من عاملٍ بنَّاء إلى عسكري حراسة إلى قائد فيلق محافظة كرمان في بداية الحرب العراقية الإيرانية، ثم أصبح من القادة المهمين في الحرس الثوري وشارك في التواصل مع أكراد العراق وتوجيه قوات بدر الشيعية العراقية الموالية لإيران، وبعد الحرب تولى قيادة الحرس الثوري في مقاطعته القريبة من أفغانستان وبعدها تولى قيادة فيلق القدس في الحرس الثوري، وهو المكلف بالعمليات الخارجية وذلك - تقريباً - في عام 1997م، وبالطبع هذا المنصب يعني دخوله في كل الملفات الخارجية من إدارة حزب الله بفروعه المختلفة من لبنان إلى اليمن مروراً بالخليج... وعموماً فهو أساس مشروع تصدير الثـورة الخمينيـة، وهو عمـل عسكري ثقـافي استخباراتي دبلوماسي ضخم.

ولذا فبعيد أحداث 11 سبتمبر 2001م توجه ريان كروكر، وهو مسؤول رفيع المستوى بوزارة الخارجية الأمريكية إلى جنيف لمقابلة دبلوماسيين إيرانيين تابعين لقاسم سليماني لتنسيق عملية إسقاط طالبان، ولا شك أيضاً أن له دوراً كبيراً في ترتيب المشاركة الإيرانية في احتلال العراق؛ فأثناء الغزو وما تلاه كان واضحـاً أن الهدف الأمريكي الإستراتيجي هو إزاحة السُّنة عن الواجهة في المنطقة وإحلال الشيعة مكانهم، ولم يكن العراق إلا البداية فقد تبعته لبنان وسوريا واليمن وحاولوا في الخليج...

 والمهم أن سليماني كان حاضراً بقوة وبصورة علنية في كل العمليات العسكرية والسياسية والاستخباراتية، وكان رأس حربة في كل الأعمال القذرة التي نُفِّذَت في العراق وسوريا من تدمير الحواضر السنية والتهجير الممنهج للسنة؛ ولذا فقد تجاوزت شعبيته الجميع في إيران وأصبح دخوله المعترك السياسي مسألة وقت؛ ولا شك في أنه سيكون زعيم المستقبل. والمتوقع أن المشروع الإيراني سيدخل في منعطف جديد تحت إدارته ولكن الحَراك الشعبي الشيعي في العراق ورفضه للوضع الحالي القائم على سيطرة أمريكية إيرانية مشتركة سيحبط ذلك؛ فالشعارات ضد الاحتلال المزدوج وما تمخض عنه. وبالطبع فإن أمريكا تلقي باللوم على إيران بالفشل في إدارة المشهد العراقي.

 ولذا شاهدنا سليماني المسؤول المباشر عن العراق في نشاط محموم للملمة الوضع، وكان واضحاً من زياراته للعراق واجتماعاته بزعماء الأحزاب وقيادات الميليشيات الشيعية أنه هو من يمسك حقاً بأطراف الملف، وكان الفشل في احتواء الحَراك نذير شؤم بانهيار المشروع الأمريكي بالعراق، وكانت آخر ورقة بيد السيد ووكيله هي افتعال خلافٍ أو شِجارٍ يغطي على الحَراك ويقسم الشارع إلى طرفين أحدهما مع إيران والآخر مع أمريكا، وتحوُّل الحشد الشعبي الذي كان يطلق النار على المتظاهرين ويصفي الناشطين إلى مقاوم للوجود الأمريكي ومحاولة إعادة تمثيل عملية السفارة، وبما أن العملية مفضوحة ولم تؤدِّ إلى إشغال الحراك فقد قررت القيادة الإيرانية استدعاء سليماني إلى العراق فحضر على عجل بطائرة خاصة سورية واستُقبِل في مطار بغداد وخرج من المطار بموكبه المعتاد وكان الحلفاء بانتظاره وتمَّت تصفيته مع الرجل الثاني في الحشد الشعبي؛ فلا عزاء للفاشلين.

وبين افتخار ترامب وبكاء خامنئي المصطنع ستدخل المنطقة في مرحلة تعاون أمريكي إيراني جديدة تركِّز على العراق ومحاولة الحفاظ عليه، وهو ما يعني إيقاف أو تجميد المشاريع الثانوية - ومن أهمها المشروع الإيراني - لاحتواء المقاومة الفلسطينية؛ فالنظام في إيران مقبل على أيام عجاف، فالغليـان الشعبي في العراق يقابله غليان داخلي، وهو ما يوجب تركيز عمل فيلق القدس وإعادة تحديد مناطق نشاطه الحيوية؛ فهناك رعب إيراني من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان؛ فطـالبان مقبلـة، ولا شـك أنها ستنزع الخنجــر الـذي غـرزته إيران فـي ظهـرها وســتغرسه في صدرها.