في عام 2011م اندلعت ثورة الشعب السوري ضد طغيان نظام الأسد الذي ظل جاثماً على شعبه ما يقرب من نصف قرن منذ جاء الأب حافظ بانقلاب ثم ورثه ابنه بشار، وما بينهما منظومة كاملة من الفساد والطغيان وقهر السوريين واستعبادهم.

عندما ثار الشعب مطالباً بحريته وحقوقه قابله النظام بالرصاص والطائرات فتحولت الثورة السلمية إلى حرب بين الشعب والنظام، وعندما عجز عن قمعها استعان على إثرها بإيران التي أرسلت فيلقها، الذي يدعى زوراً وكذباً فيلق القدس، الذي استجلب بالإضافة إلى قواته أذرع إيران في لبنان والعراق وحتـى في باكستان وأفغانستان.

لم يفلح الدعم الإيراني في وقف مسيرة الشعب السوري وتوالى سقوط المدن في أيدي فصـائل الثـورة فما كان من النظام إلا أن بدأ يستدعي الحرب على الإرهاب فاخترق جماعات المقاومة المسلحة وظهرت داعش التي نافست النظام في أعماله الإجرامية وتدخَّل الغرب بزعامة الولايات المتحدة التي حاولت إيجاد بديل غير النظام والإسلاميين، حينئذٍ أدرك النظام أن التدخل الغربي لا يصب في مصلحته مع عدم قدرة الحليف الإيراني على هزيمة الجماعات المسلحة فاستعان بروسيا التي كان تدخلها بداية الحسم لمصلحة النظام.

وبدأت المناطـق السورية تسقط مرة أخـرى في قبضة النظام بمساعدة روسية ضخمة حتى لم يتبق بأيدي الجماعات المسلحة أي أراضٍ تذكر بالإضافة إلى محافظة أدلب، وفي بضع سنوات قتلت الحرب في سوريا مئات الآلاف من الناس، وحولت أكثر من عشرة ملايين إنسان إلى لاجئين، كما حولت مدناً وبلدات كانت مزدهرة في الماضي إلى خرائب، وفي أحدث إحصائية نُشرَت مؤخراً فإن 50% من السكان السوريين قد غادروا منازلهم إلى مناطق سورية أخرى أو إلى الخارج هرباً.

والسؤال المطروح الآن: هل مصير الثورة السورية انتهى والنظام في طريقه لاستعادة سوريا بالكامل مرة أخرى؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب علينا تحليل أحد العوامل الذي يتوقف عليه مستقبل الوضع في سوريا من بين عدة عوامل أخرى؛ وهو مستقبل الوجود الأمريكي في سوريا.

الدور الأمريكي في سوريا (الأهداف والإستراتيجيات):

منذ أن جاء ترامب إلى الرئاسة الأمريكية ومواقفه إزاء سوريا متذبذبة؛ ففي شهر ديسمبر ٢٠١٨م أعلن الانسحاب من سوريا، ثم في يناير من عام 2019م تعود أمريكا لتؤكد بقاءها في سوريا، وهذا ما جرى على لسان الناطقة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذر نويرت حينما قالت: «نحن مستعدون للبقاء في سوريا حتى الهزيمة النهائية لتنظيم (الدولة الإسلامية)، وسنبقى مركِّزين على ضمان انسحاب القوات الإيرانية وحلفائها».

ثم يعود ترامب مرة أخرى ليؤكد نيته في الانسحاب في أكتوبر ٢٠١٩م؛ ففي خطاب ألقاه في البيت الأبيض قال متحدثاً عن سوريا: «دع شخصاً آخر يقاتل على هذه الرمال الملطخة بالدماء»، متعهداً بسحب جميع القوات الأمريكية البالغ عددها 1000 جندي من سوريا، قائلاً: إن الوضع لم يعد مشكلة أمريكا بعد الآن.

وبعد بضعة أيام فقط، غيَّر ترامب رأيه؛ إذ قال: إن القتال في الشرق الأوسط يستحق العناء طالما أنك تحصل على بعض عائدات النفط من الصفقة. ولكي يحوِّل كلامه إلى أفعال قام بتوسيع مهمة الجيش الأمريكي في سوريا، فسمح لمئات الجنود بالعمل في منطقة تبلغ مساحتها 144 كيلو متراً تقريباً في شرق سوريا.

فهل هذه البلبلة في الموقف الأمريكي تعني أن هذه الإدارة تفتقد إلى إستراتيجية واضحة في سوريا؟

لمعرفة ذلك يجب علينا مراجعة الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في سوريا، وإستراتيجيتها لتحقيق تلك الأهداف، ومن ثَمَّ تقـويم تلك الإستراتيجية ومدى نجاعتها.

الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في سوريا:

تتمثل الأهداف الإستراتيجية الأمريكية المعلنة في سوريا في ثلاثة أهداف، هي: محاربة الإرهاب، وتعديل النظام السوري، واحتواء التمدد الإيراني. وهذا الهدف الأخير لم يكن معلَناً في إدارة أوباما التي كانت غير معنية بالتمدد الإيراني في المنطقة؛ ولكن في عهد ترامب تغير الوضع وأصبح هذا الهدف مضافاً إلى الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في سوريا.

فخلال كلمة للمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري في «مؤتمر هرتسيليا» قرب تل أبيب في يوليو الماضي حدد ثلاثة أهداف تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب لتحقيقها في سوريا، وهي: «ضمان الهزيمة الدائمة لداعش، وانسحاب القوات الإيرانية بشكل كامل من سوريا، وعملية سياسية لا تغير النظام وإنما تهيئ الظروف التي تمكن سوريا من العودة إلى المجتمع الدولي». وكان جيفري في مقابلة قبلها بشهرين تحدث عن أن «سياسية واشنطن ليست تغير شخص معيَّن؛ وإنما الضغط لأن تتصرف دولة سوريا بطريقة مختلفة مع شعبها وجوارها».

ولكن ثمة هدف غير معلَن لأمريكا يتمثل في رغبة منها لكسر مبادرة (الحزام والطريق) التي تقودها الصين التي تريد دمج كلٍّ من العراق وسوريا وتركيا في هذا المخطط.

فقد كشف سفير نظام الأسد لدى بكين عماد مصطفى في تصريحات له عن أن سوريا جزء لا يتجزأ من مبادرة الحزام والطريق، والحكومة الصينية حريصة دائماً على إشراك سوريا في جميع المناسبات التي تعقدها، تحت رعاية مبادرة الحزام والطريق.

وتقول شبكة (سي إن بي سي) الإخبارية الأمريكية، إنه يمكن أن تصبح سوريا لاعباً حاسماً في المبادرة، وبحسب الشبكة الأمريكية، فإن هذه المبادرة وسيلة لنشر النفوذ الصيني؛ فالصين هي الخيار الوحيد القابل للتطبيق المتبقي للأسد.

ويبدو أن معارضة أمريكا للوجود الصيني في سوريا ليست فقط لكسر مبادرة الحزام؛ ولكنها أيضاً لمنع أموال إعادة الإعمار لأنه - كما يقول المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس جيفري -: إنه لن تكون هناك أموال لإعادة الإعمار، ولن يكون هناك تطبيع سياسي مع النظام ولا عودة الشرعية له قبل تغيير سلوكه.

الإستراتيجية الأمريكية:

مرت الإستراتيجية الأمريكية لتطبيق هذه الأهداف بعدة مراحل:

ففي الثمانيةَ عشرَ شهراً الأولى منذ اندلاع الثورة السورية رفض الرئيس الأمريكي حينها أوباما توصيات من كبار مساعديه في فريق الأمن القومي بتسليح وتدريب المعارضة السورية، وعلى ما يبدو فإن غلبة الطابع الإسلامي عليها كان هو الدافع الرئيسي لإحجام أوباما.

ومع الوقت، وحينما تراجعت قوات النظام السوري أمام المعارضة، ركزت إدارة أوباما جهودها على الدبلوماسية؛ ففي عام 2013م جعل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مفاوضات جنيف محوراً أساسيّاً لإستراتيجية واشنطن تجاه الأزمة السورية.

ولكن منذ يونيو 2014م عندما سقطت الموصل في العراق في قبضة داعش تغيرت الإستراتيجية الأمريكية وبدأت بالقصف الجوي والصاروخي لداعش في سوريا والعراق وخصصت نصف مليار دولار سنوياً لتكون جزءاً من المساعدات التي تقدمها وزارة الدفاع الأمريكية إلى المعارضة السورية، إلى جانب تدريب 5000 مقاتل سنوياً، وذلك لمدة ثلاثة أعوام على أمل في إحداث تغيير في النظام السوري.

وبدا في وقت من الأوقات في عهد أوباما أن هناك إستراتيجية خفية للإدارة الأمريكية تتمثل في تفكيك سوريا إلى كيانات طائفية، وعبَّرت عن ذلك دراسة تحت عنوان: «تفكيك سوريا... نحو إستراتيجية إقليمية لبلد كونفدرالي» أصدرها (مركز القرن الواحد والعشرين للأمن والاستخبارات) التابع لمعهد بروكينجز، وأعدَّ هذه الدراسة «مايكل أوهانلون» وهو مدير برنامج السياسة الخارجية في المعهد[1]؛ إذ يرى أن المسار الوحيد الجدير بالثقة في هذا الوقت، هو إستراتيجية لتفكيك سوريا، وجعلها دولة كونفدرالية تتكون من مناطق حكم ذاتي بدلاً من أن تكون تحت حكومة مركزية قوية، ويشير الباحث إلى أن هذه الإستراتيجية قد تُخفف من معارضة إيران وروسيا للنهج القائم في سوريا، وربمـا تُقلل من ميلهما لزيادة الدعم للأسد، فالإستراتيجية الجديدة - بحسب أوهانلون - توازن في تعاملها مع الدولتين ولا تجعل لهما دوراً أساسياً، كما أن طهران وموسكو يدعمان الكونفدرالية في سوريا طالما هي البديل عن الإطاحة الكاملة بالأسد أو القضاء على نفوذ العلويين في أي حكومة مستقبلية، أو البديل عن حرب أهلية مستمرة لأجَل غير مسمى.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية حينها حاولت السير في ذلك المسار عن طريق تدريب مقاتلين سوريين في تركيا والأردن والدول الأخرى الصديقة للولايات المتحدة ومن ثَمَّ تأسيس مناطق آمنة في سوريا ودعم هؤلاء المقاتلين جواً وبراً عن طريق القوات الخاصة.

وبتتبع مواقع هؤلاء المقاتلين ونوعيتهم فقد كان هؤلاء مقاتلين أكراداً وعلويين في الشمال والشمال الشرقي لسوريا، وكان هناك مقاتلون سُنَّة في الحدود مع العراق والأردن؛ ولذلك تم التعـاون مع دول الجوار سواء في العراق أو تركيا والأردن، وكان التمويل خليجياً.

أما في بداية عهد ترامب، فقد لخص وزير الخارجية الأمريكي ريكس تليرسون هذه الإستراتيجية في محاضرة ألقاها في معهد هوفر التابع لجامعة ستانفورد الأمريكية يوم 17 يناير ٢٠١٨م على النحو التالي: وجود أمريكي في شرقي سوريا إلى أجل غير مسمى لمواجهة النفوذ الإيراني، ومنعها من إقامة ممرها البري الذي يربط بين إيران ولبنان، ومنع عودة ظهور تنظيمات متطرفة مثل الدولة الإسلامية والقاعدة والوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية تنهي حكم عائلة الأسد.

ولكن عندما عيَّن ترامب مـايك بومبيو وزيراً للخارجية عمل على صياغة إستراتيجية جديدة لأمريكا في سوريا؛ فكوَّن فريق عمل متخصص في الشأن السوري وأنشأ منصباً أطلق عليه الممثل الخاص للولايات المتحدة في سوريا وجعل على رأسه توماس جيفري مبعوثاً أمريكياً لسوريا ومعه في الفـريق جول ريبرن نائب مساعد وزير الخارجية لسوريا، وكان من المثير للدهشة أن يعمد ترامب إلى تعيين شخص (جيفري) كان من ضمن 50 مسؤولاً من كبار موظفي الأمن القومي الجمهـوريين الذين وقَّعوا خطاباً أعلنوا فيه أن ترامب: «يفتقد الشخصية والقيم والخبرة» لكي يصبح رئيساً وأنه سيعرِّض رفاهية الولايات المتحدة وأمنها القومي للخطر، وحذَّروا من أن يصبح أكثر رئيس طائش في تاريخ الولايات المتحـدة نتيجة عدم استيعابه للمصالح الوطنية الحيوية للأمة وتحدياتها الدبلوماسية المعقدة وتحالفاتها، ولم يغفر ترامب لأيٍ من تلك الشخصيات الخمسين؛ إذ لم يعين أحداً منهم في أي منصب، باستثناء جيمس جيفري الذي عيَّنه بصورة مفاجئة في واحد من أكثر مناصب الإدارة حساسية للشرق الأوسط، وهو ما يدل على أهمية هذا الرجل.

هذا التعيين الذي تم في أغسطس 2018م لم يمنع البلبلة والتذبذب الذي ظهر في الموقف الأمريكي وعبَّر عنه ترامب بين الانسحاب والبقاء في سوريا.

هذا التردد دفع بجيفري إلى إعادة تقويم الأهداف الإستراتيجية في سوريا وتحديدها بدلاً من هدفين فقط وهما مكافحة الإرهاب وتعديل النظام إلى وضع هدفين جديدين تمثلا في الحد من الانتشار الإيراني في المنطقة والمحافظة على النفط.

وتعددت الإستراتيجيات التي وضعها جيمس جيفري لبلوغ تلك الغايات، ومنها:

طرح موضوع الانتخابات في سوريا لتعديل النظام وأعلن ذلك في حديث مع القناة الألمانية دويتشه فيله ليؤكد بأن هناك طرحاً أمريكياً فرنسياً يذهب مباشرة إلى انتخابات رئاسية في سوريا، حلاً مباشراً وسريعاً للانتقال السياسي وتصفية نظام الأسد، كما عمل على صياغة قانون لمعاقبة المسؤولين في النظام؛ ففي ديسمبر الماضي وقَّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قانون قيصر لحماية المدنيين سوريا، ويسمح الإجراء الذي وقَّع عليه ترامب بفـرض عقـوبات جـديدة علـى المسؤولين السوريين، ويلزم الولايات المتحدة بدعم الملاحقة الدولية للمتهمين بارتكـاب انتهاكات لحقوق الإنسان. ويشرح وزير الخارجية الأمريكي بومبيو أهداف هذا القانون فيقول: «إن قانون قيصر يرسل إشارة واضحة بأنه لا ينبغي لأي ممثل خارجي الدخول في أعمال مع هذا النظام أو إثرائه».

ويحمل القانون هذا الاسم نسبة إلى شخص عرَّف نفسه بـ (قيصر)، وهـو مُنشــق عن النظام السوري كان قد سرَّب عشرات الآلاف من الوثائق في مطلع عام 2014م، قُدِّرت بحــوالي 55 ألف صـورة توثِّق مقتل 11 ألف سـجين بعد تعرضهم للتعذيب في سجون الأسد.

أما الإستراتيجية الثانية فتتمثل في إعادة تموضع القوات الأمريكية لتقتصر على مناطق النفط.

والحقيقة فإن الإستراتيجية الأمريكية بالانسحاب من سوريا والتمركز فقط في مناطق النفط تحقق لترامب أهدافاً إستراتيجية مهمة، أولها: حرمان النظام السوري من استخدام أموال النفط في تثبيت الأسد من دون إجراء تعديلات في هيكلية النظام برحيل رأسه.

أما الأمر الثاني: فهو محاولة تقويض التفاهم التركي الروسي في شرق سوريا بشكل يسمح للأكراد ببقاء دورهم ركيزةً لبقاء النفوذ الأمريكي بما يضمن مصالحه، كما أن بقاء القوات الأمريكية يضمن لأمريكا الحدَّ من التمدد الإيراني في المنطقة ويضمن في الوقت نفسه القضاء بشكل نهائي على داعش؛ فما يزال كثير من محاربي التنظيم في سوريا أو محتجزين لدى الأكراد أو مختبئين.

تقويم الإستراتيجية الأمريكية:

عند تقويم أي إستراتيجية يجب تقويم قدرتها على تحقيق الأهداف الإستراتيجية:

يرى العديد من الباحثين والسياسيين أن الغموض الذي يحوم حول السياسة الخارجية الأمريكية أو الاضطراب الذي تبدو عليه، هو اضطراب مفتعل وجزء من الإستراتيجية نفسها، وهذا الرأي يميل إليه الوزير السوري السابق الدكتور رياض نعسان آغا، الذي يعتقد بأن الانسحاب الذي أعلن عنه ترامب هو مشهد من حرب التصريحات، وهو موضوع رمزي وليس ذا قيمة عسكرية؛ لأن الرمز هو العلم الأمريكي المرفوع في القاعدة العسكرية، أما القوات الأمريكية فهي تحيط بالمنطقة من كردستان العراق إلى تركيا إلى البحر المتوسط إلى كل القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

بينما الباحثة الأمريكية مارا كارلين، وهي عضوة في لجنة مكوَّنة من 12 شخصاً، معيَّنة من الكونغرس لدراسة الصراع السوري، مهمتها دراسة الحالة السورية، وتقديم التوصيات للإستراتيجية الأمريكية تجاه سوريا فتصف الإستراتيجية الأمريكية في سوريا بأنها مشوشة ومتناقضة وأثبتت عدم فعاليتها، وترى الباحثة الأمريكية أنه ليس من المتوقع أن تقوم إدارة ترامب باتخاذ مقاربة نشيطة وفاعلة للصراع في سوريا.

وتنصح الباحثةُ الإدارة الأمريكية بأنه على الأقل يجب تجنب الأخطاء الرئيسية التي تتمثل في التالي:

 •إعادة انتشار القوات الأمريكية في سوريا بتهور، وبالذات دون استشارة أعضاء التحالف الرئيسيين.

 •الفشل في تحديد المهمة العسكرية الأمريكية، بالذات إن كان تنظيم الدولة هو التهديد ذو الأولوية.

 •استخدام قوات ومقـاربة تقليدية بدلاً من قوات مكافحة تمرد، بالرغم من تحول المسار الأمني للصراع.

 •إهمال عيوب شركائنا في سوريا، قوات سوريا الديمقراطية، بالذات في وقت التحول إلى عمليات الاستقرار والحكم، التي تحتاج كثيراً من الحث لإحداث تغير سياسي دائم له معنى.

 •التعامل مع نظام الأسد.

 •السماح للخلافات مع تركيا أن تحدث تمزقاً في تحالف الناتو.

 •تمكين روسـيا من تعـزيز دورها في عقد اجتماعات إقليمية.

 •التقليل من شأن احتمال عودة تنظيم الدولة، خاصة مع وجود أعداد كبيرة من الجيل القادم من السوريين عالقين في أماكن احتقان مثل مخيم الهول.

 •مراقبة كيف وبأي شكل يمكن للتوترات المتزايدة بين أمـريكا وإيران في الخليج وبين إسرائيل وإيران ووكلائها في سوريا أن يكون لها تأثير خارج حدود الشام.

 • إهمال المعاناة الكبيرة لبلدانٍ مثل لبنان والأردن وتركيا بسبب المتطلبات الضخمة التي يحتاج إليها العدد الكبير من اللاجئين السوريين لديها.

إلغاء التمويل أو الحد الكبير منه لما هي حالياً أسوأ أزمة إنسانية على مدى عقود.

ويتأسف الباحث الأمريكي المتخصص في الشأن السوري مايكل أوهانلون على أنه في مرحلة من الحرب نجح فيها الأسد وحلفاؤه بدون شك في تحقيق معظم أهدافهم، ولم تحظَ الولايات المتحدة في عهد رئيسين بالإرادة ولا بالشركاء المحلِّيين القادرين على تغيير هذا الواقع الأساسي، ويمضي الباحث فيقول: لن يُهزم الأسد في ساحة المعركة ولا يُمكن إقناعه من خلال أيِّ عملية للأمم المتحدة بالتفاوض للتخلِّي عن السلطة لصالح حكومة مُنتخبة ديمقراطياً. ولطالما كان هذا الهدف الأخير غير واقعي، ولا سيَّما منذ دخول روسيا إلى الحرب في عام 2015م، ومن ثَمَّ بات هذا الهدف بحلول الوقت الراهن فكرة مستحيلة ببساطة، لذا ينبغي التخلِّي عنه بحكم الواقع.

ويقترح أوهانلون في النهاية بضرورة العمل من جانب أمـريكا على إبرام اتفاقية مع روسيا وتركيا من شقين:

الأول: الإسراع في منح الأكراد درجة من الاستقلالية في شمال شرق سوريا، بالإضافة إلى منع إلقاء البراميل المتفجِّرة أو غيرها من الهجمات العشوائية ضدَّ المدنيين، ويمكن السماح للأسد عندئذٍ بالوصول إلى معظم عائدات بلاده من النفـط لينفقها على الحاجات الإنسانية الأساسية، ويمكنه أيضاً تلقِّي مساعدات إنسانية أساسية من العالم الخارجي، لكن من دون مساعدات لإعادة الإعمار.

أما الشق الثاني: فكما يقول أوهانلون: إن أرادت سوريا الوصول إلى كميات أموال أكبر من أجل إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد الفعليين؛ فعلى الأسد الرحيل في نهاية المطاف، لكن لا يجوز توقُّع التنحِّي لصالح حكومة تخلفه مُنتخبَة ديمقراطياً (تكون من ثَمَّ ذات أغلبية سنِّية بدون شك)، فهذا ضرب من الخيال؛ بل علينا أن نسمح له، ضمن المعقول، باختيار خَلَفِه، شرط أن يكون هذا الشخص أقلَّ تورُّطاً في جرائم الحرب وذا خلفية تكنوقراطية أكثر. وينبغي أن تتمثَّل المجموعات الإثنية والطائفية السورية المختلفة في حكومة جديدة وفي قيادة القوَّات المسلحة.

مستقبل الوجود الأمريكي في سوريا:

من الاستعراض السابق يمكن استنتاج أن الوجود الأمريكي في سوريا يتوقف على عدة عوامل تتمحور حول:

الرغبة الأمريكية في الحدِّ من النفوذ الإيراني في المنطقة، وهل يمكن أن تصل معها إلى صيغة تفاهم حول هذا الوجود خاصة بعد مقتل سليماني، أم سيستمر التوتر ومن ثَمَّ سيستغرق الوجود الأمريكي في سوريا حينئذٍ وقتاً أطول.

ما هو شكل النظام السوري الذي ستقبل به أمريكا في المستقبل، وهل سترضى روسيا بإعادة هيكلته بحيث يستوعب أطياف المجتمع السوري بصيغة ما؟

وجود داعش وهل انتهى بلا رجعـة، أم هو في مرحلة جديدة مِن لَمِّ شعثه وإعادة الكرَّة مرة أخرى، وهذا يتـوقف على التفاهمات مع الأتراك وقبـولهم بوجودٍ كردي على أنه ضمانة أمريكية بعدم رجوع داعش مرة أخرى.

هذه العوامل الثلاثة محورية في استمرار الوجود الأمريكي في سوريا الذي تشير كثير من المعطيات إلى أنه مستمر حتى إشعار آخر.

 


 


[1]   Michael O’Hanlon, Deconstructing Syria: Towards a regionalized strategy for a confederal country (Washington, Center for 21stCentury Security and Intelligence, Brookings, June 2015.