شكَّل تصاعد الدور الروسي في الأزمة الليبية عاملاً حاسماً في استدعاء وتفعيل كلِّ ما حدث من تغييرات في المواقف السياسية في المواجهات المسلحة على الأرض في الآونه الأخيره. هذا التصاعد في الموقف الروسي شكل الأساس في تغيير طبيعة المواقف الأمريكية والأوروبية والتركية (وحلف الأطلنطي) وعلى الصعيد العربي أيضاً. وفي ذلك لم يطرح تصاعد الدور الروسي قضايا تتعلق بالمواقف السياسية وتوازنات القوة على الأرض الليبية فقط؛ بل طرح - ويمكن القول: أعاد طرح - قضايا إستراتيجية (مستقرة) تتعلق بقواعد ودروس توازنات القوة بين روسيا وحلف الأطلنطي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

لقد ظلت الأوضاع في ليبيا تتقاذفها أمواج أوروبا عبر الخلاف الفرنسي الإيطالي، وأمواج الخلافات في المنطقة العربية حتى جرى تصعيد التدخل الروسي وقابله التدخل التركي، فحدث التغيير الكبير الذي تجري دورة حركته سياسياً وعسكرياً الآن على الأرض الليبية. غير أن الأهم والأكثر تأثيراً على المستقبل، هو ما قامت به الولايات المتحدة من إعادة وصف المعركة الجارية في ليبيا، من قضية صراعات حول مصالح هنا وهناك إلى صراع ذي طابع إستراتيجي وأمني بين روسيا وحلف الأطلنطي.

لقد ظلت المعارك تراوح مكانها على أبواب العاصمة الليبية طرابلس لفترة طويلة من الوقت، كان عدَّاد القتلى يتصاعد خلالها، بينما الحلول السياسية مشلولة والعالم لا يتحرك، حتى قيل إن الجميع في انتظار تغلُّب أحد الطرفين على الآخر.

لكن ما إن برز التصعيد في التدخل الروسي وقابله التدخل التركي بدعم من الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي، حتى بدأت دورة الأحداث تتغير، عسكريـــــاً وسياسيـــاً، والأهم إستراتيجياً.

أمريكا تكشف الدور الروسي وتحرك الأوضاع باتجاه مضاد:

لقد جاء تحرك الولايات المتحدة في الاتجاه المضاد للدور الروسي، تحت عنوان: خطر الدور الروسي في ليبيا على أمن أوروبا والولايات المتحدة وحلف الأطلنطي. وهي إعادة وصف لأسباب التدخل الروسي في ليبيا، كان لها تأثيرها على مواقف الطرفين الأوروبيين المتصارعين على الأرض الليبية (فرنسا وإيطاليا) وعلى موقف حلف الأطلنطي الذي تحرك بعد خمولٍ وصمتٍ؛ إذ أعلن مسؤولو حلف الأطلنطي عن دعم حكومة الوفاق. كما كان للدور الأمريكي تأثيره على مواقف بعض الأطراف العربية المنغمسة في الصراع الليبي الداخلي، والتي تدرك خطر معاندة الموقف الأمريكي أو خطر ظهورها بمظهر المتحالف مع الروس، بينما روسيا هي الداعم لإيران وللنظام السوري.

وهنا جاء الدور التركي الحاسم في تغيير المعادلات على الأرض الليبية (بالانحياز والدعم العسكري لحكومة الوفاق) مستنداً ومترجماً للضوء الأخضر الأمريكي لمواجهة الدور الروسي في ليبيا من جهة، وإنفاذاً لمصالح تركيا بطبيعة الحال.

 لقد شنت الولايات المتحدة حملة إعلامية حول أبعاد الدور العسكري الروسي في ليبيا، مستخدمة قوة سلاح المعلومات التي تجمعها أقمارها الصناعية وطائرات التجسس، فأكدت تدخُّل روسيا عبر الذراع العسكري الروسي غير الرسمي (شركة فاغنر) وأعلنت عن إرسال روسيا طائرات عسكرية من الجيل الرابع إلى قوات خليفه حفتر، وكان الأهم أن أطلق خبراؤها تحذيرات عن مخاطر التدخل العسكري الروسي في ليبيا على أمن حلف الأطلنطي في جنوب أوروبا.

في هذه الأحداث أعيد التذكير والإيضاح لمدى ارتباط أمن أوروبا والأطلنطي بأوضاع الدول العربية في البحر الأبيض المتوسط، وهو ما أعاد إلى مسرح الأحداث نمط التنافس الدولي إلى تلك المنطقة. وفي الأحداث الأخيرة أيضاً عادت الصراعات بالمنطقة إلى وضعية المحددات الإستراتيجية؛ إذ جرى الموقف الأمريكي الأخير انطلاقاً من الوضع الإستراتيجي الخطير إذا وضعت روسيا أقدامها في ليبيا، بما يوضح تأثيرات ما جرى من ضعف للحالة العربية التي جرى التعامل معها في تلك الأحداث وكأنها لا تأثير لها.

كما أزاحت الأحداث وأبعدت غطاء الأمم المتحدة (الذي تواصل اعتماد دوره لفترة طويلة في إدارة الملف الليبي)، وإحلَّت أدوار الولايات المتحـدة وأوروبا وتركيا وحلف الأطلنطي في مواجهة الدور الروسي. لقد جرت الأحداث الأخيرة وتغيرت التوازنات على الأرض الليبية في غيابٍ تامٍّ للأمم المتحدة؛ حيث لم يجرِ تعيين مبعوث أممي في هذا البلد بعد استقالة آخر مبعوث أممي (غسان سلامة)؛ وهو ما يشير إلى تنامي حِدَّة الصراع وخوضه على أسس أشد تصادمية بين الدول مباشرة.

لكن الجانب الأهم فيما جرى وما يزال يجري (إستراتيجياً) هو أن الولايات المتحدة فتحت ملف الأهداف الإستراتيجية خلف التحرك الروسي في ليبيا، مشيرة إلى استهدافٍ روسيٍّ لأمن جنوب أوروبا عبر البحر المتوسط وأنها أوضحت ارتباط إدارة هذه الأزمة وَفْقَ هذا المعطى، وهو ما أحدث التغيير في مختلف المواقف وهو أيضاً ما يحدد ملامح الصراع في المتوسط خلال الفترة المقبلة، فلم تعدِ القضية هي ما يجري بين أطراف الصراع في ليبيا بل هي قضية تهديد روسيا لدول حلف الأطلنطي ولجنوب المتوسط.

روسيا: من الدفاع شرق المتوسط إلى الهجوم في جنوبه:

تناثرت أقوال مبسَّطة حول الأهداف الروسية من التدخل في الأزمة الليبية، وربما يمكن القول بأن روسيا كانت هي ذاتهـا من تروج لمثل تلك الأقوال. قيل: إن تدخُّل روسيا لم يكن إلا عملاً من أعمال شركة أمنية خاصة (فاغنر) سعياً وراء أهداف تتعلق بالشركة أولاً، وبالترويج للسلاح الروسي وتوسيع مبيعاته ثانياً. وقال بعض المحللين إن روسيا استهدفت الحصول على بعض التسهيلات في الموانئ الليبية... إلخ. وقيل إن روسيا تحاول تعويض خسائرها المالية بعد سقوط نظام القذافي والمقدَّرة بنحو 10 ونصف مليار دولار، ما بين مشروعات مدنية وأخرى تتعلق بصفقات تسليح... إلخ. كما قيل إن روسيا طامعة في الحصول على حصة من عقود إعادة إعمار ليبيا بعد انتهاء الحرب الجارية.

لكن الرؤية الأمريكية وإعادة الوصف التي اعتمدته لتحديد أسباب تدخُّل روسيا في ليبيا، طرحت أبعاداً إستراتيجية تتعلق بإحداث تغيير إستراتيجي هام وربما حاسم في التوازن الدولي لمصلحة روسيا في المتوسط والشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا على حساب حلف الأطلنطي.

وكانت روسيا بدأت خطتَها الإستراتيجية للعودة إلى الساحة الدولية، ما بعد لملمة أوضاعها الداخلية جراء سقوط الاتحاد السوفييتى، بخطوة العودة للتأثير الإستراتيجي في المحيط. كان ذلك منطقة الدفاع في مواجهة محاولة الخنق الإستراتيجي التي كانت تتعرض لها روسيا بزحف حلف الأطلنطي إلى حدودها وهو ما جعلها تدخل في مغامرة إستراتيجية باستخدامها قواتها المسلحة كما حصل مع جورجيا. وبعد نجاحها في جورجيا تحركت روسيا إلى أوكرانيا - وَفْقَ خطة التدخل العسكري المغطى بقوى محلية - فحصلت على وجود إستراتيجي في شرق أوكرانيا، كما تمكنت من ضم شبه جزيرة القرم وهو ما أحدث تغييراً إستراتيجياً في السيطرة على البحر الأسود.

وكانت الخطـوة الثالثة أن انتقلت روسيا مباشرة إلى البحر المتوسط، وكانت سوريا هي المحطة الثالثة في العودة الروسية لممارسة دورها في الصراع الدولي، وهناك أظهرت روسيا تخطيطاً إستراتيجياً لجعل سوريا نقطة انطلاق لما بعدها، وبراغماتية بالغة التعقيد في إدارة تلك الإستراتيجية.

وقد انكشف التخطيط الإستراتيجي لجعل سوريا نقطة انطلاق، بسبب طبيعة التجهيزات والتسليح التي أرسلتها روسيا إلى قواعدها في سوريا، وإذا كان هناك من يركز تحليلاته حول الدور الروسي في سوريا بالإشارة إلى القواعد العسكرية، وحول ثبات روسيا في آخر مناطق وجودها في الشرق الأوسط (بعد أن خسرت وجودها في العراق واليمن وليبيا)؛ فالإشارة الأهم في الدلالات هي أن روسيا أدخلت أسلحة إستراتيجية في معركة وجودها في سوريا؛ إذ نشرت طائراتها الأحدث وأساطيلها البحرية ومنظوماتها المضادة للصواريخ الأكثر تطوراً، في إشارة إلى أنها مستعدة للدفاع عن وجودها الإستراتيجي وأنها تنظر لوجودها نظرة أبعد من معركة تثبيت الأسد؛ إذ كل أنواع التسليح لم تكن مكرَّسة للقتال في سوريا بل لتحقيق السيطرة الإستراتيجية في شرق المتوسط.

وفي البراغماتية فقد قبلت روسيا التعايش مع الوجود الأمريكي دون امتعاض حادٍّ، وهي في الوقت الذي تبنَّت فيه حماية حكم بشار وقبلت التحالف مع إيران وميلشياتها؛ قبلت أيضاً التعاون مع الكيان الصهيوني الذي تقصف قواته بشكل دائم الوجود الإيراني والجيش الحكومي السوري، ولم تتخذ موقفاً حادّاً حتى بعد أن تسببت هذه البراغماتية في إصابة واحدة من طائرات القيادة الروسية، وهو ما حدث  عينه أيضاً حين أسقطت تركيا إحدى طائراتها العسكرية.

من هنا فإن وجود روسيا في ليبيا (بعد سوريا) يمثل تغييراً خطيراً في توازنات القوة في المتوسط، تجاه أوروبا وتجاه الأطلنطي، وتجاه الدور والنفوذ والسيطرة في الدول العربية في شمال إفريقيا، وباعتباره بوابة في إفريقيا، وهو ما حرك الولايات المتحدة وَفْقَ خطة إستراتيجية مضادة.

الأهداف الشاملة للوجود الروسي في ليبيا:

مثَّل الوجود الروسي في سوريا ضمانة للدخول والخروج في البحر المتوسط و (العالم) وهو يضمن لها وجوداً على طرق الحركة من البحر الأسود المغلق عبر البوسفور والدردنيل إلى المتوسط والأحمر والمحيطات. لكن الوجود الروسي في ليبيا مثَّل نقطة اقتراب إستراتيجي من جنوب أوروبا إلى درجة خطرة؛ إذ يقول الخبراء العسكريون إن الطائرات الروسية الحديثة يمكنها أن تقصف القواعد الأمريكية في إيطاليا، بينما هي في أجواء طرابلس. كما أن امتلاك روسيا موقعين إستراتيجيين في الشرق (سوريا) وجنوب المتوسط (ليبيا)؛ إنما هو بمثابة تطـويق لأوروبا والأطلنطي من الشرق والجنوب. كان الوجود الروسي في سوريا دفاعياً في بدايته، أو كان دفاعاً عن آخر نقطة تمركُز لروسيا في المتوسط، وهو وجود استثمرته روسيا للاقتراب والتماس مع تركيا لخلخلة حلف الأطلنطي، لكن أمر الوجود الروسي في ليبيا جاء مختلفاً وذا طابع هجومي ومثَّل تغييراً للقواعد المستقرة في مفاهيم الأمن الإستراتيجي للأطلنطي وَفْق خبرات الحرب العالمية الثانية؛ إذ كانت ليبيا بوابة تغيير الوضع الإستراتيجي في جنوب القارة الأوروبية.

والوجود الروسي في ليبيا يرتبط بالسيطرة على خطوط حركة الاقتصاد الدولي، وتحديداً على صعيد السلعة الإستراتيجية الروسية في ثنائية (التعاون - الضغط على أوروبا)، أي الغاز، فالوجود الروسي في ليبيا يمثِّل تحركاً إستراتيجياً هامّاً للغاية لروسيا في تلك المنطقة الواعدة بالغاز، والمرشحة لتصبح منافساً للغاز الروسي، وهو ما يعزز دور شركات الغاز الروسي في البحث والتنقيب وربما محاولة السيطرة على الغاز في المتوسط عبر العقود المستندة إلى منطق الحماية العسكرية في تلك المنطقة المضطربة.

وتستهدف روسيا من خلال الوجود العسكري في ليبيا بقوات روسية المشاركةَ بفاعلية في إدارة التوازنات في منطقة المتوسط عموماً، والعملَ بحضورٍ فاعلٍ في دول شمال إفريقيا ضغطاً على منطقة نفوذٍ أوروبيٍّ تقليدية، كما يمكِّن هذا الوجود روسيا من البقاء على مرمى حجر من أهم خطوط الحركة الاقتصادية للنفط والتجارة الدولية. وهي بهذا الوجود العسكري - اليوم عبر فاغنر وغداً عبر قوات نظامية - تكمل مثلث وجودها الإستراتيجي المسيطر من إيران إلى سوريا إلى ليبيا بما غير التوازنات في أخطر المناطق الإستراتيجية في العالم.

وبحكم اتساع مروحة الأهداف الإستراتيجية، وبالنظر لاعتمادها إستراتيجية تدرُّجية لملء الفراغ الناتج عن الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط - لتركيز الجهد الإستراتيجي الأمريكي على الصين - حرصت روسيا على أن تبدو مشاركتها في الأزمة الليبية من بوابة حل الأزمة .

وهنا جاءت الأهمية والتأثيرات الكبرى للحملة الأمريكية الإعلامية والسياسية والدبلوماسية على صعيد إعادة وصف الدور الروسي في الأزمة الليبية باعتباره وجوداً يهدد الأطلنطي في جنوب القارة الأوروبية، وليس مجرد دور هامشي في ليبيا ضمن دول أخرى.

ليبيا وزيادة تعقيد الأزمة

كان لتغيُّر الموقف الأمريكي تأثيره الحاسم في تغيير اتجاه حركة الأحداث، دون أن تدخل في صراع مباشر مع الروس أو غيرهم. وفي ذلك أحد المؤشرات على انتظار الولايات المتحدة الوقت الذي تراه مناسباً للتدخل لفرض حل للأزمة الليبية ربما على غرار الإستراتيجية الأمريكية المعتمدة في البوسنة وصربيا وكوسوفا وسوريا مستقبلاً.

وفي قراءة ما جرى وما يزال يجري، فإن الأزمة الليبية قد ذهبت إلى تعقيدات أشد من السابق، وصارت أبعد عن الحلول القريبة، ليس فقط لأن تعدد الأطراف الخارجية المتدخلة يضعف قدرة الأطراف الداخلية على الوصول لحلول توافقية فقط، ولكن أيضاً لأن تدويل الصراع الليبي بات يربط حسمه بتوافقات وصراعات أخرى أبعد، يحتاج الوصول إلى حلول لها توافقات بين روسيا وحلف الأطلنطي.