تحدثت في مقالات سابقة عن شروط ولي الأمر في الشريعة الإسلامية، كما تحدثت عن رئاسة الدولة بين الشريعة والقانون الوضعي، وفي هذه المقالة أتحدث عن واجبات ولي الأمر وحقوقه:

إن الاجتماع الإنساني يحتاج - من غير شك - إلى قيادة يرجع الناس إليها في ما يرومونه من تحقيق مصالحهم وفي مـا يدرأ عنهم غـوائل ما ينـزل بهم من نوازل؛ بحيـث لا يحول تباين الآراء أو تعارض الإرادات للجماعة الإنسانية في ظل هذه القيادة دون سير الجميع في خطى ثابتةٍ متوازنةٍ نحو تحقيق المصالح العامة، وهذه قضية كلية يشترك فيها بنو آدم كلهم، وليست خاصة بجنس دون جنس آخر, ولا بأهل دين دون دين آخر، ولا يكاد تُعرَف جماعة إنسانية على مدى التاريخ الإنساني عاشت حياة راقية حققت فيها ما تصبو إليه دون وجود هذه القيادة التي يرجع الناس إليها.

وقد أخذت هذه القيادة مسمَّيات متعددة على مدار التاريخ الإنساني باختلاف البيئات والثقافات، فمن ذلك: الملِك والسلطان والأمير والرئيس. وأما في الشريعة الخاتمة المنزلة على رسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم فقد أخذت اسم الخليفة.

تعريف الخليفة:

«خَلْفٌ نَقِيضُ قُدَّام، وجاء خِلافَه؛ أَي بعده، واسْتَخْلَفَ فلاناً من فلان: جعله مكانه. وخَلَفَ فلان فلاناً إذا كان خَلِيفَتَه. يقال: خَلَفه في قومه خِلافةً.

الخَلَفُ، بالتحريك والسكون، كلُّ مَنْ يجيء بعد من مضى، إلا أَنه بالتحريك في الخير، وبالتسكين في الشر... الخَلِيفةُ مَن يقوم مَقام الذاهب ويَسُدُّ مَسَدَّه... والخَلِيفةُ الذي يُسْتخْلَفُ ممن قبله، والخَليفةُ السلطانُ الأَعظم»[1].

ومن هنا يتبين أن الخليفة يطلَق باعتبارين:

1 - جاء بعد واحد سبقه.

2 - أنه قام مقامه، وسد مسده، ومضى على سيرته وسنته.

وهذا يقود إلى أن لفظ الخليفة قد يطلق على شخص من الناحية الشكلية فقط؛ وذلك إذا جاء بعد من سبقه ولم يسر على سنته. كما يطلَق عليه من الناحية الحقيقية؛ وذلك إذا تابع من سبقه وسار سيرته، ومن هنا يظهر أن الإنسان قد يطلَق عليه هذا اللقب وقد يُنفَى عنه؛ وذلك باعتبارين: فيطلق عليه باعتبار أنه جاء بعد من سبقه وفي الوقت نفسه يُنفَى عنه باعتبار أنه لم يقم مقامه ولم يتَّبع سنته أو يَسِر سيرته، ومن المعلوم أن أول من تولى القيادة لدى المسلمين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك فإن لفظ الخليفة يستحقه على وجه الحقيقة من تولى الأمر واتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار سيرته في قيادة المسلمين، ولو جاء بعده بعدد من القرون، وأما من خالف سنته ولم يسر سيرته منهم فإنما يطلَق عليه هذا اللقب باعتبار الشكل فقط، وهو أنه جاء بعد من تقدمه، ولعل تعريف الماوردي للإمامة يدعم هذا التوجيه. يقول - رحمه الله تعالى -: «فإن الله جلَّت قدرته ندب للأمة زعيماً خلف به النبوة، وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة؛ ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع» ثم يقول: «الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»[2]، وقال ابن خلدون: «الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا»[3]، وفي الموسوعة: « رئاسة عامة في الدين والدنيا خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم»[4]، و «رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابةً عن النبي صلى الله عليه وسلم»[5]، فهذه مجموعة نقول من مذاهب فقهية متنوعة تبيِّن أن الخلافة نيابة عن صاحب الشرع، وهو مما يبيِّن خطأ قول من يقول: إنها نيابة عن الشعب أو الأمة ممن تأثر بالفكر الديمقراطي.

 واجبات الخليفة:

لقد أوجبت الشريعة على الخليفة كثيراً من الواجبات التي ينبغي عليه الجد والاجتهاد في تحصيلها حتى يكون لنَصْبِه فائدة. كما جعلت له حقوقاً على الرعية حتى يتمكن من القيام بما وجب عليه على الوجه المرضي.

هناك واجبان أساسيان يلزم الخليفة القيام بهما وما نُصِّب إلا من أجل تحصيلهما، وهما:

1 - حراسة الدين وحفظه: وهو أهم ما يعتنى به ويحافَظ عليه.

2 - سياسة الدنيا به: إذ لا تمضي الأمور على الاستقامة وتتحقق الأهداف العامة إلا بذلك، وهذه تتناول المصالح الدنيوية جميعها، واتخاذ الخطوات التنفيذية والتنظيمات العملية لتحقيق ذلك حتى ينتقل الأمر من مجرد وصايا نظرية إلى تصرفات وإجراءات عملية لتطبق في الواقع المعَاش.

 ويتفرع عن هذين الواجبين أمور كثيرة أجملها الماوردي بقوله: «... والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء:

أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة؛ فإنْ نَجَم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبيَّن له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروساً من خلل، والأمة ممنوعة من زلل.

والثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين: حتى تعم النَّصَفة؛ فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم.

والثالث: حماية البيضة والذب عن الحريم: ليتصرف الناس في المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين من تغريرٍ بنفس أو مال.

والرابع: إقامة الحدود: لتُصَان محارم الله - تعالى - عن الانتهاك، وتُحفَظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.

والخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة: حتى لا تظفر الأعداء بغِرَّة ينتهكون فيها محرَّماً، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دماً.

والسادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة؛ ليقام بحق الله - تعالى - في إظهاره على الدين كله.

والسابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف.

والثامن: تقدير العطايا وما يُستحَق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.

والتاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء في ما يفوِّض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة.

والعاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعوِّل على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة؛ فقد يخون الأمين ويغش الناصح، وقد قال الله - تعالى -: {يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْـحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].

فلم يقتصر الله - سبحانه - على التفويض دون المباشرة ولا عذره في الاتباع حتى وصفه بالضلال، وهذا وإن كان مستحقاً عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من حقوق السياسة لكل مسترع. قال النبي -عليه الصلاة والسلام -: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»[6].

 مما تقدم ذكره يتبين أن الخليفة يجب عليه أمام الأمة أمور لا يجوز له أن يتخلى عنها أو يتقاعس عن الإتيان بها، وأن المسؤولية تقع عليه كاملة في القيام بها، فحتى إن أناب عنه بعضهم أو وكَّلهم وفوَّض إليهم بعضاً من مهامه لتعذُّر القيام بها من قِبَلِه من غير مُعِين يساعده، لكن عليه المتابعة وتفقُّد الأمور حتى يتبين له أنها تسير على النحو المرضي الموافق للشريعة ويحقق المصالح العامة للأمة، ولا يجوز له أن يتشاغل عن ذلك ولو بزعم العبادة؛ فإن قيامه على أمر الأمة وحفظ دينها وتحقيق مصالحها ودرء الغوائل عنها: أفضل وأعظم أجراً من نوافل العبادات.

1 - وهذه الواجبات منها ما هو ديني صرف: كحفظ الدين على أموره المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، ويتفرع عن ذلك: إقامة المدارس والمعاهد والكليات التي تدرَّس فيها هذه الأمور، ونصب المفتين الذين يفتون الناس في ما ينوبهم من قضايا ونوازل، وإزالة الشبه التي تقع لبعض الناس وردعهم عن التمادي في باطلهم بعد إقامة الحجة وإزالة العذر، والعناية بالمساجد التي يؤدي فيها المسلمون صلواتهم: من نظافة وفرش وترميم عند الحاجة ونصب الأئمة لها، وتحري أهلَّة الشهور وخاصة ما تعلقت به العبادة كشهري الصوم والحج، وتيسير سبيل الحج والإعانة عليه، وقبض الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية.

والدعوة إلى الله - تعالى - بكل سبيل، وإعانة الدعاة إلى الله على ذلك، وجهاد من أبى وعاند بعد الدعوة إلى الإسلام وإقامة الحجة حتى يُسلِم أو يعطي الجزية.

2 - ومنها ما هو أمني: سواء مما يتعلق بالأمن الداخلي: كتنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين وإقامة الحدود لتصان المحارم وتحفظ حقوق العباد؛ وهذا يحتاج إلى نصب القضاة الذين يحكمون بالشريعة ويكونون مستقلين في ما يصدر عنهم من أحكام؛ بحيث لا يتأثرون بشيء في ما يُصدِرون من أحكام، وإيجاد جهاز شرطة قوي قادر على تحقيق المصالح المناطة به.

 أو الأمن الخارجي: كتحصين الثغور وحفظ حدود الديار من الاختراق من قِبَل الأعداء، وهذا يستلزم وجود جيش قوي وقادر مزود بالأسلحة المناسبة مع ما ينضاف إلى ذلك من التدريب وتحديث الأسلحة.

أو الأمن الفكري: كحفظ عقول الناس من الأقوال والأفكار المخالفة لصحيح المنقول أو صريح المعقول، ومنازلة الغزو الفكري القادم من خلال الفضائيات أو شبكة المعلومات، وما يتبع ذلك من إنشاء ولاية للحسبة الفكرية تُعنَى بمتابعة الأفكار والأقوال التي تُتدَاول في وسائل الإعلام المتنوعة والكتابات حتى يأمن الناس على عقائدهم وعقولهم.  

إن الذي لا شك فيه أن القيام بذلك يحتاج إلى هيئات مساعدة وتنظيمات إدارية ومؤسسات إشرافية ورقابية، وبذلك يتبينَّ أن الواجبات المناطة بولي الأمر كثيرة ومتشعبة وقابلة للاتساع بحسب ما يلزم للقيام بالواجبات الأساسية.

3 - ومنها ما هو اقتصادي: حيث يُعنَى بحفظ ثروات المسلمين وتنميتها، وما يستتبع ذلك من إقامة المشروعات الزراعية والصناعية حسب بيئة المجتمع، وإنشاء الأجهزة والإدارات التي تعمل على تحقيق ذلك، ثم توزيع هذه الثروات بين المسلمين بالعدل؛ حتى لا تستأثر بالخيرات فئة ويحرم منها آخرون، ومنع المعاملات المحرَّمة كالربا وكل ما جاء في باب البيوع المحرمة والعقود المحرمة كذلك.

4 - ومنها ما هو إداري: حيث يستعين بالأَكْفَاء النصحاء القادرين على تحقيق خطة وطموحات الدولة؛ فيوليهم الولايات ويضع التنظيمات المناسبة التي تعين على ذلك، ثم هو بعد ذلك يتصفح الأحوال ولا يتشاغل عن متابعة الأمور لا بدنيا ولا بعبادة، فهذا وما شاكله مما يجب على الإمام القيام به

ويستحدث من الأنظمة والتدابير الموافقة للأحكام الشرعية ما يعين على القيام بكل ما وجب على أحسن حال من حيث الدقةُ والأمانةُ وسرعة إنجاز الأعمال.

5 - ومنها ما هو سياسي: وهو القيام على أمور الأمة بما يصلحها وما يترتب على ذلك: من إشراك الأمة في تحمُّل مسؤولية أمانة الحفاظ على دين الأمة وإصلاح دنياها ومشاورة أهل الشورى في تحقيق ذلك وترك الاستبداد بالأمور، وكفالة حرية الأمة في اختيار ما تستريح إليه مما تُقرُّه أحكام الشريعة، ومنع الفساد وتضييق سُبُله إذا لم يمكن منعه كليّاً.

6 - ومنها ما هو اجتماعي كرعاية أخلاق الناس ودفع المنكرات وإشاعة المعروف وبالجملة كل ما ورد في ما يقوم به أهل الحسبة مع تعيين المحتسبين الأَكْفَاء لتلك المهمة.        

حقوق الخليفة:

إذا قام ولي الأمر بما وجب عليه من حقوق الأمة المتقدم ذكرها، فقد أدى حق الله - تعالى - في ما أوجبه عليه، ووجب له على الأمة حقَّان:

أولاً: الطاعة في ما يأمر به أو ينهى عنه كما وردت بذلك النصوص المتكاثرة: ويدخل في ذلك ترك الخروج عليه، وطاعة الخليفة ليست مطلقة؛ وإنما هي مقيدة بكونها في المعروف لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف»[7]، وبكونها في غير المعصية لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة في معصية الله»[8]. قال ابن خويز منداد: «وأما طاعة السلطان فتجب في ما كان لله فيه طاعة، ولا تجب في ما كان لله فيه معصية»[9].

ثانياً: النصرة: أي مناصرته والانتصار له؛ ويدخل فيها نصيحته والذبُّ عنه وعدم القدح فيه وترك مساعدة الخارجين عليه، بل الوقوف معه لو جاء أحد ونازعه الأمر ما دام أنه لم يخرج على الشريعة وقائم بتحقيق مصالح الأمة.

وحقوق ولي الأمر على الأمة لا تثبت له إلا بسبب قيامه بما يجب عليه لهم، يدل لذلك ما روي عن الصحابي الجليل رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. قال القرطبي: «روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: حقٌّ على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه؛ لأن الله - تعالى - أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته»[10]، وقول الماوردي الفقيه الشافعي بعدما ذكر الواجبات على ولي الأمر: «وإذا قام الإمام بما ذكرتُه من حقوق الأمة فقد أدى حق الله - تعالى - في ما لهم وعليهم ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة ما لم يتغير حالة»[11].

لكن ماذا لو قصَّر الخليفة في القيام بما وجب عليه، أو تجاوز حدوده وحقوقه الثابتة له شرعاً؟

على الرغم من أن المأمول أن يقوم الخليفة بما وجب عليه على أحسن الوجوه؛ وذلك للتدقيق الشديد في تحقُّق الشروط المسوِّغة لاختياره عن غيره ممن يصلح لهذا المنصب، إلا أن الشخص المختار قد لا يتحقَّق المأمول منه نظراً لما يعتري الإنسان من ضعف البدن أو ضعف الديانة، ومن ثَمَّ فإن الشريعة قد تحسَّبت لهذا الأمر وبيَّنت ما ينبغي فعله في هذه الحالة، فمن ذلك:

1 - النصيحة: فقد ورد من طرق متعددة كما هو مبيَّن في دواوين السُّنة قوله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»[12]. كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، وذكر من ذلك: وأن تُناصِحوا من ولاه الله أمركم»، فينبغي على المسلمين إذا رأوا في ولي أمرهم ما ينكَر عليه أن يبادروا إلى نصحه، وأن يكونوا عوناً له على سلوك الطريق المستقيم ولا يكونوا عوناً للشيطان عليه، ولا يسعوا في تأليب العامة عليه ولا ينزعوا يداً من طاعة ما لم يرَ المسلمون منه كفراً بواحاً؛ كما روى عبادة ابن الصامت قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال في ما أخذ علينا «أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسـرنا ويسـرنا وأثرة علينـا، وأن لا ننازع الأمرَ أهلَه، إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان»)[13]، ومعنى كفراً بواحاً: أي الكفر الظاهر الذي لا خفاء به. قال ابن حجر: «قال الخطابي: معنى قوله: بواحاً، يريد ظاهراً بادياً؛ من قولهم: باح بالشيء يبوح به بوحاً وبواحاً إذا أذاعه وأظهره... قوله: عندكم من الله فيه برهان: أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل؛ ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل»[14] وقال ابن بطال: «فيه ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم، والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلِّب طاعته لازمة، ما أقام الجُمُعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء»[15]، وقال النـووي: «ومعنـى الحديث لا تُنازِعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محقَّقاً تعلمونه من قواعد الإسلام؛ فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته... قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه»، وهذا في الوقوع في الظلم أو الفسق أما الوقوع في الكفر فأمر آخر، وترك الخروج على الفاسق والظالم كما قرره أهل العلم لا يعني ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان لا يسقطهما وجوب الطاعة والنصرة، أو تحريم الخروج عليه.

2 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إذا ترك ولي الأمر بعض ما يجب عليه من حقوق الرعية، أو قصر في تحصيلها، أو صدر منه ما منعت منه الشريعة، فإنه يؤمَر بالمعروف ويُنهَى عن المنكر حسبما دلت على ذلك نصوص الشريعة وأقوال أهل العلم المستخرجة منها من حيث الإسرارُ أو الإعلانُ ومن حيث اللينُ أو الشدةُ تحصيلاً للخير أو لخير الخيرين إذا لم يمكن تحصيلهما معاً، ودفعاً للشر أو لشر الشرين؛ إذا لم يمكن دفعهما معا.

3 - لكن إن عَظُمَ الخطب فالعزل أو الخروج هو آخر الدواء: وذلك إذا ما وقع في الكفر - والعياذ بالله - على وَفْقِ ما جاء في حديث عبادة بن الصامت السابق - رضي الله تعالى عنه - وقرره أهل العلم. قال إمام الحرمين الجويني: «فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم»[16] ثم فصل كيفية الاستدراك فكان مما قال: «إن تيسر نصب إمام مستجمِع للخصال المرضِية، والخلال المعتبَرة في رعاية الرعية، تعيَّن البَدار إلى اختياره؛ فإذا انعقدت له الإمامة، واتسقت له الطاعة على الاستقامة، فهو إذ ذاك يدرأ من كان، وقد بان الآن أن تقديم درئه في مهمات أموره؛ فإن أذعن فذاك، وإن تأبى عامَلَه معاملة الطغاة، وقابله مقابلة البغاة... وإن علمنا أنه لا يتأتَّى نصب إمام دون اقتحامِ داهية وإراقةِ دماء، ومصادمةِ أحوال جمَّة الأهوال، وإهلاكِ أنفسٍ ونزفِ أموال، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلَون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدَّر وقوعه في روم الدفع، فيجب احتمال المتوَّقع له لدفع البلاء الناجز وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه، فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع»[17]، وقال النووي: «قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل. قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها. قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة... قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه»[18]، وقال ابن حجر: «فإن أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه»[19] وقال أيضاً: «ينعزل بالكفر إجماعاً فيجب على كل مسلم القيام في ذلك؛ فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض»[20].

ويذكر الجويني ضابطاً مهماً في القيام بذلك عند حدوث سببه، وهو أنه لا يطلق للأفراد القيام بذلك فيقول: «ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضحاته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة، وتبدُّد دعائم الإسلام، ولم نجد مَنْ ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا؛ فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاعٌ ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً؛ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فَلْيمضِ في ذلك قُدُماً. والله نصيره على الشرط المقدَّم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ويرتفع بما يتوقع»[21].

اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف ويُنهَى فيه عن المنكر.

 


 

 


[1] انظر: لسان العرب، مادة(خ ل ف) .

[2] الأحكام السلطانية، ص 5 - 7،  ط دار ابن خلدون الإسكندرية.

[3] مقدمة ابن خلدون، ص 244.

[4] الموسوعة الفقهية الكويتية: 6/216.

[5] الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي  زيد القيرواني (فقه مالكي): 1/324.

[6] الأحكام السلطانية،ص 17 - 18.

[7] أخرجه البخاري ومسلم.

[8] أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.

[9] تفسير القرطبي: 5/259.

[10] تفسير القرطبي: 5/259.

[11] الأحكام السلطانية، ص 18.

[12] أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وغيرهم. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح.

[13] أخرجه البخاري، رقم7056، ومسلم، رقم 1709.

[14] فتح الباري: 13/8.

[15] شرح صحيح البخاري لابن بطال: 10/8.

[16] غياث الأمم في التياث الظلَم، ص 106.

[17] غياث الأمم في التياث الظلَم، ص 109 - 110.

[18] شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229.

[19] فتح الباري: 13/8.

[20] فتح الباري: 13/123.

[21] غياث الأمم في التياث الظلم، ص 115 - 116.