غادرت بغداد إلى الرياض في 8/11/1968م الموافق لعام 1388هـ، واشتغلت بالتدريـس وبدأت المتاعب تتوالى؛ فبعد أيام قليلة من وصولي إلى الرياض استلمت رسالة من الأهل تقول: وُضِع اسمك في قائمة الممنوعين من السفر، فإذا رجعت إلى بغداد فلن تغادرها. الخبر لم يكن غير متوقع؛ لأن حزب البعث الذي قام عام 1950م وكان يجمع مجموعة من الشباب عددهم في حدود (300)، وصل للحكم عام 1958م وشارك أمينه العام في أول وزارة جمهورية، واصطدم البعثيون يومها بالحزب الشيوعي الستاليني، فنفخ عليه (فطار) ليعود عام 1963م ويشارك في الحكومة التي أسقطت (د. عبد الكريم قاسم)؛ ولأن الشباب ما زالوا (مراهقين سياسياً)، فقد اصطدموا بالجيش، فوضعهم في طائرة وأبعدهم، ليعودوا للمرة الثالثة والأخيرة بعد الانقلاب على (عبد الرحمن عارف) وهم يتصارخون (عدنا لنبقى) وكان (صدام) يعلن أن سيحكم الحزب (3) قرون لكن كان هناك خطأ مطبعي (بزيادة صفر)؛ فحكموا أكثر من (30) عاماً، وما زالوا يحلمون بالعودة، وأحلام القطط كلها تدور حول (الفيران) والشكوى لله.

وصلتُ الرياض وكنت قد سجلت في جامعة القاهرة للحصول على درجة الدكتوراه في الشريعة، وكنت أمضي كافة الإجازات في القاهرة حتى حصلت على الشهادة عام 1972م - 1392هـ.

وكنت منتدَباً رسمياً، وفي عام 1971م ألغت جامعة بغداد انتـدابي وطلبت مني العـودة فوراً، ولو عـدت لكـان مصيـري - والله أعلم - كمصير المرحوم عبد الخالق السامرائي الذي أُعدِم ظلماً وعدواناً، أو كمصير الدكتور عبد الله سلوم الذي عاش مضطهَداً وفي حالة بؤس واضطهاد حتى مات، رحمه الله تعالى.

رفضتُ العودة وبقيتُ أمارس التدريس في الرياض، حتى ذهبتُ إلى السفارة العراقية لتجديد جوازات سفري وأولادي، فرفضتْ الســفارة ذلك، وكان المســؤول (قاسـم) الذي لا يحمل شهادة المتوسطة يعامل كلَّ مراجع أسوأ معاملة مهما كانت منزلة المراجع. سألته: لماذا هذا القرار؟ قال: أنت معادٍ للثورة والحزب. قلت: سألتكم على الهاتف، فقلتم: احضر. فقطعت ألف كيلو متر حتى وصلت؛ فلماذا هذه المعاملة؟ كرر أنت معادٍ للثورة والحزب. وخشيت أن يحتفظ بالجوازات فأصير وأولادي في أسوء حال.

وبقيت ما يقارب عشر سنوات هكذا أنا وأولادي، ولولا لطف الله لبقي أولادي مشردين ودون دراسة وتعليم، فقررت البقاء بعيداً عن بغداد والأهل، وقد أصيب لي أخ بالسرطان وجاء إلى الأردن، واعتقدت أني متى التقيت به فسوف يعاني من متاعب وتحقيقات كثيرة... رجع هذا المريض لبغداد وهو لا يقدر على المشي فاستُدعي للتحقيق ثلاث مرات في (تكريت)، والجريمة الكبرى أنه ذهب إلى الأردن كي يلتقي بي، ووالله ما رأيته حتى مات.

حين سقطت بغداد كما يسقط جدارُ طينٍ قديمٍ متآكلٍ، اشتريت تذكرة سفر وحجزت إلى عمَّان؛ كي أغادر إلى بغداد، وقامت مصاعب ومشاكل جعلتني أعدل عن السفر حتى عام 2009م. ذهبت إلى دمشق وأخذت الطائرة لبغداد، وفي الطريق كنت أضرب أخماساً بأسداس؛ تُرى ماذا ينتظرني؟ وكيف أتصرف؟

بعد ساعة من طيران حطت الطائرة الساعة (9) صباحاً في المطار الذي لم أتمكن من معرفة أين موقعه من بغـداد، رحت أتطلع في الوجوه علَّني أتعرف على أحد لكنَّ هذا كان مستحيلاً.

جلست صامتاً انتظر (الشنطة) اليتيمة، ومضت (3) ساعات جلست خلالها حتى جاءت، وقلت: هذه واحدة، وتذكرت أبا الطيب وهو يترنم:

مغاني الشِّعب طيباً في المغاني

                                بمنزلة الربيع من الزمانِ

ولكنَّ الفتى العربيَ فيها

                             غريبُ الوجهِ واليدِ واللساني

شعرت بغربة مع أني كثير التجـوال والتـرحال؛ سـافرت ما بين إنكلترا وهولنداً غرباً، وماليزيا شرقاً، وبين تركيا شمالاً وجمهورية جنوب إفريقيا جنوباً وما بين ذلك؛ لكن الغربة والوحشة التي شعرت بها والخوف كان في بغداد أكبر وأعظم.

وجاء الفرج فوجدتني أقف وجهاً لوجه مع ابن بلدي النائب عبد الكريم السامرائي، حتى كأنه جاء هدية من السماء، جلسنا نتحدث لكنه اعتذر بأنه ذاهب لمجلس النواب مباشرةً، وكلَّفني باستلام حقيبته اليتيمة، وبعد أن قاربت الساعة (12) ظهراً استلمت الحقائب وجاء شخص مكلَّف باستقبالي، وما إن خرجنا من المطار حتى استوقفَنَا عسكري عراقي مدجج بالسلاح وأمر المرافق السائق بأن أُخلِي السيارة؛ لأنها غير مصرح لها بنقل أحد، وبعد أخذ وردٍّ استدعى سيارة (تاكسي)، وقال لي: اركب والسيارة الثانية خلفك. مشينا في حدود كيلو متر قال: انزل وادفع أجرة (40) ألف دينار، وقام من استقبلني بدفعها دون نقاش، وهذه الأجرة يدفعها راكب الباص من بغداد إلى دمشق، وكانت أول مفاجأة أو فاجعة أني وجدت أن السير بين سورين من الإسمنت بارتفاعٍ يزيد عن مترين عن اليمين والشمال، ولا يرى الإنسان شيئاً عن يمينه أو شماله، وفي الطريق إلى محل إقامتي في (اليرموك) رأيت رتلاً من الجيش الأمريكي  يسير بسرعة (20 - 30) كيلو متر في الساعة، وعلى كل إنسان كائناً من كان أن لا يقترب من هذا الجيش وإلا فسيطلق عليه النار، وممنوع بصورة أشد أن يتجاوز هذا الجيش؛ فإن فعل فمصيره القتل. والجديد في الأمر أن الأمريكين علَّموا القوات العراقية هذا النظام حرفياً.

في بغداد وجدتُ كل شيء قد تغيَّر فقد غبت (42) سنة متصلة؛ لذا لم أستطع التحرك إلا بسيارة ودليل، كذلك لم أفهم كيف يشعر الفرد العراقي بما يحصل من خلل في الأمن، كنت في منطقة (كرادة مريم) في سيارة ومعي أكثر من شـاب قالوا: حصل شـيء؟ قلت: لا شيء، الحركة كما هي والناس كعادتهم. لكنهم أصرُّوا: لقد حدث شيء، وتحركنا وبعد دقائق علمنا أن مفخخة أو أكثر قد ضربت وزارة الخارجية ومتصرفية بغداد، وقتلت الأطفال الذين في الروضة القريبة، وربما لم ينجُ منهم أحد.

ذات مساء ركبت سيارةً وفي (سوبر ماركت) صغير دخلت لشراء بعض الحاجيات، فلما خرجتُ وجدت الشوارع قد امتلأت بالجنود المدججين بالسلاح، فسألت السائق: ماذا حصل؟ قال: التزم الصمت. حاولنا العودة لكن وجدنا الطرق قد أُغلِقت، وكلَّفَنا الأمرُ أن ندور بالسيارة أكثر نصف الساعة حتى عدنا لمكان السكن وبينه وبين (السوبر ماركت) (50) متراً.

مما أثلج صدري أنني ذهبت للسوبر ماركت وكانت امرأة تقف لتدفع النقود، فلما انتهت وخرجت عادت مسرعة وبيدها كمية من النقود، وهي تقول: لقد دفعت لي أكثر من حقي. ورمت النقود وانصرفت، قلت للواقف على الصندوق: ما شاء الله، هذه أمانة رائعة! قال: الحمد لله، هذا يحدث كثيراً.

لي قريب فقد بصرَه زارني فقدَّمت له ورقة (أي: مئة دولار) وهي تساوي أكثر من مئة ألف دينار، فرفضها وقال: الحمد لله أنا غير محتاج. فلم يأخذها إلا بعد إلحاح شديد.

وهذه امرأة أحد المشايخ قُتِل زوجها وخلَّف لها أولاداً صغاراً، حاولتُ عن طريق بعض النساء أن أدفع لها (ورقات) فرفضتْ كلِّياً وهي تقول: أهل زوجي يتكفلون بنا، ونحن لا نستحق الصدقة، وفي البلاد مستحقون كثر.

وعكس هذا ثمة رجل (بدون ذرة رجولة) له امراة غنية، طلب منها أن تأخذ الأولاد وتسافر إلى دولة عربية مجاورة حرصاً منه على أمنهم وحياتهم، وأن تعمل له تفويضاً ليقوم بتصريف الأعمال؛ فباع العقارات وكلَّ ما تملك ولفِّق لها (تهمة) وأفهمها أنها متى عادت لبغداد فسوف تُسجَن... إنه رجل نذل وبلا رجولة!

عشت في بغداد ثمانية أشهر، لكنَّ وجود (صبات الكونكريت) التي تفصل الأحياء عن بعضها؛ حتى ليمكن ضرب الحي  بالطائرات دون أن يصاب الحي المجاور... كان شيئاً مخيفاً.

لقد ألِف الناس الموت إلفاً غريباً، بل صار (حديث الساعة)؛ فالمفخخات أسبوعية، والعبوات توضَع تحت السيارات يومياً، والأمراض السـرطانية والضغـط وأمـراض القلب والتنفـس لا ينجو منها بيت، والتعليم في هبوط والدروس الخصوصية في تمدُّد وانتشار. أما البطالة فشيء يفوق التصور، والناس في ضيق لا يُتصَور.

ويوجد اليوم بحسب إحصائيات هيئة الأمم المتحدة أربعة ملايين يتيم ومليون أرملة، وهذا العدد يساوي سدس الشعب العراقي، وهؤلاء الأيتام إن لم يتولاهم أحد فبعد سنوات سيكون في العراق جيش من المجرمين واللصوص والنشالة والعاطلين والمتخلفين والجهال والحاقدين؛ لذا أدعو إلى قيام جمعيات تتكفل بهم، وهناك قصور وعقارات (لصدام) وأفراد النظام تساوي اليوم (مليارات) تخصَّص حصراً لهذه الفئة المطحونة، ولا تكلِّف الدولة سوى حصر هذه القصور والعقارات وتسجيلها لحساب (الأيتام والأرامل).

الزراعة بأنواعها في تدهور؛ لقلة الماء وغلاء أسعار الديزل ومشتقات النفط، والعراق اليوم يعيش على الاستيراد بما في ذلك ماء الشرب من الكويت والأردن وسوريا والسعودية؛ فمن يصدق ذلك؟

والمشكلة الكبرى في العراق أنه بات منطقة تجاذب وساحة مصارعة، وهناك مَثَل هندي يقول: حين تترمل امرأة تريد أن تعيش (بشرف) لكن جيرانها لا يسمحون لها!

وأخيراً: ينتشر ملايين من العراقيين تحت كل نجم وفي كل القارات. وهؤلاء سيضيعون، وفيهم أصحاب كفايات لا يستغني العراق عنهم، ولا في مقدوره أن يعوض عنهم في القريب العاجل...

آهِ يا بغداد! سمَّوك (دار السلام)، فصرتِ دار الموت والخطف والقتل والاعتقال، ولا يعلم أحد اليوم عددَ الذين قُتِلوا أو شُرِّدوا، أو غيبتهم السجون والمعتقلات، والذين جرب فيهم الجيش الأمريكي كلَّ ألوان التنكيل والاحتجاز سنوات بدون تحقيق، ولا محاكمة!

ويبدو أن هذه (الديمقراطية) كانت (هدية أمريكا) للعراق وأهل المنطقة. يقول الشاعر:

ومن يجعلِ الضرغامَ صيداً لبازهِ

                               تصيَّده الضرغامُ في ما تصيَّدا

لأن العدل في خطر

إن آثار الاحتلال وحكوماته في نسف قيمة العدل وتبنِّي الظلم مهولة؛ فإن نسبة 59 % من المعتقلين دخلوا المعتقلات جراء خلافات شخصية ودعاوى كيدية، أو نتيجة استمرار الاعتقالات العشوائية التي تنفِّذها قوات الاحتلال والقوات الحكومية يومياً. وإن نسبة التعذيب في المعتقلات بلغت 100 %، وهي كما يلي: جميع المعتقلين تعرضوا لنوع واحد أو أنواع مختلفة من التعذيب، ولم يقدَّم أي منهم لمحكمة وإن كان قد جرى  التحقيق مع بعض منهم، وإن 87 % منهم لا يعرفون سبب اعتقالهم، وتراوحت مدد احتجازهم بين ثلاثة أشهر وأربع سنوات، وإن 81 % منهم لم يحظوا بأية زيارة من أقاربهم أو ذويهم.

وخلال عام 2009م نفَّذت السلطات الحكومية حكم الإعدام بما لا يقل عن (120) عراقياً، بينما ينتظر (900) آخرون المصير نفسه، ومن بينهم (17) امرأة، وأن كثيراً من المحكومين بالإعدام أُدينوا خلال محاكمات غير عادلة بناءً على اعترافات انتُزِعَت بالقوة أو ممارسة التعذيب، وكانت قد صدرت أحكام بإعدام نحو (285) شخصاً خلال عام 2008م، كما صدرت أحكام مماثلة عام 2007م بحق (199) شخصاً، في حين جرى إعدام (65) شخصاً عام 2006م.

وهنالك أكثر من (420) مركز اعتقال سري في العراق فضلاً عن السجون المعلَنة التي تقدَّر بـ (37) سجناً، تجري فيها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، من قِبَل قوات الاحتلال أو من قِبَل السلطات الحكومية، وهناك ما يزيد عن (3500) معتقل في أماكن سرية تابعة لوزارة الداخلية، يمارَس ضدهم التعذيب اليومي المبرمَج، حتى أصبحوا مستعدين للاعتراف بأية جريمة خلاصاً من تعذيب لا يطاق. وإن آلاف العراقيين ما زالوا يُقتادون الى أماكن غير معروفة، استناداً إلى الشبهات وبغية الابتزاز من دون تهم أو أوامر إلقاء قبضٍ. وإن أغلب المحتجزين تعرضوا للتعليق من أرجلهم وحُرِموا من الهواء وتعرَّضوا للركل والضرب بالسياط والأيدي، والصعق بالكهرباء والاغتصاب، في إجراء منهجي متكرر على أيدي المحققين، وقال كثيرون منهم: إنهم أُجبروا على التوقيع على اعترافات كاذبة.

 المرأة العراقية في خطر

العنف ضد المرأة في تصاعد؛ حيث بلغ عدد الحالات التي سجلتها مراكز الشرطة عام 2009م في المحافظات الكردية الثلاث فقط (1079) حالة، مقارنة مع (715) حالة عام 2008م، وإن حالات الانتحار حرقاً ارتفعت من (119) حالة عام 2008م إلى (245) عام 2009م.

وإن عدد المعتقلات العراقيات تجاوز (10 آلاف) معتقلة يتعرضن للضرب بشكل روتيني ويتعرضن للمضايقات ويُغتصَبن في السجون الأمريكية والعراقية على حد سواء، ومع ذلك فإن الحكومة العراقية تتجاهل بتعمُّد معاناة وحاجات الأطفال والنساء وهذا بحد ذاته احتقار وإهانة لحقوق المرأة.

وهناك على الأقل (200) امرأة عراقية تُباع في «أسواق تجارة الجنس» كل سنة، برغم أن منظمة مراقبة حقوق الإنسان (مقرها في الولايات المتحدة) حذرت من أنَّ الأعداد قد تكون أعلى، إذا ما جرى إحصاء عمليات المتاجرة بالنساء اللاجئات إلى كلٍّ من سوريا ولبنان. بل هناك آلاف من النساء العراقيات تحوَّلن الى «ضحايا القهر الاجتماعي والسياسي» من خلال بيعهن سنوياً في هذه الأسـواق التـي تنشط داخـل العــراق وخــارجـه لتهــريب نســاء وبنــات لا يتجــاوزن أحياناً عمر الـ (12) سنة. وتشير مصادر إلى أنَّ العدد يتزايد سنوياً بسبب تضاؤل الإمكانات الاقتصادية، والحالة الأمنية المريعة التي يعيشها المجتمع العراقي منذ سنوات، وبالتحديد مرحلة ما بعد الغزو الأميركي سنة 2003م.