توطئة

كثيراً ما نردد في أحاديثنا ومناقشاتنا وكتاباتنا عبارة «التاريخ يعيد نفسه»، دون أن نستحضر في أذهاننا أن هذه المقولة - رغم الجدل والاختلاف الدائر حولها من لدن المؤرخين، بين من يناصرها ومن يعارضها ومن يقف حدّاً أوسط؛ إذ إن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه نسبياً في بعض الجوانب مع بعض التباين طبعاً، ونحن مع هذا الاتجاه - لم تُشهَر بادئ الأمر لكي تبقى حبيسة بُعدِها النظري التداولي، وهو ما يجعلها عديمة الفائدة والمنفعة بالمنطق البراغماتي. ولكن عندما نفهم جيداً أن التاريخ ذاك الغائب الحاضر، الذي يوجه كما يؤثر في حاضرنا ومستقبلنا، بل قد يفاجئنا أحياناً بأحداث كنا نعتقد أنه قد طواها الزمان وعمَّها النسيان، آنذاك يمكننا تلقي «مكائد» التاريخ دون أن نصاب بالصدمة، التي تجعل ردود أفعالنا تتسم بالتيه والارتجال والانفعالية. إذا كان هذا ما يجب أن يكون عليه حالنا نحن العربَ، فإن واقع الحال لا يبدو كذلك.

فلطالما شتمنا ولَعَنَّا «وعد بلفور المشؤوم»، حتى صار هذا الوعد ووزنه في تاريخ القضية الفلسطينية، لا يكـاد يخفى على أحد في أمتنا العربية. ولأن التاريخ يعيد نفسه كما قلنـا وما نزال نقول؛ فماذا تعلمنا من هذا الدرس (درس بلفور)؟ وماذا أعددنا من عدة لتلافي وعود مماثلة؟

وعد جديد

بعد حوالي قرن من الزمن على صدور «وعد بلفور»، تفاجأ الفلسطينيون (العرب) المسلمون، قبل عامين، بـ «وعد ترامب» الذي وإن كان يقر في محتواه الظاهر بجعل القدس عاصمة لـ (إسرائيل)، فإنه على مستوى امتداداته البعيدة يرنو إلى الإجهاز على البقية الباقية من المجال الفلسطيني. من هذا المنطلق، يعتبر «وعد ترامب» خطوة هامة تنضاف للمشروع الصهيوني ومخططاته التهويدية. إن من يقف وقفة تأمل في ظروف قيام إسرائيل، لن تطاله الدهشة والصدمة من هذه «الصفقة التجارية»، فإذا كـانت أمريكا من السباقين إلى الاعتراف بدولة إسرائيل؛ فكيف نريد لها اليوم - إذا جاز التعبير - أن تكون من المحسنين المحبين لأعمال الخير والراغبين في إيجاد تسوية نهائية للقضية الفلسطينية؟ وكيف يمكن لأمريكا أن تنهي قضية تضمن لها دوام مصالحها ووجودها وتدخُّلها في المنطقة من خلال جعل الوجود الصهيوني حجر عثرة أمام مساعي «النهضة العربية»؟

(صدفة) غريبة

عندما نقارن الوعدين «بلفور» و «ترامب»، نجد أن (المصادفة) التاريخية تحضر بقوة، سواء من حيث السياقُ الذي جاء فيه الوعدان، أو طبيعة الدولة التي أصدرت الوعد ودورها في المنطقة. فالمعلوم أن السياق الذي زامن «وعد بلفور» كان حـافلاً بفوران المنطقة نتيجة الثورة العربية الكبرى بزعامة الشريف حسين سنة 1916م بإيعاز من بريطانيا ضد السيادة العثمانية، وهو ما فتح المجال أمام الغرب (بريطانيا وفرنسا) للتدخل في المنطقة مستفيداً من الظرفية والحالة المتردية للعرب آنذاك، وطبيعي جداً في وضع كهذا أن يكون الـوقت مواتيـاً لبريطانيا باعتبارها القوة المهيمنة في المنطقة آنذاك لتمرير «وعد بلفور» سنة 1917م، متحينة بذلك انشغال المنطقة وفراغها من السلطة والقوة. ولعل التاريخ يعيد نفسه، عندما نلاحظ اليوم، كيف جاء «وعد ترامب» معاصراً للظروف نفسها تقريباً، والمتمثلة في انغماس كل دول المنطقة في شؤونها المضطربة والمنهارة وسيادة حالة من الغليان والفوضى والتنـاحر والأزمات التي تتخبط فيها المنطقة ذاتها، مع التنبيه إلى أن «الوعد» صادر، مرة أخرى، عن دولة تعد الفاعل و «اللاعب الاحترافي» بالمنطقة وهي أمريكا.

الوعي بالتاريخ: وعي بأخطار الحاضر وسيناريوهات المستقبل

إن عجلة التاريخ في حركة دائمة ومتواصلة، ووقائعه لا تفتأ عن مفاجأة أهل الحاضر وتذكيرهم، ولو بشكل عنيف، بضرورة مراجعة المنهجية المعتمدة في تدبير شؤون وقضايا هذا الزمن، كملف القدس الذي استعاد، بعد التصعيد الخطير الذي ناله من جـانب الإدارة الأمريكية، وبعد حالة من «البرود» من طرف عائلته العربية تجاهه، مكانته في الاجتماعات والنقاشات والمرافعات والاهتمامات العربية والإسلامية والدولية. وإذا كان الاهتمام العربي بالقدس هنا، جاء بعد السهم السام الذي تلقاه القلب الفلسطيني في الآونة الأخيرة؛ فهل سيظل الاهتمام متعلقاً بالظرفية و «ضربات التاريخ» المميتة للذات (المقدسية - الفلسطينية) خصوصاً والعربية عموماً؟

إن للصمود والمقاومة حدّاً ونهايةً، فطوال قرن وفلسطين تنوء تحت الاحتلال والاحتيال، مدافِعةً إياه بالغالي والنفيس في سبيل الحرية والكرامة والعدالة وغيرها من حقوق الإنسان، التي يتوقف الحديث عنها حينما يتعلق الأمر بالشأن الفلسطيني؛ فمن «وعد بلفور» الذي مكَّن لتوطين الصهاينة على الأراضي الفلسطينية في بداية القرن الـ (20)، يعيد التاريخ كرَّته في وعدٍ ثانٍ ذي نسخة أمريكية هذه المرة؛ وكأن التاريخ لا يرضى لنفسه النسيان فأبى إلا أن يبصِّرنا من خلال هذا الحدث، بمسؤوليتنا تجاه قبلتنا الأولى. في هذا السياق يشير المؤرخ التركي (محمد كابْلان) إلى حقيقة التاريخ قائلاً: «إن الأجيال التي تجهل تاريخها، تفقد شعورها بالمسؤولية تجاه أمتها... ولا تبلغ تلك الأجيال مستوى الكمال إلا بالاندماج مع أمتها وتاريخها»[1]. إذا كنا سنقف موقف المراقبين المصدومين من تحولات وأزمات الحاضر، الذي يُعَد التعرف على الماضي شرطاً لفهمه ومـن ثَمَّ التموقع فيه؛ فلماذا ندرس التاريخ؟ ولماذا نسعى إلى توثيق وكتابة التاريخ؟ إن التاريخ ليس، البتة، تراكمات مكدسة من الأحداث والوقائع والسنوات المحفوظة دون هدف، بل هو علم حافل بالتجارب والخبرات والأفكار والنماذج وأسباب النهوض وعوامل السقوط، ولذلك يعتبر التاريخ أساس العلوم إن لم نقل «أبو العلوم» على حد وصف المؤرخ الإغريقي هيرودوت. وفي سبيل التوجيه والإرشاد انطلاقاً من الماضي، دعا الله تعالى الإنسان في محكم تنزيله، إلى الوعي بالتاريخ والاتعاظ من قصص الأولين فقال عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلَّا رِجَالًا نُّوحِي إلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ} [يوسف: 109](2)، وقوله تعال: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْـحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120](3).

يبدو إذن، أن التاريخ ليس ترفاً فكرياً كما قد يتصوره بعض الناس الذين لا يدرون كنهه؛ وإنما الوعي بأهمية التاريخ تشكِّل حاجة وجودية لازمة لكل أمة رامت فهم إشكالات حاضرها والارتقاء بمكانتها في إطار التدافع الحضاري بين الأمم. ولأن التاريخ، كما اختزله المؤرخ التركي عبد الحميد صديقي: «فنار ينبئ راكبي بحر الحياة الجدد، بالصخور الخطيرة المختبئة في قيعان بحر الوجود»[2]، ولأن التاريخ لا يملك عاطفة لكي ينحاز لهذا أو ذاك؛ فالتحذير واجب والبلاغ مطلوب لتطويق أزمة القدس قبل أن يتسع الخرق على الراقع، ذلك أن أي استهتار بالمسألة المقدسية قد يكون ثمنه باهظاً على مستوى صورتنا في التاريخ ونظرة الأجيال المقبلة لنا وحكمها علينا، فقد تضيع القدس اليوم وفلسطين غداً والجوار لاحقاً، ما لم يتنبه عالمنا العربي - تحديداً - لحتمية الفعل والتصرف قبل فوات الأوان. ولعل خير ما يمكن الختم به في هذا المقام، هذا البيت الشعري المأثور للشاعر الأندلسي: أبو البقاء الرندي قائلاً:

يا غافلاً وله في الدهرِ موعظةٌ

إن كنتَ في سِنَةٍ فالدهرُ يقظانُ

 


 


[1] جولاك، إسماعيل، «الوعي بالتاريخ واستشراف المستقبل»، ترجمة: نور الدين صواش، مجلة حراء، العدد 51، السنة الحادية عشرة، نوفمبر - ديسمبر، 2015م، ص50.

[2] المرجع السابق، ص52.