في الوقت الذي تعيش فيه طوائف من المستضعفين من هذه الأمة تحت قصف المدافع، وبينما تلتهب الأرض المباركة بنيران الأعداء، في هذا الوقت نفسه تعيش الأمة كلها تحت قصف خطاب التخذيل، وتلتهب صدور الحيارى بحثاً عن مخرج مما آل إليه حال أمتنا، ومما يصيبها من المظالم والمحن الكبار.

فرقان الوحي عبر الزمن:

إنه لا مخرج إلا في القرآن الكريم؛ لأنه قد جعله الله فرقاناً بين الحق والباطل: في القضايا والأشخاص، وفي المواقف والأحداث. والقرآن قد قسم تاريخ استضعاف المؤمنين إلى مرحلتين كبيرتين:

المرحلة الأولى: مرحلة الفرار بالإيمان:

وهذه المرحلة تمتد زمانياً من بعثة نوح، عليه السلام - إذ هو أول رسول إلى الكفار، ومعه كانت أول فئة مؤمنة في ظل استضعاف من أمة كافرة - إلى إنزال التوراة على موسى، عليه السلام. ففي هذه المرحلة كلما كان الناس يكفرون، كان الله يرسل الرسلَ ليجددوا الدعوة إلى الدين الحق، فتستجيب فئة مؤمنة. وقد كان المؤمنون عبر التاريخ قلة ولا يزالون، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث.

لقد كان الواجب على المؤمنين في هذه المرحلة: الانحيازَ إلى الإيمان وأهله، والدعوة إليه والثبات عليه، حتى يفصل الله بينهم وبين عدوهم؛ فتكون نجاتهم بأسباب متنوعة، ويكون إهلاك أعدائهم واستئصالهم بالقَدَر الرباني الخالص ذي الصور المتنوعة أيضاً، لكن دون أن يكون للمؤمنين دور في هذا الإهلاك.

المرحلة الثانية: مرحلة دفع المؤمنين:

وهذه المرحلة تبدأ بإنزال التوراة على موسى - عليه السلام - وتمتد إلى آخر الزمان.

والواجب على المؤمنين في هذه المرحلة: الانحياز إلى الإيمان وأهله، والدعوة إليه والثبات عليه، وجهاد أعدائهم حتى ينصرهم الله على عدوهم، فتكون نجاتهم ويكون إهلاك عدوهم بأيدي المؤمنين. فصار المؤمنون هم قَدَر الله الغالب، الذي به يحقق سنته في خلقه؛ فهم أداة إنقاذ المظلومين، وهم أداة تعذيب المجرمين.

سمات المرحلة الثانية:

في هذه المرحلة بقي عندنا شيئان، وتغير شيء: بقيت عندنا سنة استضعاف الفئة المؤمنة قدراً جارياً في العباد، وبقي عندنا: قدر إهلاك المكذبين المجرمين، جزءاً من الجزاء العادل الذي يجريه الله في الدنيا تقدمة لما يقوم في الآخرة. وتغير شيء واحد: فلم يبق دور الفئة المؤمنة فقط هو أن تؤمن ثم تنجو بنفسها والله يتولى أمر أعدائها؛ إنما صارت الفئة المؤمنة هي هذا القَدَر الغالب، وهي يد الله التي يعذب بها أعداءه في الأرض، ولذلك قال الله - عز وجل - آمراً المؤمنين: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة: 14] فأمضى الله سنته في تعذيب أعدائه، لكنَّ ذلك صار بأيدي أوليائه. كما قال - عز وجل - لنا: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: 14]. {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 15].

الأدلة القرآنية:

لهذا ذكر الله – تعالى – في سورة (المؤمنون) قصة نوح - عليه السلام - مع قومه على أنها أول نموذج للمرحلة الأولى، فذكر الدعوة إلى الإيمان، ومن ثَمَّ افتراق الناس إلى مؤمنين وكفار، ثم إنجاء الله – سبحانه وتعالى – للمؤمنين المستضعفين، وإهلاكه – عز وجل – للقوم الكافرين بقدره الرباني الخالص.

وأتبع هذه القصة بقصة قوم مبهَمين، جرى فيهم ما جرى في قصة نوح - عليه السلام - فكان إبهام الشخوص والزمان والمكان إشارة إلى استقرار السنَّة الربانية، دون أن يكون لشيء مما أُبهم أثره فيها وجوداً أو عدماً. ثم أكد اطراد هذه السنة في مَن بعدهم.

ثم قال - تعالى -: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [المؤمنون: ٥٤] إلى قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُون} [المؤمنون: ٩٤] في إشارة واضحة إلى أن إرسال موسى - عليه السلام - كان إرسالاً مختلفاً؛ إذ أنزلت في ظله التوراة، وختمت مرحلة الفرار بالإيمان، وبدأت مرحلة دفع المؤمنين[1].

اللحظة الفاصلة بين المرحلتين:

أما ضبط هذا الحد الزمني الفاصل بين المرحلتين، وهو إنزال التوراة على موسى - عليه السلام - فقد جاء في سورة القصص في قوله – تعالى -: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43]. قال الإمام الحافظ ابن كثير– رحمه الله - في تفسيره: (وقال – تعالى -: {مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى} يعني أنه بعد إنزال التوراة، لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين)[2]. فبعد إنزال التوراة، لم يهمل الله شأن الناس، ولم يترك الظالمين المعتدين، إنما كلف المؤمنين أن يكونوا هم أداة تعذيب هؤلاء الكافرين.

لذا قال العلاَّمة السعدي - رحمه الله - في تفسير آيات سورة (المؤمنون) المذكورة: (بعد موسى ونزول التوراة رفع الله العذاب عن الأمم؛ أي: عذاب الاستئصال، وشرع للمكذبين المعاندين الجهاد. ولم أدر من أين أخذه، فلما تدبرتُ هذه الآيات مع الآيات التي في سورة (القصص) تبيَّن لي وجهه. أما هذه الآيات، فلأن الله ذكر الأمم المهلَكة المتتابعة على الهلاك، ثم أخبر أنه أرسل موسى - عليه السلام - بعدهم، وأنزل عليه التوراة فيها الهداية للناس... وأما الآيات التي في سورة (القصص) فهي صريحة جداً؛ فإنه لما ذكر هلاك فرعون قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43] فهذا صريح أنه آتاه الكتاب بعد هلاك الأمم الباغية)[3].

الأمة الشاهدة للمرحلتين

وشهد بنو إسرائيل مع موسى - عليه السلام - هاتين المرحلتين، فكان إهلاك فرعون وجنده ختام المرحلة الأولى، فلا يُعترَض به على ما ذكرنا من شأن المرحلة الثانية. وهذا ما قرره العلامة السعدي قائلاً: (ولا يردُّ على هذا إهلاك فرعون، فإنه قبل نزول التوراة)[4]، وكان أمرهم بدخول (الأرض المقدسة) هو أول تطبيق عملي لسنة المرحلة الثانية؛ إذ أُمِروا أن يدخلوها بالجهاد في سبيل الله، وأن يدفعوا أعداء الله.

لكنَّ بني إسرائيل - وهم أول فئة مؤمنة، تطالَب بإنفاذ سنة دفع المؤمنين للكافرين - طلبوا أن تستمر فيهم السنة القديمة، فقالوا لنبيهم الكليم الكريم - عليه السلام -: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} [المائدة: 24]؛ أي: كما أهلك ربك لنا فرعون وجنده، ولم ندفعهم بشيء من أيدينا، كذلك فَلْيُهلك لنا هؤلاء الجبارين الكافرين، ونحن ندخل الأرض المقدسة؛ بل بلغ بهم الضعف والجبن أن قالوا: {إنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا} [المائدة: 24] قبل طلبهم السابق كالتعليل له، وبئس التعليل.

فهل قَبِل منهم ذلك؟ إن الله - عز وجل - لم يقبل منهم ذلك، وهم في المرحلة الثانية، ولم يهلك لهم أعداءهم الكافرين بل عذبهم؛ فكتب عليهم أن يتيهوا في الأرض أربعين سنة، عقوبة لهم، لا لأعدائهم.

عاقبة التخاذل عن واجب الدفع:

تبين من ذلك أن من سلك سبيل هؤلاء، وجبُن عن الدفع في ظل هذه المرحلة، نالته أمور ثلاثة:

الأول: عدم إهلاك عدوه مهما انتظر؛ ما دام لم يقم بالواجب الذي عليه. فيبقى العدو ويبقى إفساده في الأرض أو يزيد. قال – تعالى -: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251]، وقال: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41]، فلا بد من هذا.

الثاني: تعذيبه في هذه الحياة الدنيا: فمن فرَّ من ألم في الطاعة، عوقب بألم أشد في المعصية. قال – تعالى -: {إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة: 39]؛ فإنه لا بد من عذاب (لا للظالمين) ولكن للمؤمنين الذين ظلموا أنفسهم لَـمَّا لم يقوموا بالواجب عليهم بالدفع عن دينهم وعن المستضعفين من أمتهم؛ لأن الله عاقب بني إسرائيل، ولم يهلك (مع تخاذل بني إسرائيل) الجبارين. فبنو إسرائيل هم الذين تاهوا أربعين سنة في الأرض جزاء جبنهم وتفريطهم وتقصيرهم في حق ربهم ودينهم ورسولهم وأمتهم، بل وفي حق أنفسهم.

الثالث: استبداله - إذ نكص عن العبودية الواجبة - بمن هو خير منه ممن يشرف بأداء الواجب، وينال ثمرته: ففي الآية السابقة نفسها: {إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [التوبة: 39]. وهذا أمر آخر خطير: أن هذا العمل، وهذه الوظيفة التي يعمل فيها العباد لله، ليس هناك ضمان لأحد أن يبقى موظفاً فيها إلى الأبد. الوظيفة تقبل الفصل، فيمكن أن تطرَد منها.

نحن وواجب المرحلة:

ونحن الآن نعيش في المرحلة الثانية، لذلـك قـال اللـه - تعالى - في (آية البيعة): {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْـجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة: 111] فابتدأ بالتوراة، مع أنه كانت هناك كتب قبل التوراة. لماذا ذلك؟ لأن سنة القتال ومجاهدة أعداء الله ودفعهم بأيدي المؤمنين ابتدأت منذ إنزال التوراة، وامتدت في الإنجيل، وامتدت في القرآن، وصارت هذه سنة الله الماضية إلى آخر الزمان.

بين الواجب الرباني والوعد الرباني:

لا أمل بغير عمل؛ فإن النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين موثوق به لأنه وعد الله، لكن هذا النصر لا يأتي بمعجزات على نيام. ولا يجوز أن ينتظر المسلمون طيراً أبابيل تحرس بيت الله، ولا أسوة في قول عبد المطلب: (للبيت رب يحميه) فإنها كلمة من جاهلي قبل الإسلام، والبيت له رب يحميه في كل وقت؛ فالله يحمي ما شاء متى شاء؛ لكن الله لم يحم البيت لأجل كلمة عبد المطلب، ولم يكن سلوك عبد المطلب سلوكاً شرعياً؛ وإنما حمى الله البيت لأسباب أخرى، منها: إظهار شرف هذا البيت (ولا يلزم فيه التكرار)، وإظهار شرف هذا الزمان؛ وذلك لإظهار شرف هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي يولد في هذا الزمان عند هذا البيت، لتخرج خير أمة أخرجت للناس، تعمر هذا البيت وتحميه.

في التاريخ عبرة:

فلما بُعِث النبي صلى الله عليه وسلم وخرجت أمته، كان الواجب عليها أن تحمي بيت الله. وحين ضعفت الأمة وفرطت في حمايته، أتى القرامطة فقتلوا الحجيـج في يوم التـروية، وأخذوا الحجر الأسود من الكعبة، واحتفظوا به سنين عدداً، وكان كبيرهم يقول وهم يستبيحون الحرم: أين الطير الأبابيل[5]؟ وصدق وهو كذوب. نعم، لم تأته الطير الأبابيل، ولا يجوز للمسلمين أن ينتظروا الطير الأبابيل. كيف ينتظرونها وهم أمة قوية كبيرة قادرة؟ بل الواجب عليهم أن يقوموا بأمر ربهم.

إنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الكعبة تهدم في آخر الزمان، فقال صلى الله عليه وسلم: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة»[6]؛ حين لا يطوف بالبيت طائف، حين تنهار الأمة وتتراجع، ويضمحل الإيمان ويقل المؤمنون، ويأذن الله بقرب زوال هذه الدنيا، عندها يهدم البيت، وله في كل حال (رب يحميه) فليس سر حماية البيت كلمة عبد المطلب، بل بعث هذه الأمة التي تحمي البيت بأمر ربها، وتحمي حرمات الله، وتحمي عباد الله ولا يجوز لها بحال أن تركن إلى الدنيا، وتقول: ربنا سيحمي بيته، وينصر عباده، ويظهر دينه.

نعم، سيحدث ذلك؛ لكن بعذاب الجبناء، وبمصاب المتثاقلين، وبإخراج من يكونون يدَ الله، التي ينتقم بها من أعدائه، ويظهر بها أمره في الأرض.

 

 


[1] انظر تفسير السعدي، ص766.

[2] تفسير ابن كثير: 6/117.

[3] تفسير السعدي، ص766.

[4] السابق.

[5] فعل القرامطة هذا عام 317 هـ، واحتفظوا بالحجر الأسود مدة اثنتين وعشرين سنة. راجع البداية والنهاية لابن كثير (11/160 - 161) ط. مكتبة المعارف – بيروت.

[6] متفق عليه: البخاري (1524)، ومسلم (5288) عن أبي هريرة رضي الله عنه.