جامع الزيتونة المعمور أول جامعة في بلاد الإسلام، ويُعد ثاني المساجد التي بنيت في إفريقيا بعد جامع عقبة بن نافع في القيروان، ويُرجح أن من أمر ببنائه هو حسان بن النعمان - رضي الله عنه - عام 79هـ، وقام عبيد الله بن الحبحاب بإتمام عمارته في 116هـ.

أشرق نور الزيتونة على القارتين الإفريقية والأوروبية، بل جاوزهما إلى كلّ أجزاء دولة الخلافة الإسلامية، ومن أبرز رموزه: علي بن زياد، وأسد بن الفرات، والإمام سحنون صاحب المدوّنة التي رتبت المذهب المالكي وقننته، والفقيه المفسّر والمحدّث محمد بن عرفة التونسي صاحب المصنّفات العديدة، وابن خلدون المؤرخ ومبتكر علم الاجتماع.. وقد بُني الأزهر الشريف في القاهرة بأموال جامع الزيتونة، بل كان الأزهر فرعاً للزيتونة.

إلا أن الجامع عرف نكسة كبرى عندما دخله الجيش الإسباني في صائفة 1573 فيما يُعرف بوقعة الجمعة، وحوّلوه إلى إسطبل، واستولوا على مخطوطاته، ونقلوا عدداً منها إلى إسبانيا وإلى مكتبة البابا، وغاب الزيتونة أربعين سنة.

اعتقد من لا يعرفون تونس، ومن لا يعرفون روحها وعنصر وجودها؛ أنّ الزيتونة، حينها، انتهى وانطفأ نوره..

فاجأهم الزيتونة..

حرّر القائد العثماني البطل، سنان باشا، مدينة تونس من الإسبان..

عادت جامعة الزيتونة بعد تلك النكسة.. عادت بعد غيبوبة.. ضعيفة.. ويُقال إنّ المنابع جُفّفت لدرجة أنّ بعض المدرسين لم يكونوا يتقنون جيداً أصول اللغة العربية، بل استجلبوا مدرسين للغة العربية من تركيا.

إلّا أنّ الزيتونة استرجعت أنفاسها سريعاً وقامت وشمخت من جديد.. وأنارت... فأنجبت ممن أنجبت في العصر الحديث: الشيخ أحمد بن باديس الجزائري، ورئيسا الجزائر بن بلّا والهواري بو مدين، وأنجبت الطاهر بن عاشور، والشيخ النيفر، ومحمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر... ومثلهم كثير، إضافة إلى رموز المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي والإيطالي في المغرب العربي وإفريقيا.

واستُعمرت تونس من فرنسا.. وحاولت فرنسا القضاء على الزيتونة.. لكنها فشلت.. فأوكلت المهمة إلى عميلها الماسوني، الحبيب بورقيبة، فقام بالتضييق على الزيتونة باغتصاب أوقافها والتضييق على مدرسيها في أرزاقهم، بل وصل به الحدّ إلى سجن وقتل بعضهم، إلى أن أغلقها.

أغلقها بورقيبة وفيها، حينها، 25 ألف طالب يدرسون ويأخذون رواتب ويسكنون على حساب أوقاف الزيتونة.

أغلقها بورقيبة وانتشت فرنسا تيهاً وفرحاً بالحدث.

مضت العقود وثار الشعب المسلم في تونس على جور النظام العلماني المجرم الذي بناه بورقيبة وركّزه بن علي.. وقرر الشعب أن تعود الزيتونة.

الآن، وبعد ما يزيد على الخمسين عاماً من الإغلاق.. من الغيبوبة.. تفتح الزيتونة عينيها من جديد، وتستيقظ بثبات رغم قلّة ذات اليد وندرة المدرسين. وكالمرّة الأولى، مع الإسبان، اعتقد من لا يعرف تونس أن الزيتونة خبت وانتهت. وكالمرّة الأولى، فاجأتهم الزيتونة.

في هذه السنة، تمّ إعادة فتح فرع سوسة، تلاه فرع صفاقس، وكذلك بالنسبة لبقية الفروع في البلاد.. وقدمت وفود من الجزائر للتفاهم على فتح فرعي الجزائر.. كان للزيتونة 25 فرعاً في تونس وفرعان في الجزائر.. إلى حين كتابة هذه الأسطر أعيد فتح سبعة عشر فرعاً، والعمل جارٍ على البقيّة، بل إضافة فروع أخرى لم تكن موجودة، مثل: فرع المهدية وفرع سيدي بوزيد.

بدأت النقاشات حول كلية الطب في الزيتونة والتي ستدرس باللغة العربية، وقد اجتمع خمسون من خيرة أطباء تونس لهذا الغرض، وكذلك بالنسبة لكلية العلوم.

هذا الجامع سيعود - إن شاء الله - رقماً من أهمّ الأرقام في المعادلات الشرعية والتشريعية والاجتماعية والسياسية في البلاد.

الوضع الحالي للزيتونة

الوضع القانوني:

يرجى الاطلاع على الوثيقة النادرة المرفقة الموقّعة من ثلاث وزارات ومشيخة الجامع، ومن أهمّ ما فيها، أنّ جامع الزيتونة هوّ مؤسسة إسلامية، علميّة تربوية، مستقلّة، غير تابعة، وتتمتع بالشخصيّة القانونية.

الوضع العلمي الحالي:

ضعيف جداً.

جُفّفت المنابع العلمية إلى أبعد الحدود ولا نكاد نرى أثراً للوقع العلمي المباشر لجامع الزيتونة على المجتمع التونسي، رغم ذلك فإن استيقاظ الجامع سريع بالنسبة لكائن حيّ وضعه أعداؤه في غيبوبة دامت عقوداً. يكفي أنّ نعرف أنّه إلى حدود هذه الساعة تمّ تسجيل ما يزيد على خمسة آلاف طالب في دروس الزيتونة في العاصمة وحدها.

رؤية الشيخ حسين العبيدي، شيخ الزيتونة، هيّ الانطلاق ممّا وقف عنده الشيخ الطاهر بن عاشور - رحمه الله - صاحب كتاب التحرير والتنوير، وآخر مشائخ الجامع قبل أن يغلقه المقبور بورقيبة. والتصور هوّ نفس ما عليه الأزهر الآن، أي جامعة شرعية لها كليّات في العلوم الدنيوية مثل كليّة الطب والهندسة والعلوم... وينقسم المنحى التحصيلي إلى ثلاثة أقسام: الأهلية، ثمّ التحصيل، ثمّ العالمية. يُعبر من قسم إلى آخر باختبار.

على مستوى التسيير، تتكون الهيئة المديرة من 120 عضواً، يُنتقى من كلّ فرع ثلاثة أشخاص، ومن الجامع الأم 45.

قُدّم القانون الداخلي للمشيخة، وهي وثيقة بقرابة مائة صفحة، ستنشر قريباً بإذن الله تعالى.

تمّ فتح أول مدرسة ابتدائية في العاصمة تونس تُدرس حسب منهج التعليم الأصلي لجامع الزيتونة. وعُوضت الفرنسية في منهجها بالأنغلزية. والمدرسة الآن تُهاجَم بشكل شرس من الدولة ومن يُسمون بالعلمانيين ومن يتامى فرنسا.

الوضع المالي:

لا يوجد في رصيد جامع الزيتونة دينار واحد، بل يشاع أن بعض الجهات تستولي على التبرعات التي تُقدم عبرها لجامع الزيتونة فلا تصل. لذا يُنصح بتقديم التبرعات مباشرة إلى مشيخة الجامع.

أسلوب الخنق المالي استعمله بورقيبة للقضاء على الزيتونة، حيث استولى على أوقاف الجامع ثم أغلقه.. أعداء جامع الزيتونة الآن يحاولون، وبنفس الأسلوب، الوقوف أمام يقظة الجامع وعودته.

الحضن الشعبي:

وهو نقطة قوة الجامع التي عجز أمامها أعداؤه؛ فالشعب التونسي مدرك للترابط الوجودي بينه وبين جامع الزيتونة، وحنينه إلى الجامع ودوره الوطني وعلى مستوى أمة الإسلام فاض من فؤاد وجوارح هذا الشعب.

التجاذبات حول الزيتونة:

الوزارات: وزارة الشؤون الدينية ووزارة التربية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مدعومين بوزارة الداخلية:

بعد أن أمضت هذه الوزارات على وثيقة عودة التعليم الأصلي لجامع الزيتونة في لحظة غفوة ونشوة معتبرة أن الأمر مجرد ديكور تاريخي أو فلكلور (الوثيقة المرفقة) وهي وزارات فيها من فيها من الفرنكفونيين وأعداء الدين.. أفاقت على نشاط وسرعة الشيخ حسين العبيدي المتجه إلى إعادة الزيتونة إلى دوره الريادي والطليعي، واستشعرت الأهمية والبعد الذي قد يأخذه الجامع والذي، حتماً، سيتقاطع مع صلاحيات وخطط هذه الوزارات مجتمعة.

كلية الشريعة وكليات الآداب: هذه الكليات المهترئة والمسخة علمياً، وخصوصاً كلية الشريعة التي تُدرّس وتخرّج كل ما يمكنه إيذاء الإسلام عبر تشويه العقيدة وضربها؛ هذه الكلية أصيبت في المقتل بعودة الزيتونة، فلو عاد تعليم الزيتونة إلى قوته سيقضي إشعاعه على هذه الكليات ذوات المستوى الضحل.

الإعلام: فرنسا وأذنابها من بورقيبيين وملحدين ومرضى قلوب وجهلة (لا يصح تسميتهم بالعلمانيين فلا نسبة بينهم وبين العلم، بل علينا تسميتهم بمصطلحاتنا الشرعية، فأبو جهل لو كان في زماننا لسُميّ علمانياً وقد سمّاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم بأبي جهل)؛ كلهم فجعوا بعودة الزيتونة وفشل مشروعهم في القضاء عليها. لم يستطع الإعلام توجيه هجوم مباشر على الزيتونة خوفاً من الشعب التونسي، فالتجأ للهجوم على شخص شيخ الزيتونة وأهليته لهذا المنصب. والهجمة على الزيتونة محمومة الآن في الإعلام.

المستفيدون من أوقاف الزيتونة المنهوبة: وهي أخطر فئة، حيث وبعد علمهم بأن شيخ الزيتونة يعتزم رفع قضايا قضائية لاستعادة الأوقاف أو بعضها، وخصوصاً المرتبطة بالتعليم، كمبيتات الطلبة وأماكن الدراسة، وهي كثيرة؛ تحركوا ضدّه، ووصل بهم الأمر إلى تهديد شيخ الجامع بالقتل.

لمعرفة أهمية هذه النقطة يكفي أن نعلم أنّ نصف الأراضي الخصبة للبلاد التونسية كانت وقفاً للزيتونة، عدى العديد من العقارات الكبيرة المتواجدة في قلب العاصمة ومدن أخرى.

كيف يحاربون الزيتونة:

تجفيف مالي، وهجوم إعلامي وتشويه، ولا نستبعد اغتيال الشيخ حسين العبيدي.. اغتيال مرتبط بمسألة الأوقاف أو بخياراته المواجهة لفرنسا. وقد يكون الهدف من طرح الاغتيال، لا قدّر الله، أن يوضع شيخ آخر مكان الحالي يكون أقل شجاعة وعزماً وذكاء..

قد لا يكون الشيخ حسين العبيدي في المستوى العلمي للشيخ الطاهر بن عاشور أو الشيخ محمد الخضر حسين، لكنّه وكأنّ الله قدّر أن في هذه المرحلة لا يحتاج جامع الزيتونة إلى عالم ألمعي، بل يحتاج إلى شخصية لديها علم ولكنّها مقاتلة، صدامية، ذات حكمة وعزم واستماتة من أجل الزيتونة.

ما الذي يمكن أن يكون عليه دور الزيتونة في مستقبل تونس؟

جامع الزيتونة، إن استرجع عافيته إن شاء الله وعاد كما كان؛ سيصبح من أصلب ضمانات تمتين النسيج الوطني التونسي، فهو، كمرجعية وكشرعية، قاسم مشترك ومصدر صهر وتحييد لجانب كبير من الخلافات والفوضى التي هيّ عليها البلاد الآن.. كلّما قوي دور وفعل الجامع كلّما التفّ حوله المجتمع التونسي وتماسكت به شرائحه.

الزيتونة ومقاومة التشيّع

استراتيجياً: إن واجهت الزيتونة التشيّع، فإن كلّ الشعب التونسي بطمّ طميمه سيواجه هذه الآفة، وسيعتبرها فيروساً خبيثاً غريباً عن جسده..

حاول أتباع عمائم المجوس في قم، والأحباش؛ التقرب من الزيتونة ومحاولة التغلغل فيها، كادوا أن ينجحوا لعدم انتباه أهل السنّة، في البداية، لأهمية الدور التاريخي الذي يمكن أن تكون عليه الزيتونة مستقبلاّ، حيث كانوا، كبقية الناس، يرون في عودتها حركة من طرف الحكومة لدغدغة واستغلال عاطفة الشعب التونسي وحنينيته تجاه هذا الصرح.

الآن، وقد التفّ أهل السنّة حول الزيتونة، وجب العمل على أن يملأ الجامع كلّ الفضاءات المرتبطة بالعقيدة في وجدان الشعب.. أن يصبح المنارة التي ينظر إليها الضال كيّ يهتدي.. أن يكون التوجّه للجامع هو الحركة المرجعية الأشعورية لأي تونسي في استشاراته واهتماماته وفي كلّ ما يواجهه من أطروحات.. يُغلق الباب نهائياً أمام التشيّع.. بل ويصبح، إن شاء الله، نقطة انطلاق لهجوم مضاد لأهل السنّة على مصادر التشيّع، ليس في تونس فحسب، بل في إفريقيا كلّها.

الزيتونة والتنصير:

تعلم فرنسا ومن شابهها. فرنسا التي تتلوّى ألما من عودة الجامع إلى دوره، تعلم أن نبع الدعوة الإسلامية في إفريقيا عاد ليسقي أجيال التوحيد. وأنّ نور الشريعة السمحاء، الذي تحمل الزيتونة مشعله في إفريقيا لن يقف أمامه ظلام ما ينشرون من كفر وتنصير. فعلماء وطلبة العلم الزيتونيين في النيجر ومالي والسنغال ومغلب بلدان إفريقيا، لازال تأثيرهم قائما إلى الآن رغم غياب الزيتونة. فما بالك والزيتونة عادت؟

من بنود العقد الممضى مع الحكومة، أن التعليم الزيتوني مجاني لكلّ مسلمي العالم.

كيف يمكن دعم الزيتونة؟

1- المال.. الزيتونة الآن محتاجة إلى ما يقويّها.. أعداؤها يحاربونها من الباب الوحيد المتبقي لهم، باب المال.. ويكفي ملاحظة الحالة المزرية لحُصر (زرابي) الصلاة كي نتصور وضع الجامع المالي. التبرع يكون مباشرة للمشيخة عبر رصيدها وليس عبر وزارة الشؤون الدينية.

2- إقامة ندوة عالمية عنوانها «الزيتونة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً» (هذا العنوان اقتراح الشيخ حسين العبيدي)؛ يُستدعى لها علماء الأمة وأصحاب القرار والنفوذ فيها. مثل هذه الندوة ستقدم دفعة مستقبلية بسنوات للزيتونة وستقضي على محاولات التعدّي على الجامع كمؤسسة علمية.

3- إنجاز برامج تلفزيونية تبث في القنوات الإسلامية مواضيعها مرتبطة بالزيتونة؛ أو دروس تبث من داخل الزيتونة.

4- مؤتمر خاص بتنمية الموارد المالية للزيتونة.

5- مطبعة خاصة بالزيتونة.

6- الدعم اللوجستي بكل ما تحتاج إليه منظومة تدريس عصرية (حواسيب، أثاث، شبكات...).

7- دعوة شيخ الزيتونة، أو من ينوبه، للمؤتمرات والندوات التي يقيمها علماء الأمة' لإشراك وإدخال الزيتونة ضمن الحركة العلمية والدعوية العالمية.

قدّر الله تعالى أن تعود الزيتونة في زمن المخاضات هذا الذي تمرّ به أمّة محمد - صلّى الله عليه وسلّم -.. زمن تحتاج فيه الأمّة إلى أن تسترجع كلّ طاقاتها، الإيمانية والعقدية والعلمية والمادية؛ كي تنهض وتعود إلى دورها في ريادة العالم وإبلاغ رسالة الإسلام، رسالة التوحيد، رسالة النجاة.

ندعو الله أن يبارك في هذه العودة وأن يجعلها بركة ونوراً على تونس وعلى أمة الإسلام.

:: مجلة البيان العدد 306 صفر 1434هـ، ديسمبر2012م.