أثار قرار (فاتو بنسودا) المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية في 20/ 12/ 2019م، بشأن فتح تحقيق في جرائم حرب صهيونية محتملة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، أثار أسئلة مشروعة حول إمكانية مقاضاة دولة الاحتلال الصهيوني وسَوق مجرمي الحرب الصهاينة إلى العدالة الدولية.

لقد لخصت العبارة التالية لبن غوريون أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال الصهيوني: «إن الوضع في فلسطين سيسوى بالقوة العسكرية» أهم المنطلقات الإستراتيجية لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية ودولة الاحتلال وتنفيذ برامجها التوسعية في فلسطين والمنطقة العربية، فكانت المجـازر المنظمة من قبل العصابات الصهيونية والجيش الصهيوني فيما بعد ضد أهل القرى والمدن الفلسطينية من أبرز العنـاوين للتوجهـات الصهيونية، بغرض حمل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين على الرحيل عن أرضهم وإحلال اليهود مكانهم. ولم تتوقف المجازر الصهيونية عند هذا الحد؛ بل تم ارتكاب أفظع المجازر ضد المصريين في سيناء؛ وكذلك ضد الشعب اللبناني وخاصة في قرية قانا في جنوب لبنان في عام 1996م.

أهداف المجازر:

تثبت دولة الاحتلال الصهيوني يوماً بعد يوم أنها دولة الإرهاب المنظم في العالم دون منازع، وقد انكشفت صورتها الحقيقية أمام العالم من خلال عدوانها المستمر على قطاع غزة؛ إذ شملت البشر والحجر وذهب ضحيتها آلاف الشهداء والجرحى، ولم تغب صورة الشهداء والجرحى عن الذاكرة الإنسانية خلال الانتفاضة الأولى التي سقط خلالها أكثر من ألفي شهيد نصفهم من قطاع غزة. ولم تتوقف آلة الموت الصهيونية المصنَّعة أمريكياً عند هذا الحد؛ فخلال انتفاضة الأقصى التي انطلقت من باحاته المشرَّفة في سبتمبر/ أيلول من عام 2000م قتل الجيش الصهيوني أكثر من خمسة آلاف فلسطيني، وثمة مئات بينهم من الأطفال، كما تم جرح أربعين ألفاً من الفلسطينيين. ومن الأهمية بمكان إلقاء الضوء على المجازر الصهيونية خلال فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين وبعد إنشاء دولة الاحتلال الصهيوني في مايو/ آيار 1948م؛ فبينما كان عرب فلسطين غير مستعدين للحرب على الإطلاق وغير مسلحين في الغالب، وفي وضع دفاعي؛ قامت العصابات الصهيونية (الهاغانا والأرغون وشتيرن) المدعومة من الجيش البريطاني، بشن هجمات منسقة ضد المدنيين العرب في المدن الرئيسية الثلاث (حيفا، والقدس، ويافا)، وكذلك في الريف الفلسطيني، وتمَّ ارتكاب مجازر منظمة، ناهيك عن تدميرٍ ممنهجٍ للمنازل العربية؛ وذلك بغية حمل العرب على الرحيل، وفي ليلة (15) يوليو/ تموز 1947م دخلت قوة للهاغانا بستان الحمضيات الذي يملكه رشيد أبو لبن، وهو يقع بين يافا ومستوطنة بتاح تكفا الصهيونية، وكانت عائلة من سبعة أشخاص نائمة داخل منزلها وتسعة عمال آخرون نائمين خارجه، ووضعت القوة المهاجمة عبوات ناسفة وأطلقت النار، فقتلت أحد عشر عربياً بينهم امرأة وأطفالها الثلاثة البالغة أعمارهم 8 و7 و3 سنوات.

وفي 29 سبتمبر/ أيلول 1947م هاجمت الهاغانا أيضاً سوق حيفا فدمرت متجر أحمد دياب الجلني بعبوات ناسفة، وفي 12 ديسمبر/ كانون الأول 1947م دخلت قوة من الأرغون ترتدي بزات عسكرية بريطانية إلى قرية الطيرة في قضاء حيفا في الساحل الفلسطيني، وقتلت (12) عربياً وجرحت ستة آخرين. وبعد يوم من هذه المجزرة ألقت عصابة الأرغون قنابل على تجمعات عربية عند باب العمود في مدينة القدس، فقتلت أربعة من المدنيين العرب كما جرح خمسة عشر عربياً آخر، وفي اليوم نفسه هاجمت تلك العصابة الصهيونية مقهىً عربياً في مدينة يافا، في شارع الملك جورج، واستشهد إبَّان ذلك ستة من العرب، وتبعاً لمعطيات إحصائية استشهد في يوم 13 ديسمبر/ كانون الأول في كافة المدن الفلسطينية من جراء المجازر الصهيونية المنظمة (21) مدنياً عربياً.

وتابعت العصابات الصهيـونية مجـازرها المنظمة في القرى والمدن والمضارب الفلسطينية المختلفة، لكن المجزرة الأكبر كانت في 30 من ديسمبر/ كانون الأول 1947م، حين رمت جماعة من عصابة الأرغون في الساعة العاشرة والدقيقة العشرين صباحاً عبوتين من الحليب تحويان قنـابل على مجمـوعة من نحو (100) عامل فلسطيني، كانوا واقفين أمام مصفاة النفط في حيفا لتسجيل أسمائهم للعمل، وقد قتل في الهجوم ستة من العرب وجرح (46) آخرون، وفي الاشتباكات داخل المصفاة قتل العرب دفاعاً عن النفس (41) يهودياً، كما استشهد ستة من العرب وجرح (48) يهودياً و (42) عربياً. يُذكر أن العصابات الصهيونية ارتكبت أثناء فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين 12 مجزرة مروعة؛ في حين ارتكبت تلك العصابات 44 مجزرة بعدها ضد الفلسطينيين العزل من السلاح.

وقد تابعت العصابات الصهيونية مجازرها وتدمير المنازل، للضغط على الفلسطينيين في كافة القرى والمدن الفلسطينية؛ خاصة خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني 1948م وحتى مايو/ أيار من العام نفسه، وكان الهجوم والطوق يتم من ثلاث جهـات، في حين تترَك الجهة الرابعة منفذاً وحيداً لفرار الفلسطينيين الناجين من المجازر الصهيونية، والحديث عنها في القرى القريبة، حتى يدب الرعب في قلوب أهل القرى الفلسطينية الأخرى. ومن أهم المجازر الصهيونية المرتكبة في عام 1948م مجزرة دير ياسين في قضاء القدس، ومجزرة قرية الطنطورة إلى الجنوب من مدينة حيفا عروس الساحل الفلسطيني، ومجزرة قرية بلد الشيخ في قضاء حيفا؛ وهي القرية التي دفن فيها ضريح المجاهد السوري الكبير (عز الدين القسام) بعد استشهاده في أحراج يَعْبُد في قضاء مدينة جنين في نوفمبر/ تشرين الأول من عام 1935م، وثمة مجازر أخرى ارتكبت في قرى ومدن فلسطين خلال عام 1948م.

وتوِّجت المجازر الصهيونية فيما بعد بقتل الوسيط الدولي (الكونت برنادوت) في القدس يوم 18/9/1948م على يد العصابات الصهيونية، وكان على رأسهم رئيس الوزراء الأسبق لدولة الاحتلال الصهيوني إسحاق شامير، وذلك لأن الوسيط الدولي حمَّل في تقريره الذي رفعه إلى الجمعية العامة للأمم المتحـدة بتاريخ 16/9/1948م المحتلَّ مسؤولية بروز قضية اللاجئين، وأكد بأن أي تسوية لا يمكن أن تنجح دون عودتهم إلى ديارهم. وبناءً على تقريره، صوتت الجمعية العامة على القرار (194) بتاريخ 11/12/1948م.

تهجير الفلسطينيين:

الهجمات العسكرية والمجازر الصهيونية المرتكبة بحق الفلسطينيين في العديد من المدن والقرى الفلسطينية هي عملية عسكرية منظمة استهدفت الطرد الجماعي للفلسطينيين، لإفراغ الأرض من سكانها العرب.  

وبشكل عام فإن المجازر الصهيونية قد أدت إلى التهجير القسري لنحو (850) ألف عربي فلسطيني كانوا يشكلون 60% من مجموع سكان فلسطين العرب خلال العامين (1948 - 1949م)، وكان سبب تهجير 25% من سكان نحو (532) قرية وخربة عربية الطرد المباشر بواسطة عمليات البطش والمجازر على يد العصابات الصهيـونية مثل الهاغانا وشتيرن وغيرهما، في حين هُجِّرَ 55% من سكان تلك القرى التي دمر منها (400) قرية، هُجِّروا أمام هجوم عسكري على القرية، كما هُجِّرَ 10% من سكان القرى العرب تحت وطأة هجوم قادم متوجه إلى القرية، في حين هُجِّرَ تحت وطأة الحرب النفسية والإيحاء للأهالي بهجوم قادم نحو 10%.

لم تتوقف المجازر الصهيونية بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، واتخذت صوراً مختلفة، لكن اللافت أن لمدينتي القدس والخليل أهمية خاصة في المخططات الصهيونية، بغية إفراغهما من أهلهما العرب بقوة المجازر، وفي هذا السياق ارتكب الجيش الصهيوني مجزرة مروعة في ساحة المسجد الأقصى في عام 1990م، ذهب ضحيتها ثلاثة عشر شهيداً فلسطينياً، كما ارتكب مستوطن صهيوني مدفوع من الأحزاب الصهيونية مجزرة في الحرم الإبراهيمي في عام 1993م، استشهد فيها (60) فلسطينياً من المدنيين العزل، وتكررت مجازر عديدة في المدينتين خلال العقود الخمسة من احتلالهما.

ولم تكن المجازر الصهيونية محصورة في فلسطين، بل تعـدَّت ذلك إلى المناطق العربية الأخرى، وكان من أهم فصولها قصف الطيران الصهيوني لمنطقة قانا في جنوب لبنان التي استشهد إبَّانها نحو (100) من النساء والشيوخ والأطفال اللبنانيين، وذلك في مقر لقوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب اللبناني، وقد حصل ذلك على مسمع ومشاهدة العاملين في القوات الدولية في شهر أبريل/ نيسان من عام 1996م. فضلاً عن ذلك ارتكب الموساد الصهيوني مجازر عديدة داخل فلسطين وخارجها، ناهيك عن الاغتيالات المنظمة للعديد من سفراء فلسطين ومثقفيها في الخارج. الأمر الذي يعزز ضرورة تدويل قضيـة المجازر التي ارتكبتها دولة الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب العربية وسَوق مجرمي الحرب الصهاينة إلى العدالة الدولية لينالوا عقابهم، وقد يعزز هذا التوجه عضوية فلسطين في العديد من المنظمات الدولية، وفي المقدمة منها المحكمة الجنائية في لاهاي.

الدعم الأمريكي

تعتبر الولايات المتحدة شريكاً لإسرائيل بالعدوان المستمر على الشعب الفلسطيني وارتكاب المجازر، وتلك الشراكة ليست حديثة العهد؛ فقد تجاوبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، منذ عام 1948م، مع الإستراتيجية التي تقوم على تطوير التحالف مع إسرائيل، وترسيخه في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والدبلوماسية، وتجلى ذلك بالدعم الأمريكي لإسرائيل في أروقة المنظمة الدولية واستخدام الفيتو ضد أي محاولة لاستصدار قرارٍ يدين ممارسات إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وقد اتضح التوجه الأمريكي لدعم إسرائيل في فترة الانتفاضة، وقبل ذلك، بالضغط الأمريكي على الأمم المتحدة لإلغاء القرار الذي يماثل العنصرية بإسرائيل، بَيْد أن المساعدات برزت باعتبـارها الأهم في إطار الدعم الأمريكي لإسرائيل؛ فقد حلت أزمات اقتصادية إسرائيلية عديدة، أو حدَّت منها على الأقل، ناهيك عن أثرها المهم في تحديث الآلة العسكرية الصهيونية، وتجهيزها بصنوف التكنولوجيا الأمريكية المتطورة. وفي هذا السياق، قُدرت قيمة المساعدات الأمريكية لإسرائيل خلال الفترة بين عامي (1948 - 2019م) بنحو 134 مليار دولار، منها نحو 60 % قيمة المساعدات العسكرية، و40 % قيمة المساعدات الاقتصادية.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه مع انكشاف صورة إسرائيل العنصرية وارتكابها لأبشع المجازر ضد الشعب الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة، ارتفعت وتيرة المقاطعة الشعبية في مزيد من دول العالم لبضائع المستوطنات الصهيونية، فضلاً عن مقاطعة جامعات أمريكية وأوروبية لجامعات دولة الاحتلال الصهيوني، الأمر الذي يعزز من فرص ملاحقة مجرمي الحرب الصهيونيين وسوقهم إلى العدالة الدولية.