كم هي رائعة لحظات انتظار مولود جديد.. قلوب الأحباب تخفق ودعاؤهم إلى الله تعالى لا ينقطع.. رجاءً لسلامة الأم والمولود السعيد.. والآن اطمأن خاطرهم ووضعت الأم وأهلَّ علينا ذلك الضيف الجديد، وبعد سجدات الشكر والمسارعة بترديد الأذان في أذن الصغير، يبدأ الحضور من الأهل والأحباب بتداوله بين أيديهم مستشرفين لقياس شبهه ودرجة جماله التي حباه الله تعالى بها، فيا سعده وسعد والديه لو كان جميلاً.. فيتلقى وابلاً من الثناء والإطراء قد يصاحبه طوال حياته..

وأعانهم الله تعالى إن كان دميماً قليل الحظ من الجمال.. داكن اللون أو به عيب ظاهر؛ فليستعد الوالدان إذاً لوابل آخر من التعليقات اللاذعة أو الساخرة أو التساؤلات الموجّهة للوالدين متضمّنة الاعتراض والضيق من شكل الابن أو البنت، مثل: أسمر اللون لمن؟ أو لماذا لم يأتِ جميلاً مثل أبيه أو أمه؟ وكأن الوالدين يملكان الإجابة!!

والمشكلة التربوية تحدث إذا تَشََرّب الوالدان ردود أفعال الآخرين حول شكل الطفل وانعكس ذلك على أسلوبهم في تربيته، خاصة إذا كان حظه قليلاً من الجمال، وعندئذ سنربي طفلاً منطوياً، فاقداً الثقة بنفسه، شاعراً بالدونية تجاه أقرانه.

أعزائي المربين والمربيات:

الجانب الأول من هذه المشكلة: هو شعور الوالدين بالألم والتعاسة لشكل الطفل غير الجميل، والذي يتجدد ويزداد عند مواجهة تعليقات المحيطين.. هذا الجانب يمكن حلّه في تعديل نظرتنا نحن لقضية الشكل عموماً وفق ما علّمنا الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فالله عزّ وجلّ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وامتن علينا بذلك في أكثر من موضع في كتابه العزيز، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الإنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ  6 الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار: ٦ - ٧]. قال ابن كثير: قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر «فعدلك» بالتخفيف، أي صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء؛ حسناً وقبيحاً وطويلاً وقصيراً. وقرأ الآخرون بالتشديد «فَعَدَّّلك»، أي قومك وجعلك معتدل الخلق والأعضاء {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ 8} [الانفطار: ٨]. قال مجاهد والكلبي ومقاتل: في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم[1]. وقال تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ 1 وَطُورِ سِينِينَ 2 وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ 3 لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ١ - ٤]، هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة، سوي الأعضاء حسنها.

ثم إنّ الله تعالى قد بيّن لنا الأساس الذي يتفاضل عليه البشر، فقال عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]. قال ابن حزم - رحمه الله تعالى -: «وإن كان الله تعالى قد حكم بأن الأكرم هو الأتقى ولو أنه ابن زنجية لِغيَّة، وأنّ العاصي والكافر محطوط الدرجة ولو أنه ابن نبيّين».

وكذلك جاءت السنّة النبوية مؤكدةً هذا الأصل، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر؛ إلا بالتقوى، أبلّغت؟». قالوا: بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم[2].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»[3]، وفي رواية: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم».. معنى الرواية الأولى أن الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته. ومعنى نظر الله هنا مجازاته ومحاسبته، أي إنما يكون ذلك على ما في القلب دون الصور الظاهرة.

وأمّا نسبة الجمال في الشكل والملامح فهي من الرزق الذي قسّمه الله تعالى بين العباد بتمام عدله وحكمته سبحانه، قال تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} [النحل: 71]، ولم يكتسبها الجميل بمهارته، ولم يفتقدها الدميم بتقصير منه، هذا الأصل لا بد أن يكون واضحاً في أذهاننا تماماً، وليكن ميزان التفاضل عندنا هو الميزان نفسه الذي وضعه الله تبارك وتعالى ليتفاضل على أساسه البشر عنده سبحانه.

وبقدر ما يكون هذا الأصل واضحاً وثابتاً في أذهاننا، بقدر ما ستكون ردود أفعالنا متّزنة انفعالياً تجاه تعليقات الآخرين حول شكل الأبناء، وليكن ردّنا المباشر عليهم مذكراً لهم بتلك القاعدة الربانية: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

الجمال الذي نتمناه لأبنائنا

إنّ الجمال الذي نتمنى أن يكون لأبنائنا النصيبُ الأوفى منه، هو جمال الجوهر المتولد عن الإيمان العميق، ونقاء السريرة، وفي هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله: «اعلم أن الجمال ينقسم قسمين: ظاهر وباطن؛ فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته كما في الحديث الصحيح: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، وهذا الجمال الباطن يزيّن الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال فتكسوا صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتست روحه من تلك الصفات، فإن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه، فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه، وهذا أمر مشهود بالعيان، فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل، لا سيما إذا رزق حظاً من صلاة الليل، فإنها تنوّر الوجه وتحسنه، وقد كان بعض النساء تكثر صلاة الليل فقيل لها في ذلك فقالت إنها تحسن الوجه وأنا أحب أن يحسن وجهي)[4].

ويبقى الجانب الأهم، وهو تربية الأبناء على القاعدة نفسها، وذلك كي تتكوّن عندهم قناعات صحيحة في التفاعل مع شكلهم الخارجي الذي أنشأهم الله تعالى عليه، وذلك من خلال أمور عدة يراعيها المربي مع تلقينها المتكرر والمستمر للطفل، فيـتأصل عنده أن قيمته كفرد مصدرها صلاحه واستقامته وتقواه لله تعالى، ما يكسبه التوازن النفسي المطلوب إن لم يكن ذا حظٍ من الجمال أو به ما يعيب، ويحدُّ من إعجابه بنفسه إن كان بارع الجمال ظاهر الحُسن، ولنضرب له الأمثلة على ذلك:

- فالله عزّ وجلّ رفع ذكر لقمان الحكيم في كتابه العزيز وذكر لنا وصاياه الرائعة في سورة من سور القرآن الكريم تحمل اسمه، فمَن هو لقمان؟

عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان عبداً حبشياً نجاراً. وقال قتادة: عن عبد الله بن الزبير قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم في شأن لقمان؟ قال: كان قصيراً أفطس - عريض الأنف - من النوبة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر ذا مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة، قال تعالى: {يُؤْتِي الْـحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْـحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة: 269].

وقال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر - يعني كبير الشفتين جداً -.

وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُؤصّل هذا الفهم عند الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ويربيهم على القاعدة نفسها فيقول: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم»، ويؤكد عليها إذا بدر منهم شيئاً يناقض هذا الفهم، فعن علي كرّم الله وجهه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود أن يصعد شجرة فيأتيه بشيء منها، فنظر أصحابه إلى حموشة ساقيه فضحكوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما يضحككم؟ لرِجلا عبد الله في الميزان أثقل من أُحد‏»‏‏..! وكان يُعرف في الصحابة بصاحب السواد والسواك، شهد بدراً والحديبية، وهاجر الهجرتين، وصلى القبلتين، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فيما ذكر في حديث العشرة بإسناد حسن جيد‏، فما ضرّته حموشة ساقيه (شدة نحافتهما) ودقة بدنه ما دام عند الله تعالى عظيماً؟

 - تربية الأبناء على الثقة بالنفس من خلال تبصيرهم بما منحهم الله تعالى من قدرات ومواهب يتميزون بها، ودفعِهم إلى تفعيل تلك المميزات، خصوصاً إذا كان الابن مصاباً بمرض أو عيب خلقي خارج عن إرادته، ونعلمهم أنّ الرجل الذي تربو ثقته بنفسه لا يشلّ إقدامه على الحياة نقصٌ في بدنِهِ أو عنتٌ في ظروفه، بل قد يكون ذلك مثار نشاطه وشدة شكيمته كما قال الشاعر:

إلّا يكن عظمي طويلاً فإننــي

لي بالخصالِ الصالحاتِ وصولُ

إذا كنتُ في القومِ الطـــوال

علوتهم بعارفةٍ حتى يقال طويلُ

- توجيه الأبناء نحو معالي الأمور، مثل طلب العلم النافع وعدم الرضا بأقل من مرتبة التفوق والتميز في أي عمل يقومون به، وتعويدهم وتشجيعهم على ذلك؛ حتى يصير ديدنهم التميّز والتفوق، فيبني الواحد منهم لنفسه مكاناً عالياً لا يعود لقلة حظه من الشكل الجميل ذكر بجانبه.. والمتتبّع لتراجم النابغين وسير العظماء يجد من ذلك أمثلة كثيرة يبرز فيها دور الوالدين - خاصة الأم - في ذلك، منهم القاضي محمد بن عبد الرحمن الأوقس، عندما نقرأ في سيرته نجد علماء التراجم يقولون عنه: كان فقيراً، لم يكن حسن الصورة، كان له منكبان عاليان، وكان الناس يعيّرونه بأنه ليس له رقبة، فكان يوماً من الأيام يدعو الله تعالى عند الكعبة يقول: «اللهم اعتق رقبتي من النار». فالتفتت إليه امرأة وقالت: يا ابن أخي أي رقبة لك هذه التي تريد عتقها من النار. فقالت له أمه: يا بني لا تكون في قوم إلا كنت المضحوك منه المسخور به، فعليك بتعلم العلم، فتعلّم العلم وناله، وأصبح قاضياً، فكان الخصوم إذا وقفوا أمامه يرتعدون من شدة هيبته - رحمه الله رحمة واسعة.

عزيزي المربي:

لا يهم أن يكون ولدك جميلاً.. اصنع منه ولداً صالحاً ورجلاً عظيماً.. حينها سيكون في نظرك وأمام الجميع «أجمل طفل في العالم».

:: مجلة البيان العدد 304 ذو الحجة 1433هـ، أكتوبر-نوفمبر 2012م.


[1] تفسير القرآن العظيم، ج4، ص:375.

[2] أخرجه أحمد من حديث أبي نضرة.

[3] أخرجه مسلم، رقم: 4651.

[4] ابن القيم: روضة المحبين.