منذ بدء الاحتجاجات في سورية ربيع عام 2011، شغل هذا السؤال ذهن الكثيرين، ومما لا شك فيه أن الجواب يتعلق بمجموعة من العوامل والمعطيات، سواء ما كان منها ثابتاً مستقراً يتعلق بطبيعة الجغرافيا والموقع والتركيبة السكانية بتقسيماتها الدينية والمذهبية والعرقية، أو ما كان متغيّراً يتعلق بطبيعة اللاعبين وأدوارهم وعلاقاتهم وتداخل مصالحهم. هذه العوامل تبدو في الحالة السورية مختلفة تمام الاختلاف عن غيرها من حالات الثورات العربية، وفيها من التعقيد والتركيب ما لا يوجد في غيرها، وهذا ما كانت تدركه قيادة النظام في سورية جيداً منذ اللحظة الأولى، ما دفع الأسد من البداية للقول إن سورية ليست مصر أو تونس أو اليمن، ولعل كلمات الأسد ونظامه التي تدور حول هذا المعنى هي كلمات الصدق الوحيدة التي تصدر عنهم ضمن الكمّ الهائل من الأكاذيب والخداع والتضليل.

إن الحرب مهما طالت فلا بد من أن تضع أوزارها يوماً، والاحتمالات العقلية في الجواب عن السؤال «سورية.. إلى أين؟» تنحصر في ثلاثة لا رابع لها: الأول: أن يتمكّن النظام من القضاء على الثورة. والثاني: أن تكون النتيجة لا غالب ولا مغلوب بحيث يحقق كل طرف نصراً جزئياً دون هدفه الكامل. والثالث: أن ينتصر الشعب ويقضي على النظام.

أما الاحتمال الأول فإنه يبدو بعيد المنال، فإن العودة إلى ما قبل مارس/ آذار 2011 بعد كل هذه الدماء والأشلاء والتدمير وما خلفه كل ذلك من ثارات وأحقاد؛ لا تكاد تكون متصوَّرة، فضلاً عن كون ميزان القوى على الأرض لا يشي بشيء من ذلك، فالقوة الباطشة للنظام تقلّصت إلى درجة كبيرة، والقدرة على السيطرة على الأرض تبدو أضعف من أي وقت مضى، ومَن حمل السلاح في وجه النظام ولمس من نفسه القدرة على المقاومة ورفع الظلم؛ يصعب عليه أن يرضى بالعودة للذل ثانية، لا سيما أن الجميع يعلم أن بقاء النظام والعودة إلى ما قبل بدء الثورة يعني انتحاراً حقيقياً، وحملة لا نهاية لها من القتل والاعتقال والتعذيب لكل من شارك في الثورة أو أيَّدها.

وأما الاحتمال الثاني، فإن العوامل المادية والمحسوسة تشير إليه، فرغم الانتصارات الكبيرة التي حققها المجاهدون على الأرض خلال السنة الماضية، ورغم أن هذه الانتصارات كانت تتحقق في ظل ميل كبير في ميزان القوى لصالح النظام، ورغم أن الميزان قد تعدل كثيراً لصالح الثوار مع تزايد عددهم وتنوع عتادهم وفي المقابل كثرة الخسائر البشرية والمادية في صفوف النظام وتحلل الجيش رويداً رويداً بفعل ضربات المجاهدين وكثرة الانشقاقات؛ إلا أن الأسابيع الماضية شهدت تطوراً ملحوظاً لصالح النظام على جبهات متعددة في ريف دمشق وإدلب وحمص، وقد كان الحدث الأبرز الذي ظهر ميدانياً هو دخول أعداد كبيرة من المقاتلين العراقيين واللبنانيين الشيعة من حزب الله وغيره وقتالهم في الصفوف الأمامية، وفي المقابل كان هناك تقليص متعمد وواضح للسماح بوصول السلاح والذخيرة للمجاهدين ومقاتلي الجيش الحر على اختلاف تكويناته، وهو ما أدى إلى انسحاب المقاتلين من أكثر من موقع بسبب نفاد الذخيرة، قبل أن يتمكنوا من استعادة كثير منها لاحقاً.

إن الأمر الذي لا بد من الاعتراف به أن الدعم المادي والعسكري الذي يصل إلى الثوار يمر معظمه عبر تركيا، وهي بدورها عضو في حلف الأطلسي وسياساتها لا يمكن أن تكون بمعزل وتحرّر كامل عن الإرادة الغربية، وبخاصة الأمريكية، وعليه؛ فإن نوع وكم السلاح والدعم الذي يصل لكافة الجبهات المقاتلة وتوقيته يخضع لقرار غربي؛ يسمح بتدفق أكبر فتتحقق الانتصارات، ثم يضع قيوداً معينة فتنفد الذخيرة وتتراجع القوات، وحتى الجزء الأقل من السلاح الذي يتم تهريبه عن طريق تجار السلاح من الدول المجاورة، فإنه في النهاية يخضع لسيطرة مافيا السلاح العالمية التي لا تنفك بدورها عن أجهزة مخابرات الدول المختلفة، وهو ما لمسه المجاهدون في كثير من المرات بعدم قدرتهم على شراء السلاح من تجار متعددين في وقت زمني واحد. قد تكون هذه الحقيقة مرة، لكن الاعتراف بها والتعامل معها على أنها أمر واقع أفضل مائة مرة من تجاهلها.

هذا على المستوى العسكري، أما على المستوى السياسي فالأمر يبدو أكثر وضوحاً، وقد جاء لقاء كيري - لافروف الأخير في موسكو في 7 أيار/ مايو ليعيد تأكيد التوافق الكبير بين الطرفين على الخطوط العريضة للحل، وهو ما ظهر في إعلان جنيف في حزيران/ يونيو 2012، وجاء الاجتماع الأخير ليعيد التأكيد على حل يرتكز على هذا الإعلان عبر الدعوة إلى عقد اجتماع دولي قريب يجمع الطرفين – النظام والمعارضة -؛ تمهيداً لتسوية مبنية على هذا الإعلان الذي أعلن النظام من البدء قبوله به، لا سيما أنه لا يتطرق لرحيل رأس النظام.

البعض يحاول تصوير ما تم في اللقاء الأخير خضوعاً أمريكياً للشروط الروسية بدعوى وجود تهديدات روسية بالتدخل العسكري المباشر من روسيا وإيران لدعم نظام الأسد، لكن هذا التحليل يبدو بعيداً عن الواقعية، والصحيح أن ما يحدد ملامح التوافق بين الطرفين أمرين؛ أولهما منع الإسلاميين من تحقيق انتصار حقيقي أو تولي زمام الأمور بعد الأسد، والثاني الحفاظ على أمن إسرائيل.

إن حل "لا غالب ولا مغلوب" يمكن أن يأخذ صوراً عديدة، وتوقع الأقرب منها للتحقق – وفق إرادة الكبار - يبقى محكوماً بالمحددين السابقين، وهذا ما يجعلنا نستبعد احتمال تمكّن الأسد وعصابته الطائفية من إقامة دويلة نصيرية تمتد من حمص في الوسط إلى الساحل غرباً فشمالاً إلى اللاذقية، فهذا إن كان يمثل عندهم الخطة "ب"، فإن هذه الدويلة غير قابلة للحياة على المدى البعيد، وأهم من هذا أنها لا تحقق الاستقرار والأمن لدولة "إسرائيل"؛ إذ ستكون على حدود فلسطين الشرقية دولة سنية خالصة لا مكان فيها للنصيريين في أي مفصل من مفاصلها، وليس لبقية الأقليات فيها دور كبير. ومن جهة أخرى، فإن الدويلة العلوية ستكون عامل عدم استقرار مستمر؛ لأن الغالبية السنية على حدودها لديها ثأر كبير مع رؤوس النظام وأزلامه وهم عصب هذه الدويلة، كما أن السوريين لن يقبلوا بانسلاخ هذا الجزء من أرضهم ولا بتقسيم بلدهم، هذا فضلاً عن وجود أعداد كبيرة من السنة في مناطق الدويلة، إن هُجِّروا – كما بدا أن مجزرة بانياس كانت مقدمة وتجربة لذلك - فسيشكل سعيهم للعودة مشكلات كبيرة للدويلة، وإن بقوا فلن يكون لها استقرار إلا بقمعهم وقهرهم، وهو ما سيكون دافعاً آخر لإخوانهم في الدولة السنية لنصرتهم أفراداً وجماعات.

إن عدم الاستقرار على حدود فلسطين سيخلق مجالاً كبيراً للجماعات الإسلامية الطامحة للجهاد في الأرض المقدسة، وهذا بكل تأكيد لن يكون مرغوباً في سورية المستقبل، فسورية ليست العراق التي يفصلها عن فلسطين آلاف الكيلومترات. إن ما يضمن أمن "إسرائيل" على المدى الطويل هو وجود دولة سورية ضعيفة ومستقرة؛ أما الضعف فقد تحقق الجزء الأكبر منه عبر ما لحق بالجيش من تدمير وتفكيك خلال الأشهر الماضية، إضافة إلى الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية، وهو ما سيعني انشغال الدولة السورية وشعبها بأعمال الإعمار وإزالة آثار العدوان ولملمة الجراح لسنين طويلة. وأما الاستقرار، فإنه يحتاج إلى تسوية تخضع لها كل الأطراف، إما بدافع الرضا، وإما بدافع العجز وبلسان حال يقول: ليس بالإمكان أفضل مما كان؛ أما من طرف النظام وداعميه، لا سيما روسيا وإيران، فقد كانت الدعوة للتفاوض هي محور الكلام منذ زمن بعيد، ولا شك أن من يدعو للتفاوض فإنما يدعو له ليقينه بأنه غير قادر على حسم المعركة عسكرياً رغم أنه من اختار هذا الحل من البداية، ومن يدعو إلى التفاوض فإنه يعلم أنه لا بد من أن يقدم شيئاً من التنازلات، وإن كان يطمع في أن تكون شكلية غير مؤثرة. فالرضا سيكون متحققاً من قبل النظام - ولو جزئياً -؛ لأن الاتفاق يحقق له بقاءه في السلطة ولو بالاشتراك مع غيره، ويجعله يدخل الانتخابات المقبلة كما هو موحداً متجانساً مدعوماً من الأقليات ومن أعضاء حزبه والمتخاذلين والخونة من السنة، بخلاف المعارضة المشتتة والمنقسمة والتي سيؤدي تشرذمها إلى تفتيت أصوات السنة، وهذا ما يراهن عليه النظام وأبواقه عبر دعوتهم الدائمة للاحتكام لصندوق انتخابات يتسع للأسد وغيره.

وأما الطرف الثاني المتمثل في الشعب الثائر والمجاهدين والجيش الحر، فإن غالبيته ترفض الحوار مع النظام، بينما توجد أصوات تتعالى للتفاوض حول رحيله، بينما "أصدقاء الشعب السوري" المفترضون يميلون إلى ضرورة الحوار والتفاوض، ويرى أمثلهم طريقة أن تسليح الجيش الحر هو وسيلة لتعديل ميزان القوى للوصول إلى حل سياسي تفاوضي.

والمحصلة أن الثوار لو دخلوا في هذا الحل فمن باب العجز وعدم القدرة، وهنا نعود للتذكير بمن يملك فعلياً أمر إدخال السلاح والمعونات، أي أنه حل سيفرض على الثوار كأمر واقع بأسلوب ليّ الذراع.

ولكن ماذا عن الاحتمال الثالث؟

إن العرض السابق قد يصيب البعض بالإحباط، وقد يجعل الصورة تبدو شديدة القتامة، ونحن نقر بأن الأمر كان سيكون كذلك فعلاً لو أنه متعلق فقط بالحسابات المادية، لكن الأمر - بفضل الله - ليس كذلك، وهذه الثورة منذ مبدئها تدل على هذه الحقيقة أكبر دليل، فالحسابات المادية كانت تشير إلى تمكن النظام من القضاء على الثورة في مهدها في درعا، كما قضى من قبل على حركة الإخوان المسلمين في الثمانينيات ومحا ثلث مدينة حماه من على الخريطة.

إننا كمسلمين لا ينبغي لنا بحال أن نجعل تعلقنا بالأسباب المادية، ولا أن نجعل تحليلاتنا قائمة على العوامل المحسوسة فحسب، نحن قوم خاطبنا الله عز وجل بقوله: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]، نحن قوم آمننا ربنا من مكر الماكرين وكيد الكائدين بقوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْـمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، وهذا لا يعني أن نتعلق بالأوهام والأحلام ولا أن نتواكل؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا في الوقت نفسه بأن نأخذ بالأسباب فقال: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْـخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].

إن الأخذ بالأسباب مع تعلق القلب برب الأسباب هو أعظم أبواب النصر على الأعداء، وهذه الأسباب معنوية ومادية، أولها الإخلاص وحُسن الظن بالله وكثرة التضرع واللجوء إليه، ثم القيام بحقوق الله سبحانه وتعالى وحقوق الخلق، والحرص على وحدة القلوب والصفوف ونبذ الفرقة والخلاف، مع محاولة تحصيل أسباب القوة العسكرية والسياسية قدر الوسع والطاقة، وهذا العمل هو حقيقة نصرنا لله عز وجل لنستحق نصره، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: ٧]، وقوله: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحج: 40]، وليس الأمر مجرد دعاوى باللسان.

إن حُسن ظننا بالله عز وجل يجعلنا نوقن بأننا متى ما حققنا شرط النصر - لا سيما في الداخل السوري - فإن النصر آت لا محالة، وتزيد من ثقتنا ويقيننا تلك الأحاديث المتكاثرة التي تبلغ حد التواتر المعنوي عن فضل الشام وأهله وعن ظهورهم على عدوهم، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)، قال الإمام المبجل أحمد بن حنبل: أهل المغرب هم أهل الشام[1].

وأما من تزعزع يقينه وقلّ رجاؤه، فننقل له كلام علامة الشام شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال رحمه الله عن غزو التتار للشام: (فزاغت الأبصار زيغاً عظيماً وبلغت القلوب الحناجر؛ لعظم البلاء... وظن الناس بالله الظنونا؛ هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام حتى يصطلموا أهل الشام، وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر، وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تُسكن ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام... وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية وأهل التحديث والمبشرات أماني كاذبة وخرافات لاغية، وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب ليس له عقل يتفهم ولا لسان يتكلم، وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده الإرادات؛ لا سيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب، ولا يميز في التحديث بين المخطئ والصائب، ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء؛ بل إما أن يكون جاهلاً بها وقد سمعها سماع العبر ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها الخفية ولا يهتدي لدفع ما يتخيل أنه معارض لها في بادئ الروية. فلذلك استولت الحيرة على من كان متسماً بالاهتداء، وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء؛ {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْـمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا} [الأحزاب: ١١]، ابتلاهم الله بهذا الابتلاء الذي يكفر به خطيئاتهم ويرفع به درجاتهم، وزلزلوا بما يحصل لهم من الرجفات ما استوجبوا به أعلى الدرجات. قال الله تعالى: {وَإذْ يَقُولُ الْـمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا} [الأحزاب: 12]، وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية والخلافة الرسالية وحزب الله المحدثون عنه، حتى حصل لهؤلاء التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21])[2].

فالله مولانا ولا مولى لهم، وهو جلَّ وعز ناصرنا إن شاء الله ولو كره الكافرون، فأبشروا وأمّلوا.

 

:: مجلة البيان العدد 312 شعبان 1434هـ، يونيو - يوليو 2013م.

::  "البيان" تنشر ملف شامل ومواكب لأحداث الثورة السورية


[1] مجموع الفتاوى (27/ 507).

[2] مجموع الفتاوى (28/ 446-447).