي تبدأ بإقالة حكومة نور الدين بدوي وتشكيل حكومة (تكنوقراط) ولجنة مستقلة للانتخابات تفسح المجال لتنظيم انتخابات نزيهة يتمكن الجزائريون فيها من انتخاب رئيسهم بكل شفافية ومصداقية.