عبر التاريخ القديم والحديث وجدت أمور أدت إلى تغيير مجرى الأحداث، والانتقال بها إلى مستوى وأفق مختلف بالكلية عمَّا كان قبلها؛ في صدر الإسلام كانت غزوة بدر علامة فارقة في تاريخ الأمة كلها، حيث فرضت الحرب على المسلمين فرضاً دون استعداد كاف منهم، ودون قصد منهم للقتال كما هو معلوم، وكان يمكن أن تكون هذه المعركة هي القاصمة للمسلمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»[1]! لكن الله - عزَّ وجلَّ - شاء أن يكون النصر وبدء التمكين للدولة الفتية، وعندما أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يفتح المسلمون مكة قامت بنو بكر حليفة قريش بالاعتداء على خزاعة حليفة رسول الله وأعانتهم قريش فنقضوا بذلك صلح الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما كان سبب فتح مكة.

وفي العصر الحديث أدى اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند مع زوجته من قِبَل طالب صربي في أثناء زيارتهما لسراييفو، إلى بدء الحرب العالمية الأولى بعد إعلان الإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب على مملكة صربيا في يوليو/ تموز 1914م. وكذلك أدى هجوم القوات اليابانية عام 1941م على قاعدة بيرل هاربر الأميركية إلى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية فعلياً إلى جانب الحلفاء، الأمر الذي أدى إلى تغير ميزان القوى ومن ثم هزيمة دول المحور في نهاية المطاف.

وبالنسبة إلى الثورة السورية المباركة، فقد كانت حادثة أطفال درعا المشهورة نقطة فارقة في المشهد، وسبباً رئيساً في اندلاع الثورة، حيث إنها كانت شرارة انطلاقها بصورة فعلية في (13 ربيع الآخر 1432هـ - 18 مارس/آذار 2011م)، بعد أن فشلت الدعوات لانطلاقها في فبراير/شباط من العام نفسه، وبعد أن لاقت الدعوة للتظاهر في 10 ربيع الآخر / 15 آذار) استجابة محدودة للغاية. وخلال أكثر من أربعة عشر شهراً، مرت الثورة بكثير من المحطات والعلامات المميزة التي أثَّرت فيها سلباً أو إيجاباً، ولعل مجزرة الحولة التي وقعت في (4 رجب 1433هـ - 25 مايو/آيار 2012م) وراح ضحيتها أكثر من مئة من الرجال والنساء والأطفال تُعدُّ واحدة من أبرز هذه المحطات.

هل تكون مجزرة الحولة نقطة تحول على الصعيد الدولي؟

تسارعت الأحداث بعد مجزرة الحولة، حيث دعت بعض الدول الغربية إلى عقد جلسة لمجلس الأمن، خرج على إثرها قرار رئاسي غير ملزم أدان المجزرة بشدة، وحمَّل النظام السوري مسؤولية قصف المناطق السكنية، لكنه لم يحمله المسؤولية المباشرة عن المجزرة بسبب الموقف الروسي. وبينما أدانت معظم دول العالم النظام السوري وحملته مسؤولية المذبحة، فقد توالى طرد السفراء والدبلوماسيين السوريين من العواصم الغربية وغيرها، وأدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة نظام الأسد، وتم التلويح بإحالة الملف لمحكمة الجنايات الدولية، وتكلم الرئيس الفرنسي الجديد هولاند بوضوح عن الخيار العسكري، وأبدى وزير الدفاع الأمريكي استعداد قواته لتنفيذ مهام عسكرية ضد النظام في حال طلب منها ذلك، رابطاً مثل هذه الخطوة بقرار من مجلس الأمن، وزادت وتيرة الاتصالات بين العواصم الغربية وموسكو في مسعى للتأثير عليها؛ لتغيير موقفها من نظام الأسد. وقد تباينت التصريحات الروسية على إثر ذلك - كما هي الحال من بداية الأزمة - ما بين مقترب من المواقف الغربية بالقول إن موسكو لا تدعم الأسد؛ لكنها تدعم الأمن وانتهاء العنف في سوريَة، إلى مبتعد عنها بالمطالبة بالكف عن محاولة إقصاء الأسد، مع التركيز على خطة عنان والتأكيد على أن موسكو لن تخضع لضغوط الغرب لتغيير موقفها، ومن جهتها عاودت أطياف المعارضة السورية الدعوة لاستخدام القوة من قبل الأمم المتحدة تحت الفصل السابع.

الكلام عن كون مجزرة الحولة يمثل تحولاً في مجريات الأمور، خاصة من قبل الأطراف الخارجية، بناء على المعطيات السابقة قد يداعب خيال كثيرين، لكنه قد لا يكون دقيقاً، فمن الواضح أن اللعبة الأممية ماضية كما هي، حيث يتم تبادل الأدوار بين الغرب من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى؛ فالدول الغربية تبدو مرتاحة بالإيحاء بأن ما يكبل أياديها عن القيام بعمل مؤثر ضد الأسد إنما هو الفيتو المزدوج: الروسي - الصيني.

إن الأمر المؤكد الذي لا يغيب عن كل ذي لب أن قتلة المدنيين في العراق وأفغانستان واليمن والصومال وغيرها، والداعمين لقتل المدنيين في فلسطين لا يمكن أن يكون تحركهم الأخير بدوافع إنسانية، فالقوم لا يعرفون إلا لغة المصالح، وهذا أمر مشترك بين الجميع الغرب أو روسيا والصين، مع الإقرار بأن الرأي العام في الغرب قد يشكِّل عامل ضغط على حكوماته ممَّا يضطر هذه الحكومات لصبغ خطابها بشيء من الإنسانية، مع اتخاذ بعض الإجراءات غير الحاسمة.

إن ما قد يدفع إلى حصول مثل هذا التحول الجوهري، هو حصول تهديد حقيقي لمصالح أمريكا والغرب في المنطقة، وهذا التهديد لا يمثله بقاء الأسد واستمرار حكمه، فقد كان - كما كان أبوه من قبل - لاعباً إقليمياً مقبولاً، فبدءًا من تسليم الجولان عام 1387هـ/1967م، مروراً بدخول لبنان والوقوف إلى جانب القوى اليمينية الأقرب لأمريكا وإسرائيل ضد منظمة التحرير الفلسطينية والقوى اليسارية، إلى إذكاء حرب الخليج الأولى بالوقوف ضد العراق في حربه مع إيران، إلى القتال إلى جانب القوات الأمريكية ضد العراق بعد غزو الكويت، إلى مساهمة بشار الأسد فيما سمي بالحرب على الإرهاب ونيل شهادات حسن السلوك من المخابرات الأمريكية في عهد بوش الابن، إلى قيام ساركوزي بإعادته إلى الحظيرة الدولية بعد محاولة عزله إثر اغتيال الحريري، فضلاً عن كون النظام الأسدي لم يشكل طوال 40 سنة أي تهديد للكيان الصهيوني، وهذه نقطة شديدة الأهمية والحساسية، حيث كانت الحدود بينهما أهدأ حدود بين كل دول المواجهة، بما فيها الحدود مع مصر والأردن التي شهدت بعض الحوادث التي تستهدف الإسرائيليين بخلاف الجبهة السورية، لدرجة أن حكم الأسد الأب والابن مثلاً - لم يسعَ يوماً لإنشاء منظمة أو جماعة مقاومة لتحرير الجولان، ولو من باب ذرِّ الرماد في العيون، فكل هذا وغيره يدلل بقوة على أن وجود هذا النظام واستمراره لا يشكل أي تهديد لمصالح الغرب.

وكل ما كان يُقال قديماً من رغبة الغرب في تغيير سلوك بشار الأسد فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران وحزب الله وحماس، فهو يدخل ضمن لعبة الصراع على النفوذ في المنطقة بين أمريكا وإيران، وهي لعبة أبعد ما تكون عن الصراع الحقيقي الذي يسعى كل طرف فيه للقضاء على خصمه، لكنها أشبه ما تكون بلعبة الورق حيث يسعى كل فريق لتحصيل أكبر المكاسب على حساب الآخر، دون سعي لإزاحته كلياً عن المشهد وإلا لانتهت اللعبة، خاصة أن وجود إيران بسياساتها المعروفة يمثل مصلحة أكيدة بالنسبة إلى أمريكا.

إن الخطر الحقيقي الذي يهدد مصالح الغرب وأمريكا في المنطقة - بل على امتداد رقعة العالم الإسلامي - هو الإسلام السُّنِّي، وهو كذلك يمثل تحدياً كبيراً بالنسبة إلى روسيا التي لم تنسَ ما لحق بها أيام الاتحاد السوفييتي من هزيمة منكرة في أفغانستان، كما أن المقاتلين الشيشان يسببون لها إشكالات كبيرة في خاصرتها، بالإضافة إلى خوفها من صحوة الشعوب المسلمة في الجمهوريات المجاورة لها، أو داخل أراضيها. وقد كان من أهم عوامل كبح هذا المارد السُّنِّي وجود المحور الشيعي الممتد من إيران عبر العراق إلى سورية انتهاء بلبنان، وإلا فالجميع يعلم أن البندقية الحقيقية التي وقفت في وجه الغرب في العراق وأفغانستان وفلسطين، هي بندقية سنية، بل إن كل حركات المقاومة الإسلامية لكل أنواع السيطرة من قبل الغرب أو روسيا هي حركات سنية في الجملة، أما الاستثناء المتمثل في حزب الله فقد أثبتت الأيام أن بندقيته مستأجرة، وأنها ورقة ليس أكثر ضمن أوراق اللاعب الإيراني.

لقد مثل المشروع الإيراني الصاعد بقوة خطراً حقيقياً على العالم الإسلامي السُّنِّي، فخلال ثلاثين عاماً منذ الثورة الخمينية عام 1979م انتقلت إيران من مرحلة الدفاع والانكماش خلال الحرب مع العراق، إلى مرحلة الاندفاع والتمدد خارج الحدود، فصارت لها الكلمة العليا في العراق بعد الغزو الأمريكي عبر عملائها، ووثقت تحالفها مع نظام الأسد خاصة في عهد الابن بشار الذي بدا تابعاً لإيران أكثر من كونه نداً لها كما كانت الحال أيام أبيه، انتهاء بلبنان حيث صار لحزب الله الكلمة العليا نتيجة كونه الفصيل الوحيد المرخص له بامتلاك السلاح خارج سلطان الدولة، مع كونه سلاحاً نوعياً من الخفيف إلى الثقيل، وكذلك ببسط سيطرته على حكومة نجيب ميقاتي وتحكمه في كثير من مفاصل الأمن داخل الدولة، وتغلغل أتباعه داخل مؤسسات الجيش اللبناني. هذا بالإضافة إلى تقوية أتباع إيران في البحرين وما أحدثوه من قلاقل، إلى الدعم الكبير للحوثيين في اليمن حيث صارت لهم مناطق نفوذ شبه مستقلة عن سلطة الدولة، مع استمرار الدعم لشيعة اليمن الذين أسسوا عدداً من الأحزاب فيه، ناهيك عن دعم إيران للحراك الجنوبي المنادي بالانفصال؛ وأما في بقية البلاد العربية فهناك الخلايا النائمة في شرق المملكة وفي الكويت، بالإضافة إلى الناشطين العلنيين فيهما، وهناك المحاولات الحثيثة لنشر التشيع في مصر والسودان والمغرب العربي.

وإذا أضفنا لما سبق الدور الخبيث الذي لعبته إيران في كل من أفغانستان والعراق، وأدى إلى سقوط هاتين الدولتين في يد أمريكا وحلفائها، ظهر لنا بجلاء أهمية استمرار الدور الإيراني بالنسبة إلى أمريكا وحلفائها وبالنسبة إلى روسيا على حدٍّ سواء، لما فيه من إضعاف وإشغال للعالم السُّنِّي، وكف لما يمثله قيامه ونهوضه من خطر على مصالح الكبار في عالم اليوم.

بناء على ما سبق فإن ما قد يدفع الغرب للتدخل ليس ارتكاب الأسد للمجازر ولا قصفه للمدن أو استمراره في قتل الشعب السوري، ولا أي شيء من الأعمال البربرية التي يقترفها، طالما كانت هذه الأعمال تسير بوتيرتها المعهودة من أول الثورة بما لا يؤلب الرأي العام في الغرب على سياسات حكوماته، لكن ما قد يدفع الغرب للتدخل تدخلاً حاسماً هو رجحان كفة الثوار على الأرض وقرب سقوط الطاغية، فعندها ستسارع الدول الغربية لإيجاد مخرج من مأزق احتمال وصول الثوار الحقيقيين إلى قلب دمشق والإطاحة بالأسد واستلام زمام الأمور دون أن يكون لأحد يد أو منَّة عليهم، وهو المخرج الذي يسعى الجميع لإيجاده من خلال خطة عنان على الطريقة اليمنية ولكن دون وجه عجلة حتى الآن.

إن الغرب يدرك أن نظام الأسد قد انتهى، لكن حال التوازن في القوة كما هي على الأرض اليوم تعني في محصلتها النهائية إنهاك كلا الطرفين، خاصة جيش النظام الذي بدا عاجزاً طوال أكثر من سنة عن قمع الحراك الشعبي السلمي، ثم هو يبدو اليوم أكثر عجزاً عن مجاراة حرب العصابات التي يشنها عليه الجيش الحر وتكلفه يومياً خسائر كبيرة في العدة والعتاد، وهذا في المحصلة يعني تدمير الجيش الذي هو ملك للشعب والوطن تدميراً بطيئاً، وهو ما تحبذه واشنطن وتل أبيب بكل تأكيد؛ وإذا كان ما تشير إليه بعض المصادر من وعود أمريكية لروسيا بعدم المساس بامتيازها في تسليح الجيش السوري بعد الأسد، فيبدو أن موسكو لن تمانع في استمرار هذا الاستنزاف للجيش النظامي.

إن الأسابيع الماضية شهدت نمواً مطرداً في قدرات الجيش السوري الحر على إلحاق الأذى والخسائر بالجيش الأسدي، ولا شك أن استمرار هذا الوضع على المدى الطويل سيؤدي إلى إضعاف الجيش النظامي وإلى تدمير كثير من مقوماته، وهذا بلا شك يمثل خدمة كبيرة لإســرائيل التي ليس مـــن مصلحـــتها أن تنتقل الترسانة العسكرية السورية - التقليدية والكيماوية - من قبضة هذا النظام الذي كان أميناً على حدودها طوال 40 سنة إلى نظام جديد يختاره الشعب السوري ويكون تحرير الأرض من ضمن أولياته، ولا شك أن إضعاف الجيش مع فقدان الأسد السيطرة على كثير من المناطق السورية يؤدي إلى إضعافه، وإضعاف المحور الإيراني مما يعطي الغرب ميزة في المفاوضات الجارية بشأن الملف النووي وكذا في تقسيم النفوذ في المنطقة، وما دام الأمر لم يخرج عن السيطرة بحيث يفقد الأسد سلطته لصالح الشعب السوري بقياداته الميدانية من عسكريين وثوار مدنيين، فإن نقطة التحول الجوهري في الموقف الغربي ستبقى بعيدة، ولن يكون لمجزرة الحولة دور في ذلك.

مجزرة الحولة خطوة على طريق التحرير:

هذا هو الوصف الصحيح لنتائج مجزرة الحولة، فإن هذه الدماء الزكية التي سالت على أرض الحولة، ومناظر الأجساد الطرية لأطفال في عمر الزهور وقد نهشتها ذئاب ووحوش بشرية، قد هزت وجدان الناس في المشرق والمغرب، وما يعنينا في المقام الأول هو أثر هذه المجزرة على الداخل السوري؛ أما بالنسبة إلى الثوار سواء أكان منهم من يخرج للتظاهر أم من حمل السلاح وانضم للجيش الحر، فلا شك أن هذه المجزرة قد زادت من تصميمهم على اقتلاع هذا النظام من جذوره، ولا شك أيضاً أن شيئاً لم يعد بإمكانه أن يثني عزيمة هؤلاء الرجال الأحرار ومن معهم من الحرائر عن المضي قدماً حتى نيل إحدى الحسنيين، وكلهم ثقة بالله - عزَّ وجلَّ - أنه لن يخذلهم، وإن تأخر النصر فإنما هو لحكمة يعلمها وتظهر تجلياتها في تمييز الصفوف، وتنقيتها من الشوائب، وفي إعادة اللحمة لمجتمع اكتشف أبناؤه فجأة أنهم كانوا يعيشون في عزلة نفسية عن بعضهم بعضاً، فأعادوا من خلال الثورة اكتشاف ذواتهم واكتشاف شركائهم في الوطن.

لكن الأثر الأكبر لهذه المجزرة كان في تحرك قِطَاع واسع من الجمهور الذي ما زال صامتاً منذ بدء الثورة، إمَّا لخوف من المشاركة، وإمَّا لخوف من المستقبل وخياراته المجهولة المحفوفة بالمخاطر، وإمَّا لقناعة بأكاذيب النظام نتيجة الاكتفاء به كمصدر وحيد للأخبار والمعلومات، أو نتيجة المكابرة وعدم الرغبة في معرفة الحقيقة أملاً في عودة الاستقرار الذي كانوا ينعمون به؛ وإن كان مغمساً بالذل أو الظلم على قطاعات كبيرة من المجتمع.

مجزرة الحولة جعلت نسبة كبيرة من تجار دمشق يدخلون في إضراب عن فتح المحلات والأسواق، وهذا مؤشر خطير جداً بالنسبة إلى النظام، فرأس المال بصفة عامة جبان، وتجار دمشق بالذات يحسبون الأمور جيداً جداً ويقدرون احتمالات الربح والخسارة إلى أقصى درجة، ومعنى دخولهم على خط الثورة أنهم قد أيقنوا أن هذا النظام خاسر، وأنهم لم يعودوا مستعدين للسكوت عن إجرامه.

النقطة الأخرى المهمة هي أن المجزرة قد حركت شوارع حلب في كثير من المناطق بأعداد غفيرة لم تشهدها المدينة من قبل، واقتربت الحشود من ساحة الجابري الشهيرة ولم يحل بينهم وبينها سوى رصاص الأمن الذي أبعدهم عنها قبل الوصول إليها بأمتار قليلة.

وبهذا نستطيع أن نجزم أن مجزرة الحولة تُعدُّ بما خلفته من أثر خطوة مهمة تخطوها ثورة المستحيل في سورية على طريق الحرية والانعتاق وإعادة المجد لحاضرة الشام وعاصمة الأمويين، بعد طول غياب وقهر وطمس للهوية العربية المسلمة الأصيلة.

وهنا قد يثور سؤال: كيف لهذا النظام أن يرتكب مثل هذا الخطأ الفادح؟

ولا شك أن هناك كثيراً من الأجوبة الممكنة والواقعية عن هذا السؤال، والتي يمكن أن تكون كلها تحمل قدراً كبيراً من الصحة، لكن المؤكد أن كل الأجوبة تتقاطع مع حقيقتين رئيستين؛ أولاهما غباء هذا النظام منقطع النظير، حيث إن فرص نجاته كانت ممدودة أمامه من اليوم الأول لحادثة الأطفال في درعا لو أنه أرضى الأهالي ولم تأخذه العزة بالإثم، لكنه ضيعها كما ضيع فرصاً أخرى خلال الأشهر الماضية، والحقيقة الثانية هي مصداق قوله - تعالى -: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْـمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، فحقدهم الطائفي وعطشهم للدماء أعماهم عمَّا يمكن أن تؤول إليه الأمور.

{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]. 

::"البيان" تنشر ملف شامل ومواكب لأحداث الثورة السورية ..


[1] صحيح مسلم (3 / 1384) 1763، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم.