هل يمكن أن نقرأ التراث قراءة جمالية؟

إن حاجة الإنسان للجمال تقترب من حاجته إلى ميـادين إنسانية ومعرفية عديدة، ويمكن تحقيقه في كثير من مظاهر حياتنا المادية، وأيضاً القولية والمكتوبة والمسموعة والمرئية، وشتان بين ما يُقَدَّم بقالب جمالي، وبين ما يخلو من الجمال. وهذا يستلزم ما نسميه (القراءة الجمالية) التي تتحسس وتستشعر الجمال شكلاً وبنية وتعبيرات وأساليب، جنباً إلى جنب مع المضامين والطروحات، وتغوص أكثر كي تصلَ إلى الرؤى ثم الفلسفة الحاكمة لأبعاد الجمال.

ففلسفة الجمال تتعامل مع الإبداع على أنه مصدر للفهم فيما يسمى (نظرية المعرفة) في الجمال، من حيث تفسير التمايزات بين الأعمال الإبداعية، كما أنها تؤصل للقيم والمصطلحات المصاغة في مجال قراءة وتحليل الإبداعات، وكذلك تمتلك القدرة على التفسير، وعلى رصد وملاحظة الأساليب المستخدمة في التعبير الفني، وتقدم لنا تفسيراً لقيمة الفن ودلالاته (أفضل مما تقدِّمه نظرية المتعة والجمال للجمال، والنظرية التعبيرية)، ولأنها تعد في حسبانها وحدة الشكل والمضمون؛ فمن المستحيل أن يعرض إبداع في شكل يخالف ما ظهر به، دون أن يفقد جزءاً من مضمونه[1].

فدراسة الجمال باعتباره سبيل إلى المعرفة يفضي بنا إلى نتائج مضافة إلى الرصيد المعرفي؛ فتلك الدراسة تحتوي في ثناياها التذوق الجمالي بما يعنيه من متعة للنفس، كما تجعل الذائقة تمايزُ وتقارن في الجماليات المقدمة لها، فإذا أحالت رؤيتها تلك إلى تعبير عن الجمال يراعي التكوين الجمالي والرؤية، ومن ثَمَّ ينتقل هذا الوعي الأولي إلى مستوى آخر وهو التعبير عن الجمال، بتصنيفه، وتحليله، وتبيان دلالاته وإيحاءاته، وذكر أوجه الشبه والاختلاف بينه وبين الإبداعات الأخرى، وتلك مَلَكَة تتوافر لدى الباحث والناقد والفيلسوف.

أيضاً، فإن الجمال وسيلة معبرة عن حضارة الأمة، فهو وعاء وزخارف وأقوال وتراكيب، لا تُملأ من وعي ووجدان المبدعين؛ فمن العبث أن ندرس أشكال الجمال بعيداً عن مضمونه الداخلي، أو بعيداً عن الفكر الحضاري والمجتمعي والثقافي الذي يؤطر العقلية المفكرة المبدعة، وستكون رؤية أقرب من نظرية الجمال للجمال أو للمتعة؛ أي أن الشكل الجمالي ناتج من نواتج التطور الحضاري والثقافي.

وهذا المنظور يخلِّصنا من الإرث التقليدي للرؤى الغربيـة وتجاوز مفاهيم الأدب التقليدية والحـداثية، في التراث الأدبي العربي، ويجعلنا نعيد قراءة تراث الأدب والنقد العربي القديم (وأيضاً الحديث)، وهو الذي جاء مواكباً للمسيرة الحضارية للأمة ونظرتها للإنسان والكـون، والتـي كانت للحظة (الزمكانية) للإنسان والأشياء لترتقي إلى كلِّ ما هو إنساني، إلى كلِّ ما هو متطوِّر، إلى كلِّ إبداع متجدد الأشكال، ثابت الجوهر، لذا كان مفهوم الأدب في وعي نقادنا القدمى وعياً إسلامياً، إنسانياً، جمالياً، وعليه يمكن القول: إن الأدب في وعي نقادنا القدامى هو «التعبير الهادف عن الحياة والكون والإنسان»[2]، وطبعاً هذه المقولة يمكن ألا تنطبق على بعض دارسي الأدب والنقد قديماً، وأيضاً على بعض المبدعين؛ فهي أقرب إلى النظرة الشاملة، التي تحـاول قـراءة الإبداع التراثي العربي في ضوء مقاصد الحضارة الإسلامية، وأن الإسلام تحوَّل من كونه عقيدة وشريعة إلى ثقافة وحضارة.

إن المدخل الجمالي ينصرف إلى اللغة المصاغ بها التراث، بجانب البنية التي حوت النص اللغوي، والذي لا يمكن أن يكون بأي حال مضافاً إلى التراث، بل هو جزء مرتبط به، أو بالأدق هو الأشكال والقوالب التي صيغ التراث فيها وبها، وإن تخيلنا أن العلوم والكتب والمضامين التراثية بلا أشكال جمالية، نكون مخطئين بلا شك، ذلك أن الوعي الجمالي كان حاضراً في وعي المؤلف والمتلقي على السواء، والأمثلة على ذلك لا حصر لها، وبالطبع تتفاوت الأشكال الجمالية، مثلما تتفاوت الأساليب اللغوية المعبرة في الكتب المؤلَّفة، خاصة أننا نجد طائفة كبيرة من المؤلفات التراثية التي حوت علوماً عديدة، وصيغت من أجل القارئ العام، والسامع في المجالس، وفي كافة أحوالها كان البعد الجمالي حاضراً فيها، على مستوى طريقة العرض والأسلوب بجانب الطرح الفكري، ولا ننسى أن العربي - وإن جهل القراءة والكتابة - لديه رصيد وتراث من التذوق الجمالي للشعر والحكمة والسرد.

وقد ساهم الفكر الجمالي (العربي - الإسلامي) في الفكر الجمالي الإنساني، بعمق طرحه، ولِـمَا اتصل به من أبعاد روحية، بحيث يمكن التأكيد أن صورة الفكر العربي الإسلامي لا تكتمل دون منظومته الجمالية، فإذا أردنا أن نعـي تراثنا فلا بد من فهم هذا الفكر، خصوصاً عند قراءتنا للفنون التطبيقية، ومختلف الآداب، ومعلوم أن الفكر الجمالي الإسلامي أقام منظومته الجمالية على مفهوم الكمال، مثلما أقام الفكر الفلسفي والصوفي منظومته المعرفية على نظرية الفيض، وكلتاهما على تواصل بينهما؛ فقد خلَّفت نظرية الفيض معاني عظيمة، عكست تصور المسلمين للكمال الإلهي أو العقل المفارق، فإن التحديد الجمالي يتبدى هو الآخر بالكمال بأجناسه المختلفة من الإلهي إلى الإنساني، ومن الروحي إلى المادي[3].

وقد تجلَّت هذه الرؤية الجمالية في الفنون الزخرفية والعمارة، ولا شك أنها واضحة الأثر في الآداب بأشكالها المختلفة.

وعندما نتخذ من المناهج الجمالية الحداثية سبيلاً لدراسة التراث العربي، فإننا نسير في الدرب السابق نفسه الذي سار فيه باحثون وفلاسفة كثر، وإن مالوا إلى القراءات الكلية النابعة من فلسفة المضمون مثل تتبع النزعات المادية في التراث العربي، وبحث سبل التجديد الديني والفكري والحضاري[4]، وقد اكتفت في كثير منها بدراسة كتب الفكر والفلسفة قديماً، ولم تقترب - إلا في القليل منها - لدراسة الآثار الأدبية شعراً ونثراً، وإبداعات السرد والكتب الأدبية، ولا يظنن أحد أن كتب تاريخ الأدب العربي بمثابة مشروعات قراءة كلية فلسفية؛ وإنما تتبع المنهجية التاريخية الأدبية، وربما نجد فيها أوجهاً من الآراء والرؤى، ولكنها معنية أكثر بالتاريخ الأدبي وتنسيق الإبداع زمنيـاً ومرحلياً، وتركت نقاشه إلى الكتب النقدية، التي ناقشت الكثير من التراث الأدبي والنقدي والبلاغي، فكثرت الكتب والبحوث في الميدان التاريخي والنقدي، وقلَّت في ميدان النظرة الكلية للتراث بأكمله.

إن القراءة الجمالية للتراث تعني البحث عن القيم المشتركة، التي تتأسس على الأبعاد الجمالية، والتي تنتظم في كلٍّ مترابط متسقٍ، وهو ما يؤدي إلى توفير منظومةٍ تجمع الشتات، وتشد المتفرقات، في خيوط مشتركة، تتلاقى في نسيج وإن كثرت.

وعندما نتخذ من السرد سبيلاً، فذلك لأن المنهج السردي يوفر لنا فروضاً نظرية وإجراءات، تساعدنا في تكوين الرؤية، والمنظومة، ومن ثَمَّ الخيوط الجامعة.

 


 


[1] انظر: فلسفة الفن: مدخل إلى علم الجمال، جوردون غراهام، ترجمة: محمد يونس، سلسلة آفاق عالمية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2013م، ص94 - 99.

[2] الأدب بين عالمية القيم الإنسانية وخصوصية القيم الجمالية. (قراءة لمفهوم الأدب في الوعي النقدي العربي القديم)، د. محمد زيوش، مجلة: الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية، جامعة الشلف، الجزائر، العدد 10، يونيو 2013، ص16.

[3] انظر: البنية الجمالية في الفكر العربي الإسلامي، د. سعد الدين كليب، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2011م، ص59 وما بعدها.

[4] مثل المشروعات الفلسفية لكل من: حسن حنفي (التراث والتجديد )، والطيب تيزيني (من التراث إلى الثورة)، وحسين مروة (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية)، ومشروع محمد عابد الجابري في (نقد العقل العربي وتكوينه تراثياً).