منذ نجاح الثورة المصرية في إسقاط مبارك ورؤوس نظامه الفاسد، والساحةُ المصرية تموج بعديد من الآراء والأفكار والمصطلحات التي ما إنْ تبدأ موجة منها حتى تنتهي، تاركةً وراءها سجالات، وحوارات، ونقاشات، ومعارك سياسية وثقافية؛ يصعب على المتابع أن يُلمَّ بأطرافها، فكيف بالمواطن العادي؟!

منذ نجاح الثورة المصرية في إسقاط مبارك ورؤوس نظامه الفاسد، والساحةُ المصرية تموج بعديد من الآراء والأفكار والمصطلحات التي ما إنْ تبدأ موجة منها حتى تنتهي، تاركةً وراءها سجالات، وحوارات، ونقاشات، ومعارك سياسية وثقافية؛ يصعب على المتابع أن يُلمَّ بأطرافها، فكيف بالمواطن العادي؟!

وعندما فرغ الشعب المصري من التعديلات الدستورية التي جرى الاستفتاء عليها في مارس 2011م، ووجد نفسه بصدد انتخابات - ستفرز برلماناً منوطاً به تشكيل لجنة المائة المكلفة بوضع الدستور، حسبما تقتضي التعديلات الدستورية -؛ طُرح عليه مصطلح «التوافق» بين الأحزاب والحركات المشاركة في العملية السياسية، خاصة أنها أحزاب وحركات كانت بالأمس القريب شريكة ثورة واحدة وميدان واحد.

بَدَتْ الدعوة إلى التوافق برّاقةً تحاول أن تخفف من حدة الاستقطاب الذي أحاط بالتعديلات الدستورية، بما جعل الساحة السياسية منقسمة إلى أحزاب وحركات إسلامية، وأخرى ثورية ومدنية، وإنْ اختلف البعض حول أيهما يكون محلاً للتوافق بدرجة أكثر: البرلمان، أم الدستور؟

وذهبت معظم الآراء إلى أنه إذا كانت الانتخابات البرلمانية يجوز فيها التحالفات وعدمها، فإن الدستور لا بد أن يكون محلاً للتوافق؛ لأنه يعبّر عن كل اتجاهات الشعب وتياراته، ولأنه يُفترض فيه أن ينظم لعقود مقبلة الحياةَ السياسية والتشريعية، ولا يتصور تغييره كل فترة قصيرة.

تعويض خسائر «الصندوق»:

كانت الأحزاب الثورية والمدنية الأكثر إلحاحاً على فكرة «التوافق» فيما يتصل بالدستور، وذلك لسببين:

- أنها خسرت معركة الاستفتاء التي كانت ترمي من خلالها إلى رفض التعديلات الدستورية، ومن ثم تشكيل الجمعية التأسيسية - التي ستتولى وضع الدستور - خارج مجلس الشعب، حيث ثمة مؤشرات عديدة قبل إجراء الانتخابات البرلمانية تؤكد أن مجلس الشعب القادم سيكون مجلساً بأكثرية إسلامية - وهو ما قد كان -، فكانت تريد استباق هذه النتائج بالحديث عن «التوافق»؛ لتضمن نصيبها حتى لو خسرت معركة الاستفتاء!!

- أنها تريد ممارسة الضغط الإعلامي على الأحزاب والحركات الإسلامية ووضعها في موقف حرج أمام الجماهير حين تظهر بمظهر الرافض لفكرة التوافق - وهي فكرة برّاقة خداعة -، ومن ثم فما خسرته الأحزاب العلمانية (الليبرالية واليسارية) عبر «الصندوق» في الاستفتاء والانتخابات البرلمانية؛ تستطيع فرضه وتعويضه عبر تكثيف الضغط الإعلامي، الذي يبدو أن الأحزاب الإسلامية عاجزة عن التصدي له لأسباب عديدة ليس هذا مجال الدخول في تفاصيلها.

بالفعل، كانت الأحزاب الإسلامية في موقف صعب، إذ هي لا تريد أن ترفض الدعوة إلى «التوافق» حتى لو كانت تعلم وتتأكد من أنها «دعوة حق أُريد بها باطل»!!

وحين بدأت الجمعية التأسيسية أعمالها، وأخذت تتطرق إلى صلب الدستور ومواده تفصيلياً؛ بدا واضحاً أن معظم الاعتراضات التي تبديها ما تسمى القوى الثورية والمدنية - سواء المشاركة في الجمعية، أو المعترضة على تشكيلها من الأساس وفضلت المقاطعة -؛ تنصب على تلك المواد المتصلة بالشريعة الإسلامية، وأبرزها المادة 2 التي تتصل بموقع الشريعة الإسلامية من التشريع، والمادة 36 التي تنظم العلاقة بين الرجل والمرأة.

فبينما تريد الأحزاب الإسلامية نصاً صريحاً في الاستناد إلى «الشريعة الإسلامية» أو «أحكامها» وليس مبادئها، أو على الأقل: النص على أن الأزهر الشريف هو الجهة المنوط بها تفسير المراد بـ «مبادئ الشريعة»؛ حتى لا تُترك صيغةً فضفاضةً لا تحقق المقصود منها كما يريد البعض.. بينما كان هذا موقف الأحزاب الإسلامية - وهو موقف مرن ويعتمد على طرح بدائل متعددة للمسألة -؛ وقفت التيارات المدنية والثورية العلمانية رافضةً أي تعديل للنص القديم الذي يقول: «مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع»، بل حتى رافضة أن يُمنح الأزهر اختصاص تفسير المراد من «المبادئ»؛ بحجة أن ذلك يرسخ للدولة الدينية حسب زعمهم!

إضافة إلى ذلك، رفضت هذه القوى ما نصت عليه المادة 68 في مسودة الدستور - وهي المادة 36 سابقاً في القراءة الأولى - من أنه (تلتزم الدولة باتخاذ كافة التدابير التي ترسخ مساواة المرأة مع الرجل في مجالات الحياة؛ السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، وسائر المجالات الأخرى، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية)، وزعمت أن قيد «أحكام الشريعة» ينسف المساواة التي يريدونها بين الرجل والمرأة، أو يجعل الباب مفتوحاً أمام تأويلات دينية وتفسيرات مجهولة!!

وانكشف المستور!

إذن، من خلال الدخول في التفاصيل تبيّن المراد من حقيقة الدعوة إلى «التوافق»!! وأن المطلوب من الأحزاب الإسلامية في هذا الصدد هو بطبيعته وبالضرورة خارج مفهوم «التوافق» بمعناه الإيجابي؛ إذ لو استجابت الأحزاب والحركات الإسلامية لما يُطلب منها في هذا الصدد - تحت زعم تحقيق «التوافق» - لصار موقفها لا يعني إلا التنازل والتفريط فيما ظلت تدعو إليه سنوات، ونذرت حياتها من أجله، وهو تحكيم الشريعة الإسلامية.

فـ «التوافق» - في أصله ومعناه العام - يعني الذهاب إلى الحلول الوسط، أو أنصاف الحلول، أو تحقيق مطالب والتنازل عن أخرى؛ في سبيل إرضاء الجميع.. لكن غاب عن البعض - حتى من الإسلاميين أنفسهم!! - أن إرضاء الجميع غاية لا تُدرَك!!

هذا المعنى المباشر لمفهوم «التوافق» لا يتناسب أبداً مع قضايا الهوية والشريعة، فهي قضايا لا تقبل الحلول الوسط، ولا أنصاف الحلول.. بخلاف قضايا أخرى مثل التوافق على اختصاصات مجلس ما، أو هيئة بعينها، أو سياسات تختص بفئة محددة، أو غير ذلك، مما يقبل الأخذ والرد.

لكن التيارات العلمانية «الليبرالية واليسارية» كانت لدودة في خصومتها مع التيارات الإسلامية، ولم تترك وسيلة لتخويف الجماهير من الإسلاميين إلا سلكتها، بل اختلقت الأكاذيب والإشاعات، وعملت على تضخيم الأخطاء أو حتى مجرد الاقتراحات؛ بحيث بدا للبعض أن الدستور الذي يجري «طبخه» في الجمعية التأسيسية سيأخذ مصر إلى الدولة الدينية التي تتحكم بمقاليدها مجموعة من المشايخ، لا همَّ لهم إلا جلد الناس، وقطع رقابهم، وربما سبي النساء والأطفال!!

ومع هذا الجو الإعلامي المشحون ضد الإسلاميين والجمعية التأسيسية، ظلت هذه التيارات العلمانية تلح على الدعوة إلى «التوافق»!! فهي تضغط وتقصف إعلامياً، وأيضاً تفاوض وتحاور في الوقت نفسه؛ لتحقق أكبر قدر من المكاسب، وتظهَر كما لو كانت مدافعة عن مصالح الشعب وحريته، وحقوق المرأة، والعدالة الاجتماعية!!

إضافة إلى هذين المسارين، لجأت هذه التيارات - كي تهرب من الإجابة عن أسئلة الهوية والشريعة - إلى الطعن في الجمعية التأسيسية أمام القضاء حتى بعد تشكيلها مرة ثانية[1]؛ بزعم أنها غير متوازنة في تمثيل شرائح وفئات المجتمع!! وتجاهلت أنه حتى لو تم تشكيل جمعية تأسيسية بكامل عددها من العلمانيين، فإن أسئلة الهوية والشريعة تظل قائمة، وبوسع الإسلاميين أن يعطوا «مسودة الدستور» صفراً بامتياز حين الاستفتاء عليها!!

فليست الإشكالية في توازن الجمعية التأسيسية، بل في الموقف من الهوية والشريعة بالأساس!!

«الصندوق» هو الحل:

من المعروف أن «السياسة» بطبيعتها هي ممارسة عملية واقعية للأفكار والنظريات والأطروحات، بعكس علوم أخرى تقوم على التجريد والمثالية، مثل: «الفلسفة» أو «المنطق» أو «الأخلاق».

لكن الطريف - والمـُشْكِل في الوقت نفسه! - أن الإلحاح على فكرة «التوافق» في العمل السياسي يجعلنا بصدد وكأن المطلوب أن ننتقل بـ «السياسة» - كعلم وممارسة - من «الواقعية» إلى «المثالية»، ما يخالف مفهوم «السياسية» وطبيعتها أصلاً!!

فجوهر العملية السياسية - فيما يتصل بالاختيارات وتحديد المسارات - يقوم على «الانتخابات» كوسيلة لاختيار شخص ما، وسياسة ما؛ حتى لا نظل ندور في حلقة مفرغة من النقاشات، والاقتراحات، والأفكار التي لا تنتهي.

هذه «الانتخابات» - التي تعني آليةً محددةً لإفراز الأقلية والأكثرية، أو لنتبيّن من خلالها عدد الموافقين والمعارضين لأمر ما -؛ هي ضد فكرة «التوافق» التي تعني التراضي وتقاسم الصلاحيات بغض النظر عن الأقلية والأكثرية.

فـالانتخابات آلية عملية «واقعية» لحسم الجدل حول أمر ما، بينما التوافق فكرة «مثالية» لا يمكن أبداً تصور أنها تصلح لحسم القضايا الخلافية طوال الوقت.. وإذا كان لها فاعليتها في بعض القضايا، فإن المؤكد أن هناك قضايا - أبرزها الهوية والشريعة - لا تقبل الحلول الوسط، أي آلية «التوافق».

ولذلك؛ سنجد أنفسنا إزاء القضايا التي لا تقبل أنصاف الحلول مضطرين للذهاب إلى «الصندوق» لحسم الاختيارات، أي إجراء الانتخابات التي هي أساس العملية السياسية؛ فإذا أظهر «الصندوق» أن الجماهير أو أكثريتها - كما هو مؤكَّد بدلائل كثيرة - مع خيار الشريعة ومع التمسك بهويتها الإسلامية، فليس أمام التيارات الليبرالية واليسارية - إن كانت صادقة في احتكامها إلى الصندوق - إلا الرضا بخيار الجماهير.

وهذا المأزق الذي ستجد التياراتُ الليبرالية واليسارية نفسَها أمامه - فيما يتصل بالشريعة الإسلامية إنْ هي احتكمت إلى «الصندوق» -؛ هو ما تحاول هذه التيارات أن تتجنّبه ابتداءً، وذلك بالإلحاح على فكرة «التوافق» خارج الصندوق؛ لانتزاع ما تعلم - يقيناً- أنها ستخسره عبر الصندوق!

وهذا يجرنا إلى إشكالية أخرى، هي: هل هذه الأحزاب الليبرالية واليسارية ديمقراطيةٌ أصلاً، أم هي عبارة عن تجمعات نخبوية تعوّدت على الارتباط بالنظم الحاكمة دون الجماهير، ومن ثم كانت تحقق طلباتها بطريقة «فوقية» في إطار من الصفقات، وليس بطريقة «قاعدية» عبر انتخابات حرة نزيهة؟!

الإجابة واضحة!! وليس أمام التيارات الإسلامية إلا أن تتترس بموقف الجماهير العريضة المؤيدة للشريعة الإسلامية، وتصرّ على الاحتكام لـ «الصندوق» كآلية ديمقراطية نزيهة لا أحد يمكنه أن يشكك بها؛ لتفضح خبث هذه التيارات العلمانية التي تضيّع الجهد في قضايا محسومة سلفاً، بدلاً من الالتفات إلى استحقاقات الثورة من العدالة الاجتماعية والحرية، ومعالجة القضايا الحياتية الحالَّة!!

:: مجلة البيان العدد 306 صفر 1434هـ، ديسمبر2012م.


[1] تجاوز عدد الطعون المقدمة ضد الجمعية التأسيسية، والمطالبة بوقف عملها وحلها - حتى في تشكيلها الثاني بعد حلها في المرة الأولى بحكم محكمة -؛ 45 طعنًا!! وقد قضت الدائرة الأولى في محكمة القضاء الإداري (23 أكتوبر) برئاسة المستشار فريد نزيه تناغو - نائب رئيس مجلس الدولة -؛ بإحالة هذه الطعون إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في نظر دستورية «قانون انتخابات أعضاء الجمعية التأسيسية» رقم 79 لسنة 2012م، والخاص بمعايير انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية المكلفة بوضع دستور جديد.. وهو الحكم الذي رأى أنصار استمرار الجمعية التأسيسية في عملها أنه يعطي الجمعية «قُبلة الحياة» لتنجز عملها قبل حكم المحكمة الدستورية، الذي لن يكون له أي أثر قانوني لو صدر بعد أن يتم الاستفتاء على الدستور، حتى لو كان بعدم دستورية «قانون انتخابات أعضاء الجمعية التأسيسية».