تعود عبادة «بعل» إلى حضارة من أقدم الحضارات في بلاد الرافدين، وهي: حضارة السومريين الذين عرفوه باسم: «تَمُّوز». وأصل هذه العبادة: أن الوثنيين منهم لَـمَّا رأوا سلطان الشمس على بقية الأجرام وأن شعاعها يُكسِب الحياة دفأها والنباتات نماءها، كان ذلك داعياً لهم إلى عبادتها، لكن الشمس لا تبقى على حال؛ فهـي تبـــدو وتغيـــب، كمـــا أن سنـــاها لا يلبث أن يهِنَ في نهاية «يونيو» (الانقلاب الصيفي)؛ ولا يبدأ يستعيد قواه إلا في نهاية «ديسمبر» (الانقلاب الشتوي)، فابتدعوا أسطورة «عشتار» و«بعل». فعشتار «ملكة السماء» ترسل في منتصف الصيف ابنها وخليلها الإله الشمس «بعلاً» لخلاص الأرض من جدبها، لكن آلهة «العالم السفلي» تحبسه؛ فيندب بعلاً عَبَدَتُه في الشهر الذي يعقب موته (شهر يوليو «تموز») وتنزل الأم «عشتار» لتخلِّصه من أيديهم في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر.وهكذا يعيد «بعلٌ» للأرض زينتها؛ فضعف الشمس هو موت بعل، واستعادتها بهاءها هو ميلاده. لقيت هذه العبادة رواجاً بين الأمم؛ فامتدت إلى البابليين والفرس والكنعانيين والمصريين، بل حتى العرب؛ فقد عُرِف «بعل» بين العرب باسمه. أما عشتار فعُرِفت باسم: «عَثتر». ولا يُستبعَد أن تكون الجزيرة العربية منشأ هذه العبادة؛ فاسم «بعل» عربي أصيل بمعنى الرب والمالك كما أن في قصة الهدهد في القرآن الكريم إشارة صريحة إلى شيوع عبادة الشمس في قوم سبأ. وهنا لطيفة ذكرها بعض العلماء، وهـي: أن الهدهد لَـمَّا كان رِزقه متوقفـاً على ما يخرجه الله من خبيء الأرض قال: {أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْـخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: ٥٢] . لكن عُبَّاد «بعل» (الشمـس) – كمــا أشـرت آنفـاً – كانوا يؤمنـون بأنه: هو الذي يُخْـرِج الخـبء في الأرض بعد أن حُبـس فيها، فيسحب وراءه خضرة الربيع؛ فهل كان استنكار الهدهد ردّاً على هذا المعتقد؟ الله أعلم. انتقلت عبادة عشتار وبعل إلى بني إسرائيل من طريق الكنعانيين. «وَغَوَوْا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى مِنْ أَوْثَانِ الشُّعُوبِ الْمُحِيطَةِ بِهِمْ، ... وَعَبَدُوا الْبَعْلَ وَعَشْتَارُوثَ» [سفر القضاة 2: 10-13]. وتقدَّم إلياسُ - عليه السلام - يدعو إلى توحيد الله أمام ملك إسرائيل «أخْآب» و «أَنْبِيَاء (أي: كهنة) الْبَعْلِ الأَرْبَع مِئَةٍ وَالْخَمْسِينَ، وَأَنْبِيَاء عَشْتَارُوثَ الأَرْبَـع مِئَةِ» [الملـوك الأول 18]، فكـذبـوه. قـال - تعالى -: {وَإنَّ إلْيَاسَ لَـمِنَ الْـمُرْسَلِينَ * إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْـخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهُمْ لَـمُحْضَرُونَ} [الصافات: ٣٢١ - ٧٢١]. استمرت عبادة بعل في بني إسرائيل، بل صارت هي العبادة الرسمية في الهيكل الثاني الذي بناه الفرس بفلسطين برعاية من الملك الفارسي المجوسي «كورش» بعد أن دمَّره «بُختنَصَّر». وهكذا أصبح دين اليهود مزيجاً من وثنية البابليين والكنعانيين ووثنية المجوس؛ حتى إن كهنة الهيكل الثاني أصبحوا يُعرفون باسم: «الفريسيين» أي الفارسيين. وقد انتقلت طقوس عبادة «بعل» إلى بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام في فارس. في وصف هذه الطقوس يقول سِفر الملوك الأول: «وَظَلُّوا يَدْعُونَ بِاسْمِ الْبَعْلِ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الظُّهْرِ قَائِلِينَ: «يَابَعْلُ اسْتَجِبْ لَنَا»... وَيُمَزِّقُونَ أَجْسَادَهُمْ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ كَعَادَتِهِمْ، حَتَّى سَالَ مِنْهُمُ الدَّمُ» [الملوك الأول 18: 26-28]. من سدنة الهيكل الفريسيين نشأت اليهودية الحاخامية التي ابتدعت عقيدة القبَّالاه القائمة على عبادة الكواكب والتنجيم والسحر. وأصبح «بعل» يسمى «لوسيفر»؛ أي: مانح النور، ثم أصبح هذا الاسم مطابقاً للشيطان. وهذا الترادف بين عبادة الشمس (بعل) وعبادة الشيطان (لوسيفر) يذكِّرنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم: «... فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ»[1]. قال الإمام النووي معلقاً: ...، وقيل: القرنان ناحيتا الرأس، وأنه على ظاهره. وهذا هو الأقوى. قالوا: ومعناه: أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة»[2]. ثم من حنادس اليهودية الفريسية (الفارسية) ظهر في القرن الأول الميلادي «شاول الطرسوسي» الباطني الذي تَسمَّى باسم: (بولس) وأفسد دين النصارى. كان هذا الرجل فريسي الشريعة، كما قال عن نفسه رُوميَّ الولاء؛ فأدخل عبادة «بعل» بصورة أكثر تعقيداً من صورته البدائية؛ فأصبح «بعل» - الذي أسماه المخلِّص «يسوع» - يموت فيذهب إلى العالم السفلي ثم يقوم من بين الأموات ليخلِّص البشر من خطاياهم؛ كما كان «بعل» يخلِّص البشر بخلاص زروعهم. وبهذه الخلفية ينبغي أن يُفهَم كلام يوحنا الذي نَسَبه إلى المسيح - عليه السلام - كذباً وزوراً: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مُوسَى لَمْ يُعْطِكُمْ خُبْزاً مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّمَا أَبِي هُوَ الَّذِي يُعْطِيكُمُ الآنَ خُبْزَ السَّمَاءِ الْحَقِيقِيَّ، فَخُبْزُ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ» ... «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِذَا لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلاَ حَيَاةَ لَكُمْ فِي دَاخِلِكُمْ. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي، فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي هُوَ الطَّعَامُ الْحَقِيقِيُّ، وَدَمِي هُوَ الشَّرَابُ الْحَقِيقِيُّ» [يوحنا 6]. وطقس «القربان المقدس» هذا الذي يؤديه النصارى: من أَكْل «جسـد» المسـيح وشُرْب «دمه»، هو ما كان يصنعه عُباد «بعل» عبر القرون. وفي مستهل القرن الرابع الميلادي ظهر الإمبراطور الرومي قسطنطين الذي كان يعبد «بعلاً» باسم: Sol Invictus أي: «الشمس التي لا تقهر». فنصر عُبَّاد الصليب الوثنيين وجعل يوم الأحد Sun-day عيـداً للنصـارى، ومعنـاه - كما هو ظاهر - «يوم الشمس». وأصبح يوم ميلاد «بعلٍ» (25 ديسمبر) يوم ميلاد المسيح. وفي هذه الحقبة نشأت الكنيسة الكاثوليكية الرومية التي قامت على عبادة الأم (العذراء) والابن الفادي (يسوع)، وإن شئت فقل: «عشتار وبعل»، وعلى نهج قسطنطين يسير باباواتها إلى يومنا هذا. يقول - تعالى - في إشارة إلى هذه العبادة الوثنية: {وَإذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [المائدة: ٦١١]. إن فَهْم هذا المشترك الوثني بين الباطنيين من يهود ونصارى ومجوس؛ والمتمثلِ في عبادة «بعل» وأمه (أو زوجِه)، يُعَدُّ مفتاحاً لأسرار تنظيماتٍ ومؤسساتٍ وجمعياتٍ لا يخطر بالبال أن ثمة رابطاً عقدياً يربطها. ومعرفة هذه التنظيمات وحقيقتها يجلِّي كثيراً من المؤامرات التي طالما حارت بشأنها العقول؛ فلجأت إلى إنكارها باعتبارها وَهْماً. ولعل الحديث حول هذه التنظيمات يكون – بمشيئة الله – في عدد من المقالات تتناول نشأتها وأهم شخصياتها ومدى نفوذها. والله الموفق. -------------------------------------------------------------------------------- [1] رواه أحمد: (حديث 6966)، ومسلم: (حديث 1419). [2] أبو زكريا النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1392 هـ)، 6/112 (وَفْقاً لترقيم المكتبة الشاملة).