وسط الضجيج الإعلامي الأمريكي حول سحب القوات القتالية من العراق، واعتبار هذا الانسحاب بمنزلة إنهاء أمريكي للمهمة التي بدأت في منتصف عام 2003؛ يظهر تفحص الوقائع أننا أمام خطة جديدة للاحتلال أو أمام تجديد صورة الاحتلال ووضعيته وطريقة تحقيق أهدافه، يجري تغطيتها بخطة تضليل إعلامية جديدة، مختلفة عن تلك التي جرى تحت ستارها احتلال العراق، وعن تلك التي جرى العمل بها تجاه أوضاع هذا البلد في مرحلة قوة واندفاع المقاومة العراقية. . إلخ.

لقد اهتم الإعلام مباشرة أو من خلال نقل تصريحات المسؤولين بقضايا الانسحاب الأمريكي الحادث من العراق - الذي لا جهة محايدة قالت بحجم وحدود هذا الانسحاب - من زوايا داخلية عراقية ارتبط أهمها بمدى قدرة أجهزة الأمن والقوات المسلحة العراقية على تولي ملفات الأمن بعد هذا الانسحاب، ومن زوايا أمريكية بعضها يتعلق بانتهاء مهمة القوات الأمريكية في العراق الآن بصفة جزئية وفي نهاية العام القادم بصفه كلية وربط ما يجري بالحاجة الماسة إلى تلك القوات للمشاركة في العدوان الجاري على أفغانستان، وبعضها آني وسياسي مباشر داخلي في الولايات المتحدة، بالربط بين الضجيج حول الانسحاب والانتخابات التشريعية المقبلة في الولايات المتحدة. غير أن ما يجري الآن في التغطيات الإعلامية لعملية سحب القوات الأمريكية والأساس في تصريحات المسؤولين الأمريكيين؛ ليس إلا خطة استراتيجية تنتظم وتسير في أربعة اتجاهات رئيسية، أولها: تحويل الهزيمة العسكرية الأمريكية أمام المقاومة العراقية إلى نصر في الترويج الإعلامي والتصريحات السياسية، في عملية تكرارية لما حدث في معالجة الولايات المتحدة لهزيمتها في فيتنام. وثانيها: إعادة تجديد الاحتلال وتغيير نمطه من الاحتلال المباشر إلى ذلك الاحتلال غير المباشر، وما يرتبط بالنمط الجديد من تغيير في اللغة الإعلامية والسياسية الموجهة إلى الشعب العراقي المحتل وتجاهه.وثالثها: القيام بعملية واسعة مخططة (ومليئة بالارتباك أيضاً) لترتيب العلاقات بين النخب المتعاونة مع الاحتلال؛ لتشكيل سلطة جديدة أكثر قدرة على تنفيذ الخطط الجديدة. ورابعها:

أن الولايات المتحدة تعمل الآن على أرض الواقع لوضع خطط وأسس وبدائل لمواجهة التطور الحاصل في الحركة الوطنية العراقية، حتى لا تتحول إلى تيار شعبي وطني جارف يطيح بالاحتلال الأمريكي والسلطة العراقية التي تشكلت منذ الاحتلال وحتى الآن.

انسحاب ..  بلا استقلال

تؤكد السوابق التاريخية لعمليات الاحتلال الأمريكي لدول أخرى أن الاحتلال الأمريكي لم ينته بطريقة واضحة ومحددة وصريحة إلا في حالة واحدة هي الحالة الفيتنامية، إذ لا تزال القوات الأمريكية تحتل بلداناً منذ الحرب العالمية الثانية التي انتهت في منتصف القرن الماضي. ولا تخرج القوات الأمريكية من بلد احتلته إلا في حالة هزيمتها عسكرياً بصفة شاملة وقاطعة.

وفي الوقائع الجارية على الأرض العراقية فالثابت أننا لسنا أمام انسحاب شامل للقوة العسكرية الأمريكية بل نحن فقط أمام تقليل أعداد القوات الأمريكية التي تحمي عملية احتلال العراق. فوفق الوقائع المعلنة أمريكياً سيظل على أرض العراق بعد الانسحاب الحالي نحو 50 ألفاً من الجنود الأمريكيين، وهو ما يساوي أكثر من ثلث القوات الأمريكية التي أنجزت عملية احتلال العراق في عام 2003 (130 ألفاً)، كما أن الأرقام المتداولة حول أعداد شركات الأمن الخاصة العاملة في العراق - التي اصطلح على تسميتها بشركات المرتزقة - تشير إلى وجود عدد يتراوح بين 100 و110 آلاف من العاملين بها في خدمة قوات الاحتلال، فضلًا عن أن المسؤولين في الخارجية الأمريكية قد أعلنوا  - بصفتهم من صاروا مكلفين بملف العراق من قبل الإدارة الأمريكية بديلاً لوزارة الدفاع - عن التعاقد مع نحو 7 آلاف من تلك الشركات لتعويض جهد القوات المنسحبة. وقبل هذا وذاك فإن سحب هذا القدر من القوات جاء ارتباطاً بقرار آخر جعل الجنود المنسحبين زائدين عن حاجة الاحتلال. لقد صدر قرار أمريكي، منذ نحو العام، بسحب القوات الأمريكية من شوارع بغداد وبقية المدن العراقية، وإعادة تموضعها في قواعد أمريكية داخل العراق، ومن ثم لم تعد هناك حاجة إلى كل هذا العدد الذي كان موجوداً على أرض العراق (130  ألفاً). 

وفي التصريحات الأمريكية يبدو الأمر واضحاً أيضاً، إذ ثمة أقوال صريحة حول بقاء الاحتلال وسطوته، رغم هذا الانسحاب إذ أعلن المتحدث باسم البنتاجون أن الحرب لم تنته بعد وأن مكافحة  الإرهاب ستظل من مهام قواتنا، بل وصل الأمر إلى حد قول ريموند ادرينو قائد القوات الأمريكية في العراق إن القوات الأمريكية ستبقى في العراق إلى ما بعد عام 2011م المحدد للانسحاب النهائي.

وقبل هذا وذاك فالوقائع الجارية على الأرض تؤكد أن الأمور لم تتغير كثيراً، إذ اشتبكت القوات الأمريكية مع مجموعات عراقية مقاومة في بعض مدن العراق بعد هذا الانسحاب، وكأن لا شيء تغير على صعيد الأعمال والمهام القتالية للقوات الأمريكية. 

والخلاصة والأهم في ذلك كله هو أننا لسنا أمام انسحاب أمريكي مرتبط بحصول العراق على استقلاله، وإنما نحن تابعنا عملية انسحاب حددها الاحتلال، دون تفاوض مع المقاومة العراقية، كما هو انسحاب لا يجري تحت إشراف الأمم المتحدة أو حتى الجامعة العربية، بما يغير طبيعة الأوضاع في العراق ما بعد هذا الانسحاب. الانسحاب لا يأتي من خلال تفاوض جرى بين القوات والدولة المحتلة والمقاومة التي واجهتها في البلد المحتل، لتكون النتيجة إعلان استقلال البلد المحتل، وأهمية أي انسحاب كما هو معلوم في تغيير الصيغة السياسية للبلد المحتل، وتحويله من بلد محتل إلى بلد مستقل، وفي ذلك لم يتغير شيء.

الهزيمة إلى نصر

ما نشهده من وقائع وحديث بشأن سحب قدر من القوات الأمريكية المحتلة للعراق؛ هو عملية مخططة لتحويل الهزيمة العسكرية الأمريكية أمام المقاومة العراقية إلى نصر سياسي وإعلامي أو لنقل: إنها محاولة في هذا الاتجاه. والأمر ليس بجديد على الخطط والسلوك الاستراتيجي الأمريكي، إذ جرى العمل بتلك الخطة في معالجة الهزيمة العسكرية الأمريكية في فيتنام. فلم تنسحب القوات الأمريكية من فيتنام تحت إعلان صريح بالهزيمة العسكرية التي كانت واقعاً معلوماً للجميع، بل جرى الفصل الزمني بين وقوع الهزيمة والقيام بالانسحاب من جهة، وسقوط النظام الذي شكله الاحتلال من جهة أخرى، وكان  الفارق الزمني عاماً.

كان الزعم الذي روج له هو أن القوات الأمريكية أنهت مهمتها في فيتنام وأن دورها صار مقتصراً على تدريب الجيش الفيتنامي الجنوبي – الذي بلغ تعداده المليون –وقيل وقتها: إنه سيكون قادراً على حماية فيتنام الجنوبية ونظامها في مواجهة القوى المضادة. جرى الترويج لتلك المقولات في وقت كان الأمريكيون قد قدّروا أن يصمد هذا الجيش أمام الثوار لمدة عام على الأكثر، وكان هذا هو الوقت الذي احتاجت إليه أمريكا لسحب قواتها لتبدو منسحبة وفق اتفاق لا علىأساس وقع الهزيمة. وهو ما كان يبدي القوات الأمريكية منسحبة بعد أن حققت انتصاراً ببناء الجيش الفيتنامي وأنها تنسحب بعد أن أدت مهمتها، ومن بعد جرى التركيز على الدعم الصيني والسوفييتي لقوات الثوار وجعله سبباً من أسباب هزيمة هذا الجيش الفيتنامي.

في خطة الانسحاب الأمريكية من فيتنام الجنوبية، لم يجر إقرار أمريكي بالهزيمة التي وقعت شاملة وكاملة، وقدم الانسحاب والهزيمة من خلال لعبة المفاوضات مع الفيتناميين، وفق ما سماه المخضرم الأمريكي الاستراتيجي هنري كيسنجر بـ (الفجوة الذهبية). والفجوة الذهبية هي مساحة الوقت ما بين الإعلان عن الانسحاب بناء على اتفاق تفاوضي - وانتهاء الانسحاب - وسقوط النظام الذي أقامه الأمريكان في فيتنام الجنوبية. وهو ما ضمن ألا تنسحب القوات الأمريكية فور وقوع الهزيمة وتحت القصف، وفق مبدأ ومنطق الهزيمة الكاملة خلال أعمال قتالية، إذ كانت هناك مسافة من الوقت بين إعلان الانسحاب وسقوط النظام العميل وهو ما جعل من هُزم هو النظام العميل لا القوات الأمريكية.

والآن تحاول الولايات المتحدة تحويل هزيمتها في العراق إلى نصر.  هذا هو ملخص ما يجري في التغطيات الإعلامية وأحاديث المسؤولين الأمريكيين، بشأن عملية سحب نحو 80 ألف جندي أمريكي، وإبقاء نحو 50 ألفاً آخرين بحجة التدريب والإسناد للقوات العراقية.

لقد حاولت التغطيات الإعلامية وتصريحات المسؤولين إظهار الانسحاب كأنه إعلان بإكمال الأهم في عملية احتلال العراق (أو تحريره)، وأن الانسحاب يأتي إنفاذاً لاتفاق سابق مع الحكومة العراقية، كما جرى الحديث حول قدرة الجيش العراقي وأجهزة الأمن على حمل مسؤولية ومهمة حفظ الأمن في العراق، وعن تحويل دور القوات الأمريكية الباقية إلى دور التدريب، وهو ما يعني القول إجمالاً: لقد نجحنا، وها نحن ننسحب وفق ترتيبات وأوضاع مستقرة أو في طريقها للاستقرار أو وفق علاقات وأوضاع مؤسسية مع سلطة أقمناها في العراق بعد الغزو.

احتلال جديد

في الخطة الإعلامية الأمريكية يجري تقديم الانسحاب الأمريكي على أنه ناتج عن انتهاء المهمة ومشفوع بقرار وقف العمليات القتالية، وذلك للإيهام بنهاية الاحتلال، بينما الواقع أن الاحتلال يعيد تجديد صورته متحولاً من الاحتلال المباشر إلى غير المباشر، وذلك هو  الفارق بين ما حدث في فيتنام وما يحدث في العراق في قضية الانسحاب.

والانسحاب الراهن من العراق يذكرنا بتلك المرحلة التي مرت بها القوة العسكرية البريطانية التي كانت تحتل مصر. لقد أجبرت تلك القوة العسكرية في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي على الانسحاب من الشوارع والاختفاء عن الأعين، والبقاء في قواعد بعيدة عن العاصمة، لحماية نفسها من ضربات المقاومة الشعبية المصرية، فجرت بالمقابل عملية معقدة لتكثيف السيطرة السياسية على الحكم من خلال التابعين وأصحاب المصالح في بقاء الاحتلال.  كان الاحتلال يتحول من الحالة المباشرة إلى حالة غير مباشرة توجد فيها القوة العسكرية الجاهزة لتأمين السلطة المتعاونة، لكن دون انتشار في الشوارع لتفادي الضغط العسكري لحركة المقاومة الشعبية المصرية المشتدة في عام 1951.

وواقع الحال أن حقائق التاريخ تعلمنا أن الاحتلال - كل احتلال - كان يحاول دوماً إخفاء طابع وجوده واحتلاله العسكري المباشر المستفز للشعب المحتل بأسرع وقت ممكن، أو كان يحاول دوماً تزييف وجوده وتحويله من أمر مستفز إلى حالة عادية أو طبيعية. كما أن ثمة أنماطاً من الاحتلال تجري دون استخدام القوة ودون إطلاق طلقة واحدة، وهي التي توصف بالاحتلال الثقافي والسياسي والاقتصادي، وهي الحالة الأخطر على مصير الشعوب والدول المحتلة.  كما التاريخ يعلمنا أن كل احتلال عسكري قد ترافق مع احتلال ثقافي وقيمي وحضاري، فإذا نجح الاحتلال العسكري في كسر الإرادة للشعب المحتل فإن فعل تغيير الثقافة والهوية يصبح هو الشغل الشاغل للاحتلال، إذ الاحتلال الثقافي والحضاري والاقتصادي هو ما يجعل البلد المحتل وتلك القوة المحتلة في وضع مشترك، على صعيد الحياة اليومية.

وهكذا فإن ما يجري في العراق ليس إلا تحويلًا لصيغة الاحتلال من المباشر إلى غير المباشر، تحت ضغط الهزيمة العسكرية التي جرت بقدر معين على يد المقاومة العراقية.

في المرحلة الأولى من احتلال العراق كان الفعل العسكري هو الطاغي على مظهر وجود الاحتلال، إذ جرت عملية غزو وصراع عسكري بين الجيشين الأمريكي (ومن معه من قوات عسكرية خاصة من بريطانيا) والجيش العراقي، ومن بعد حين اندلعت المقاومة الشعبية العراقية كان رد الفعل الأمريكي رداً عسكرياً، فجرت المعارك متحركة من مدينة إلى أخرى، وهو ما جعل القوات العسكرية الأمريكية تنتشر في مناطق الصراع كلها، وأن تمارس دورها في قمع المواطنين؛ بهدف تطويع إرادة الشعب العراقي بالقوة العسكرية لإبطال رفضه للاحتلال، انتقالاً لمرحلة الاحتلال.

في تلك المرحلة كان الاحتلال العسكري المباشر هو الفعل الممكن، إذ لم يكن هناك جيش عراقي أو شرطة لتقوم بمهام السيطرة، وفي ذلك كان حاكم العراق أمريكياً يصدر القرارات بحل الوزارات وتشكيل السلطات الجديدة والجيش وأجهزة الأمن وتعيين الأحزاب السياسية ومجلس الحكم وصرف الاعتمادات المالية والسماح بصدور الصحف والقنوات الفضائية أو عدم السماح بذلك.  وذلك استناداً إلى السيطرة بالقوة العسكرية في الشارع العراقي. لكن الأمور تغيرت على صعيد مؤسسات الدولة التي شكلها الاحتلال من جهة، وعلى صعيد الوضع الميداني للقوات الأمريكية من جهة أخرى، إذ تعرضت لحالة نزيف لم يعد لها قدرة على احتمالها بالاستمرار في البقاء في الشوارع.

الاحتلال الأمريكي لا يستهدف - مثل كل احتلال - استمرار وضعية البقاء في الشوارع، وإلا كان الاحتلال فاشلاً وفي طريقه إلى الزوال، ولذا أدارت القيادة السياسية والعسكرية المحتلة دورة الاحتلال نحو توجه آخر، فدارت عجلة تشكيل سلطة عراقية تحت السيطرة العسكرية والسياسية لقوات الاحتلال، فشهدنا قيام مجلس الحكم وبداية تشكيل الجيش العراقي وبقية أجهزة الأمن والاستخبارات، وأعيد تشكيل وهيكلة الوزارات والإدارات والعمل الإعلامي في الدولة العراقية الناشئة، ومعها بدأ الوجود العسكري المباشر لقوات الاحتلال في الاختفاء من الصورة المباشرة لدورة الأحداث، ولنصبح أمام نمط جديد وحالة جديدة لاحتلال العراق مختلفة عن حالة السيطرة العسكرية المباشرة.

كان اشتعال المقاومة العراقية هو ما عوق الإسراع بتشكيل الدولة العراقية تحت الاحتلال، فجرى إقرار خطة عسكرية أمريكية جلب على أساسها قدراً أعلى من القوات العسكرية بهدف الإسراع بتغيير وضعية الاحتلال من المباشر إلى غير المباشر عبر إنهاء قوة المقاومة العراقية أو إضعافها، والتي كان فعلها هو ما يعوق خطة التحول من الوجود والاحتلال العسكري المباشر إلى الاحتلال الخفي.  كان المستهدف من زيادة عدد القوات ومحاولة حسم المعركة ضد المقاومة هو الإسراع بعملية تجديد مظهر الاحتلال عبر تكثيف القمع العسكري.

إعادة ترتيب النخب

في الشكل الجديد للاحتلال تحرص الولايات المتحدة على إخفاء الطابع العسكري، وتحاول باستماتة تعميق الوسائل السياسية والاقتصادية والثقافية ليتحول الاحتلال إلى نمط جديد غير مباشر، لا يجلب صراعاً ومواجهة من قبل الحركة الوطنية العراقية. وفي ذلك تدخل السلطة السياسية التي شكلها الاحتلال اختباراً جديداً بنخبها وأجهزتها وتوجهاتها، بعد انسحاب نحو 80 ألفاً من الجنود الأمريكيين. الآن تحاول الولايات المتحدة ترتيب أوضاع النخب والسلطة لتكون قادرة على أداء متطلبات الشكل الجديد. لقد اختارت الولايات المتحدة أن يجري الانسحاب عقب الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة ليجري الانسحاب بعد تشكيل الحكومة العراقية فيبدو أمر إكمال المهمة أكثر قبولاً، غير أن تلك الخطة واجهت تعثراً فعلياً. لقد شهد العراق ارتباكاً وتأخيراً وتشاحناً في عملية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، بما عرقل عملية إعادة ترتيب أوضاع النخب وفقاً للوضع الجديد للاحتلال أووفق صيغته الجديدة، وقد ساهم في هذا الارتباك حالة التصارع على النفوذ داخل الحكومة الجديدة بين الاحتلالين الأمريكي والإيراني، وطبيعة النخب المتعاونة مع الاحتلال بوصفها ذات مصالح ضيقة، وربما يمكن القول أيضاً: إن الولايات المتحدة لم تر في هذا التأخير خطراً عليها وعلى مصالحها الكلية، إذ هي تستفيد من تلك الاختلافات والصراعات في إطار سعيها الدائم لتفكيك الحالة السياسية – بما في ذلك المتعاونة معها – وإدخالها في حالة صراعات لتظل جميعها في حالة أعمق من الارتباط بالولايات المتحدة.

 النخب المتصارعة هي النخب ذاتها التي تعاونت مع الاحتلال في الأصل، وهي ذاتها التي أبدت قدراً من التعاون مع بعضها من قبل، وهي ذاتها التي قبلت بقواعد اللعبة، لكنها الآن تتمترس ضد بعضها.
والأصل أن الولايات المتحدة تريد تشكيل حكومة عراقية قادرة على الحصول على قدر من المشروعية أوسع من سابقتها وتستطيع توسيع دورها في أوساط الشعب العراقي وفق حالة أعمق من تقسيم الأدوار مع النفوذ والاحتلال الإيراني، وتلك هي المعضلة إذ تريد إيران حصة الأسد في حكم العراق. لقد طرحت الولايات المتحدة تشكيل حكومة تضم جناحي المالكي وعلاوي، لتشكيل حكومة موسعة الأطياف والدور تؤدي الدور الجديد ما بعد سحب هذا العدد من القوات ولتحويل الاحتلال إلى الصيغة غير المباشرة، لكنها حريصة في الوقت ذاته على أن تظل تلك الحكومة والنخب في حالة اعتماد عليها كل منها على حدة.

بدائل وخطط

في إدارة الولايات المتحدة لاحتلال العراق في المرحلة الراهنة تسعى  إلى الامساك بكل خيوط الحركة السياسية والعسكرية والشعبية في العراق، لتظل قادرة على مواجهة تحدي بقائها بوصفها دولة محتلة. وهي إذ شيدت أكبر وزارة لها في الخارج، فهي تحاول استمرار حالة الصراع على الأسس ذاتها التي غرستها في العراق منذ الاحتلال من الفرز الطائفي والعرقي، كما تؤسس عملياً لاشتعال حرب أهلية في العراق ووقوع صراع عربي إيراني على أرض العراق.. إلخ، باعتبار أن ذلك يمثل بدائل أمامها لاستمرار ضعف المكون الوطني العراقي ويعوق ويفرض تحديات حقيقية في مواجهة الحركة الوطنية والعربية والإسلامية المناهضة للاحتلال.

وهنا يبدو ما قاله نوري المالكي بشأن القائمة العراقية، بمنزلة الحدث الكبير فعلاً، إذ هو يدفع الأحداث بين الكتل الانتخابية إلى حالة خطرة فعلياً. حيث قال: إن قائمة علاوي قائمة سنية. والوصف له هدف سياسي مباشر، إذ يحاول المالكي الضغط على أقرانه من أتباع الحكيم وقطع الطريق عليهم في بعض الخطوات التي خطوها في المفاوضات مع القائمة العراقية. أو هو يريد إحراجهم في الأوساط الشيعية، وربما لدى الطرف الإيراني، بأنهم ليسوا فقط ذاهبين بعيداً عنه، ولكنهم ذاهبون إلى تغيير معادلة الحكم التي يحاول هو إرساءها، بأن يكون رئيس وزراء العراق من الطائفة الشيعية. لكن المغزى الأهم هو أن المالكي يشدد على الرؤية الأمريكية للوضع العراقي التحتي بعيداً عن لعبة التحالفات بين النخب العراقية المتعاونة مع الاحتلال. وكذلك فإن ما فجره علاوي من أن الولايات المتحدة تهدف إلى تشكيل حكومة عراقية ترضى عنها إيران هو بمنزلة تحريض في الجانب المقابل، مع أن الطرفين متعاونان مع الاحتلال الأمريكي.

إن كل ما يجري من خلافات وصراعات، ليس بعيداً عن الأيدي الأمريكية وعن سيطرة قوات الاحتلال، بما يوضح طبيعة الخطة والدور الأمريكي في العراق حالياً ومستقبلاً في المرحلة المقبلة، إذ لا أحد يصدق ما يلمح إليه المسؤولون الأمريكيون وبعض القوى السياسية، من أن الأمور تجري بعيداً عن الأيدي الأمريكية.