اعتمد علماء الإسلام في توثيق الأحاديث المرويّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسناد، وذلك للاطمئنان والتأكد من صحته ونسبته إليه، إثباتاً أو نفياً؛ لأن طبيعة الإسناد تقتضي رفع كل خبر وإيصاله إلى قائله، فيقال حدثنا فلان عن فلان عن فلان، ومن هنا عُدَّ الإسناد طريقاً إلى المتن، أي ما ينتهي إليه السند من الكلام.

والإسناد في حقيقة أمره هو الحكاية عن طريق متن الحديث، أو رفع الحديث إلى قائله، أو بمعنى آخر توثيق الخبر وتقويته؛ وكل هذا مشعر بالصدق من جهة، وبالأمانة من جهة أخرى، وهو معيار للأخذ به وقبوله، أو رده ورفضه.

ولا يعد الحديث المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحاً في نظرهم إلا إذا تتابعت سلسلة الإسناد من غير انقطاع، وكانت تتألف من أفراد يوثق بروايتهم. وتحقيق الإسناد جعلهم يقتلون الأمر بحثاً، ولم يكتفوا فقط بتحقيق أسماء الرواة وأحوالهم لمعرفة الوقت الذي عاشوا فيه وأحوال معاشهم ومكان وجودهم ومن منهم كان على معرفة شخصية بالآخر؛ بل بحثوا أيضاً عن قيمة المحدث صدقاً أو كذباً، وعن مقدار تحريه الدقة والأمانة في نقل المتون؛ ليحكموا أي الرواة كان ثقة بروايته.

وصحة الإسناد هي التي تقام عليها الحجة الدالة على صدق الرواية أو كذبها، فلو تجادل متجادلان فإن المفاضلة بينهما لا تتم إلا بالحجة، ولا تقام الحجة إلا برواية أو خبر يثبت أنه مسند إسناداً تقوم عليه الحجة المرادفة للدليل، وإذا لم يُعلم له إسناد فلا يثبت ولا يقام عليه الدليل، لأجل هذا قيل: إن الخبر الذي لا سند له كاللقيط الذي لا نسب له.

ولعل تلك القاعدة الصارمة والدقيقة لتحري الصحة في كل رواية وخبر هي مما أكرم الله به الأمة الإسلامية، وخصَّ به الإسلام دون سائر الأديان؛ حفاظاً للدين ورعاية له، حتى عُدَّ الإسناد سنة من السنن التي بها يترجح الحق من الباطل، وبها يعلو الصدق على الكذب، فيطمئن القلب وتسكن النفس.

يقول ابن المبارك: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا سئل وقف وتحير».

وعلى أي حال فإن الأخبار والروايات المسندة إسناداً لا شك فيه، قد حظيت بصفة فوق صفة العلم والمعرفة، أي اليقين، وهو أيضاً مما تفردت به الأمة الإسلامية دون سائر الأمم.. واليقين كما يعرفه الغزالي: «الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يصاحبه الاضطراب، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارناً لليقين مقارنةً لو تحدى بإظهار بطلانه مثلاً كأن يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يورث ذلك شكاً وإنكاراً، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته، فأما الشك فيما علمته فلا».

فجملة معاني اليقين إذن تدور حول ارتفاع الشك عن المعلوم ارتفاعاً لا يدخله الريب ولا الجهل والظن والنقص، وثبات العلم على حالة واحدة لا يتغير ولا يتحول ولا يتبدل، ثم يتغلغل في الذات فيبقى فيه من المعارف والعلوم حالها وصفتها، أي اليقين، ومنه يتولد الأمان، وهو الطمأنينة وسكون النفس واستقرارها، فيرى الغائب وكأنه معاين، والرؤية العيانية هي المنبع الأخير لكل يقين.

بيد أن يقين الأمة في معارفها وعلومها ينسب إلى المعارف نفسها، ولا ينسب للأمة ولا عقولها المدركة ولا يصدر عنها، وإضافة صفة اليقين إليها هي من قبيل تحصيل الحاصل؛ لأن اليقين داخل في مفهوم المعارف والعلوم ومتضمن فيها، وهو منها بمنزلة الروح من الجسد، ليكون علماً عليها وحالاً وصفة تجدها الأمة في نفوس أفرادها بأنه من عند الله، فيظهر فيها شيء جديد به تسكن النفس ويطمئن القلب.

وإلى المعنى السابق أشار الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: «ما أعطيت أمة من اليقين أفضل مما أعطيت أمتي».

فأمة محمد صلى الله عليه وسلم نالت من الفضل والشرف والإكرام على الأمم باليقين الذي أيدت به في علومها ومعارفها، وبه انكشفت لها الحجب والغيوب، حتى صارت الحقائق لها مشاهدة ومعاينة، وبه عصم الله الأمة وحفظها من الاعتقادات الباطلة والمعارف والعلوم التي تضر ولا تنفع، فعبدت الله وكأنه حاضر بينها.

فلا عجب إن اقترنت أعمال الأمة بيقينها، واتحد اليقين بالأعمال في وحدة لا انفصام لها، فخرجت أعمالهم مطيبة باليقين، فيقول السهروردي معبّراً عن شدة الارتباط بين اليقين والعمل عند أمة محمد صلى الله عليه وسلم: «لا يستطاع العمل إلا باليقين، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه، ولا يقصر عامل حتى يقصر يقينه، فكأن اليقين أفضل العمل؛ لأنه أدعى إلى العمل، وما كان أدعى إلى العمل كان أدعى إلى العبودية، وما كان أدعى إلى العبودية كان أدعى إلى القيام بحق الربوبية».

إن معارف وعلوم أمة محمد صلى الله عليه وسلم تتَّحد وعلى نحو مباشر بالإيمان، فيكونان نوراً واحداً، لا فرق بينهما، اللهم كالفرق بين الأعمى والبصير إذا أخبرا بطلوع الشمس؛ فإن إخبار البصير بالمشاهدة بخلاف إخبار الأعمى، لكن المشاهدة هنا والرؤية بالقلب تسمى يقيناً، واليقين في القلب كالبصر في العين، فيرى القلب ويشاهد ما غاب عن البصر.

الشيعة كاليهود والنصارى لا يكترثون كثيراً بصحة المنقول حديثاً كان أو خبراً ورواية، وبالتالي فلا عناية لهم ولا اهتمام بالإسناد، ولا خبرة لهم بالأسانيد وطرق التمييز بين رواة الأحاديث والأخبار وعدالتهم التي هي قوام الصحة وعمود الإسناد، ولا سائر الأدلة التي يُعرف بها صحيح المنقول من الكاذب والضعيف.. أي لا توجد عندهم على الإطلاق أسانيد صحيحة ولا روايات متصلة يحتج بها عند الخلاف وبها يكتمل الدين والتدين.

يقول ابن تيمية عن هذه الحقيقة البارزة في التشيع: «الرافضة أقل الناس معرفة بالإسناد، وهم أقل معرفة وعناية به، إذ كانوا لا ينظرون في الإسناد ولا في سائر الأدلة الشرعية الفعلية هل توافق ذلك أو لا توافقه، ولهذا لا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة، بل كل إسناد متصل لهم فلا بد أن يكون فيه ما هو معروف بالكذب أو كثرة الغلط».

ويقول أيضاً: «ليس للشيعة أسانيد متصلة برجال معروفين مثل أسانيد أهل السنة حتى ينظر في الإسناد وعدالة الرجال، بل إنما هي منقولات متقطعة في طائفة عُرف فيها كثرة الكذب وكثرة التناقض في النقل».

ومعنى هذا أن الشيعة لا اهتمام لهم بمعرفة الحديث صحيحه من كاذبه، ولا يحفلون بآثار الصحابة حتى يقفوا على طرقهم ويردّون كل ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، وجل اعتمادهم على روايات منقولة أو منسوبة لآل البيت فيها الصادق والكاذب.

ولما تنبَّه الشيعة فيما بعد إلى هذا الخلل الخطير الذي قد يفضي إلى تجريد المذهب برمته من الصدق ويدمغه بالكذب؛ وضعوا لصحة الأخبار والروايات المنقولة عن أئمتهم ثلاثة أصول تقوم مقام الإسناد عند أهل السنة، وهي:

أن يكون الحديث منقولاً عن أحد الأئمة المعصومين، إذ هم بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم لا يقولون إلا حقاً، وقول النبي حجة، وكل حديث لهم هو قطعي الصدور، فلا يحتاج إلى سند.

إن كل ما يقوله واحد من هؤلاء فإنما يقوله نقلاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد روى عن كل واحد منهم قوله: «أنا أنقل لكم ما أقوله عن النبي»، أي أن كل ما قاله واحد منهم فالنبي قائله، فالناس أخذوا عن الناس، أما هم فأخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن إجماع فقهائهم هو قطعاً إجماع آل البيت، وكل منقول أو مروي عن أحدهم فهو بمنزلة إجماعهم عليه.

وبطبيعة الحال فأصولهم تلك باطلة لا يعتمدون فيها على القرآن أو السنة أو الإجماع، لكن على إمامهم المعصوم وحده، وعصمته هي الحجة والبرهان في صحة المروي عنه، وليس هذا من الإسناد الذي تقوم عليه الحجة، ويقوى به البرهان؛ لأن الخبر أو المنقول لا يعد صحيحاً إلا إذا تتابعت فيه سلسلة الإسناد من غير انقطاع، أي صحة النقل، وهذا ما لا يعرفه الشيعة ولا يعلمون به.

فإذا كانت تلك هي حجية المنقول والمروي عند الشيعة، فإن الأدلة التي ساقها فقهاء المذهب لبيان صدقه وإثبات صحته لا تخرج في مجملها عن اثنين:

1- يكون الدليل فيها صحيحاً وصواباً، وذلك كاستدلالاتهم على إثبات المتعة والخُمس وغيرهما مما ورد ذكره في القرآن، لكنهم يؤولونها على مقتضى مذهبهم تأويلاً لا يعرفه علماء السنة ولا نقلة الشريعة، وجلها مردود عليهم، ومطعون فيه، وبعيد تماماً عن تأويلاتهم، ولا تسلم في الغالب من الاعتراض والتفنيد والدحض، ولا تفيد على الإطلاق العلم اليقيني.

2- الوضع أو الاختلاق البين والكذب الصريح، وهذا النوع من الأدلة هو الذي بُني عليه التشيع، وعليه ارتكز، وفوق دعائمه أقيم، وهو الذي ضمن له البقاء وتكفّل له بمواجهة الخصوم والمعارضين.

فوضعوا الروايات والأحاديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ألسنة أئمتهم المعصومين، دون اكتراث لتحري الصدق والأمانة والعدل، وبلا اهتمام بطرق التوثيق العلمي المتعارف عليها؛ فملؤوا كتبهم عن آخرها بالأكاذيب والأباطيل والأوهام والمستحيلات بكثرة مذهلة، وجسارة فريدة، ووقاحة مفرطة، تجعل رواة الصدق وطلاب العلم يجفلون فزعاً وخوفاً من سماعها. أما إقامة الحق الذي دعا إليه الأنبياء والحكماء والمصلحون، فهو آخر ما كانوا يفكرون فيه.

ولا يستند التوثيق عندهم إلا إلى التشيع والعصبية والهوى والبغض والحب، فيخترعون من عند أنفسهم كل ما فيه تعضيض أو دفاع عن التشيع أو نصرة له، ثم ينسبونه إلى الرسول أو واحد من أئمتهم، فكان الواحد منهم يرى أن تشيعه لا يكتمل إلا إذا أضاف إليه من عنده ما يعتقد بأن في ذلك تعزيز وتقوية له، حتى اشتهروا بأنهم أكثر الفرق المنتسبة إلى الإسلام كذباً وتزويراً وافتراء، وبلغوا فيه درجة حيَّرت العقلاء ودفعت بكثير من جهابذة أهل السنة إلى التحذير من رواياتهم والتنبيه إلى كذبهم.

فيقول ابن تيمية ناقلاً ما أجمع عليه الناس من قبله: «وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب».

ويقول شريك القاضي، وكان معروفاً بالتشيع مع اعتدال فيه: «احمل عن كل من لقيته إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً».

وسئل الإمام مالك عن الرافضة فقال: «لا تكلمهم، ولا ترد عليهم، فإنهم يكذبون».

وفي المعنى نفسه يقول سعيد بن هارون: «يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية، إلا الرافضة، فإنهم يكذبون».

وقال ابن المبارك معبّراً عن شدة ارتباط الكذب بالشيعة: «الدين لأهل الحديث، والكلام والحيل لأهل الرأي، والكذب للرافضة».

ويقول الأعمش في معنى قريب من ذلك: «أدركت الناس وما يسمّونهم إلا الكذابين».

وقال الشافعي في شهادته عنهم: «ما رأيت في أهل الأهواء قوماً أشد بالزور من الرافضة».

وقد أدت كثرة الكذب على الأئمة المعصومين إلى نتيجة طبيعية هي كثرة المتناقضات في الرواية الواحدة والحديث الواحد، والتي تصل في بعض الأحيان إلى العشرات، وفي أحيان كثيرة تتضارب فيما بينها إلى حد لا يمكن معه التوفيق بينها ولا الاهتداء إلى الصادق منها والكاذب.

غير أن الخلاف فيما بينها ليس خلافاً عادياً، بل هو خلاف في كل شيء وعلى كل شيء، ولا يقتصر فقط على المسائل الفقهية، بل يمتد إلى دعائم التشيع ومرتكزاته الأصلية، بحيث لم يسلم شيء من الاختلاف حوله، وتضاربت الآراء فيه حتى غدا الآن من المسلمات، وهو أنه:

لا توجد عند الشيعة مسألة واحدة إلا وبإزائها مسألة تناقضها، ولا خبر إلا وفي مقابله ما يضاده، ولا حديث إلا وهناك ما يعارضه.. ومنها خلص كثير من علماء المسلمين إلى أن الشيعة يختلفون في المسألة الواحدة إلى 20 أو 30 قولاً أو أزيد، بل لم تبقَ مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أو بعض متعلّقاتها.

واعترف علماء الشيعة أنفسهم بهذه المسلّمة، فقال أبو جعفر الطوسي: «ذاكرني بعض الأصدقاء أبره الله ممن أوجب حقه علينا بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ورحم السلف منهم، وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا، وتوافوا بذلك إلى إبطال معتقدنا.

وذكروا أنه لم يزل شيوخكم السلف والخلف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الذي يدينون الله تعالى به، ويشنعون عليهم بافتراق كلمتهم في الفروع، ويذكرون أن هذا مما لا يجوز أن يتعبد به الحكيم، ولا أن يبيح العمل به الحليم.

وقد وجدناكم أشد اختلافاً من مخالفيكم، ووجوب هذا الاختلاف منكم مع اعتقادهم بطلان ذلك دليل على بطلان الأصل، حتى دخل عليّ جماعة ممن ليس لهم قوة في العلم، ولا بصيرة بوجوه النظر ومعاني الألفاظ، وكثير منهم رجع عن اعتقاد الحق لما اشتبه عليه الوجه في ذلك وعجز عن حل الشبه فيه».

وقال السبحاني عن الفقه الشيعي وحده دون غيره: «عندما نطالع كتابي الوسائل والمستدرك مثلاً، نرى أنه ما من باب من أبواب الفقه إلا وفيه اختلاف في رواياته، وهذا أدى إلى رجوع بعض ممن استبصروا ذلك عن مذهب الإمامية».

ولم يقف الأمر عند حد الاعتراف بكثرة الكذب وحده في مروياتهم عن أئمتهم المعصومين، بل إن العلامة الحلي جمع اختلافات علماء الشيعة وفقهائهم منذ بداية ظهور التشيع إلى زمانه في كتاب سماه (مختلف الشيعة)، بلغ عدد أجزائه عشرة حوت جميع أبواب الفقه.

وفيه أظهر بوضوح لا لبس فيه كل الاختلافات بين الفقهاء التي لم تقتصر على مسائل بعينها تتيح بحكم طبيعتها الجدلية تعدد الآراء، بل امتدت لتشمل جميع موضوعات الفقه بغير استثناء، والخلاف حولها خلاف شديد وحاد قد يصل في أحيان كثيرة لأن يفتي بعضهم بالتحليل والبعض الآخر بالتحريم.

يقول العلامة الحلي في مقدمة كتابه عن تلك الخلافات: «فإني لما وقفت على كتب أصحابنا المتقدين، ومقالات علمائنا السابقين في علم الفقه، وجدت بينهم خلافاً في مسائل كثيرة متعددة ومطالب عظيمة متبددة، فأحببت إيراد تلك المسائل في دستور يحتوي على ما وصل إلينا من خلافاتهم في الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية».

ويكفي لبيان سعة ذلك الاختلاف في الروايات وتعدد أوجهها، ذكر شواهد قليلة من الدعائم التي أقيم عليها التشيع، ومنها تفرعت سائر أدبياته، بادئين بتحريف القرآن:

فمن المعروف أن عقيدة تحريف القرآن من العقائد التي رسخت في المذهب الشيعي حتى غدت لثباتها وتوقف التشيع نفسه عليها من المسلمات، وبلغت الروايات المتداولة عن جوانب التحريف في القرآن حداً من الكثرة والشيوع في مؤلفات الفقهاء والعلماء أغرى النوري الطبرسي بجمعها في كتاب أسماه وعلى وجه القطع واليقين (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)، غير أن هناك من فقهاء وعلماء المذهب في القرون الأولى للهجرة من ينكر تحريف القرآن، منهم: السيد المرتضى مؤلف (نهج البلاغة)، وأبو جعفر الطوسي، وأبو علي الطبرسي صاحب تفسير (مجمع البيان)، وابن بابويه القمي الملقب بالصدوق، وهو القائل: «إن من نسب للشيعة هذا القول - أي تحريف القرآن - فهو كاذب، لأنه لم يسمع بمثل هذه الروايات، ولو كانت موجودة فعلاً لعلم بها أو سمع بها».

وهو أيضاً ما يصر عليه المعاصرون من علمائهم، فيقول الخوئي: «إن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال لا يقول به إلا من ضعف عقله، وأما القائل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته».

ولا يشذ زواج المتعة في كثير عن تحريف القرآن، فهو أيضاً من الممارسات المتأصّلة في المذهب ومن دعائمه، ويحظى بالرضا والقبول لدى الجمهرة العظمى من الفقهاء، بل وحثّ شيعتهم عليه لما فيه من الأجر والثواب، ومع ذلك فهناك كثير من الروايات عن الأئمة المعصومين تذهب إلى تحريمه وتصفه بأقبح الأوصاف، منها قول الإمام الصادق عندما سئل عن المتعة، فرد قائلاً: «ذلك الزنا».

وقوله أيضاً إجابة عن السؤال نفسه: «لا تدنس بها نفسك».

أي هي محرمة تحريماً قاطعاً تفضي بمن يواقعها إلى تلطيخ نفسه بالأوساخ.

وكان إضافة إلى ذلك يعنّف شيعته ويحذرهم من المتعة قائلاً: «ألا يستحي أحدكم أن يرى موضعاً فيحمل ذلك على صالحي إخوانه وأصحابه».

أما الخُمس فهو حق لآل البيت في أموال شيعتهم ومكاسبهم، لكن هناك روايات عن الأئمة المعصومين أجمعت على إعفائهم منه، وهي روايات متداولة في أمهات كتب الفقهاء المتقدمين والمتأخرين، وظلت الآراء مختلفة ومتضاربة حول الخُمس لحين قيام الدولة الصفوية، فأوكل عبد العال الكركي مهمة صرف حق الإمام إلى الحاكم الشرعي.

وأخيراً انتهت الاجتهادات إلى ضرورة تسليم الخُمس إلى الفقيه، ليس باعتباره نائباً عن الإمام، وإنما باعتباره ولياً وزعيماً وإماماً للشيعة.

ومما تفرع عن دعائم التشيع ولا يزال الخلاف محتدماً حوله إلى يومنا هذا، وجوب صلاة الجمعة التي كانت الشيعة تقيمها وتحافظ عليها حتى أواخر القرن الخامس الهجري، ولم يشترط الفقهاء فيها غير بلوغ عدد المصلين كماله المعروف، دون ذكر أي شرط لحضور الإمام المعصوم أو من ينوب عنه في الولاية والإمامة.

وفي فترة لاحقة قفز شرط الإمام العادل كأحد أهم شروط إقامة الجمعة، مع حصر دلالة اسم الإمام العادل في شخص الإمام المعصوم وحده، عندها اشترط بعض الفقهاء حضور الإمام أو من ينوب عنه، وبما أن الإمام غائب غيبته الكبرى، ولا يعرف له تاريخ معين لظهوره؛ فاعتبر بناء على ذلك انتفاء أحد شروط صلاة الجمعة، وهو إذن الإمام المهدي، ولما كان ذلك مستحيلاً خلص الفقهاء إلى تجميد صلاة الجمعة، أو عدم وجوبها، أو التصريح المباشر بحرمتها، وتقوم مقامها صلاة الظهر.

غير أن هناك قلة من الفقهاء، مثل الحر العاملي، ممن أفتوا بوجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة، في حين مالت الأكثرية أمام قطعية النص الصريح بوجوب إقامتها إلى إضافة شرط جديد وهو حضور الإمام شخصياً، وفي غيبته تسقط الجمعة من الوجوب العيني، فيكون للشيعة الخيار بين إقامتها أو صلاة الظهر.

وتشدد الصفويون إبان فترة حكمهم على إقامة صلاة الجمعة، وكان المسجد الرئيسي في عصرهم يسمى مسجد الجمعة، ولا توجد مدينة كبيرة في إيران إلا وفيها مسجد من هذا النوع، وكان إمام تلك المساجد يلقب بإمام الجمعة، ويعيّن بمرسوم خاص من الملوك الصفويين، وكان المنصب على درجة عالية من الأهمية، بحيث لا يناط به إلا كبار العلماء والفقهاء.

على أن الخلاف ظل كما هو عليه بين فقهاء العصر الصفوي أنفسهم، كالشيخ إبراهيم القطيفي، الذي أفتى بحرمة صلاة الجمعة في عصر الغيبة، معارضاً بهذا عبد العال الكركي الذي رأى إباحتها، وجوّز للفقهاء إقامتها بوصفهم نواباً عن الإمام.

ولا يزال الخلاف قائماً إلى يومنا هذا بين فقهاء الشيعة، فمنهم من يعارض إقامة صلاة الجمعة، ومنهم من يتمسَّك بالاجتهادات القديمة، فتارة تقام في مساجدهم، وتارة تترك فيصلون بدلاً عنها الظهر، ومنهم من يحتاط فيجمع بينها وبين الظهر.

وخلاصة القول وصفوته أن تلك الخلافات والمتناقضات، زائداً عليها افتقار روايات الأئمة المعصومين وأحاديثهم للإسناد؛ هي التي أدت مباشرة إلى عجز التشيع برمته عن الثبات عند أدنى حدود الفحص والتدقيق، وضعفه وتهافته أمام التحقيق المتأني المتروي، ومن هذا حاله ومنزلته فلا حظ له من الحق والحقيقة، وهو تمام معنى الباطل؛ وذلك لأن الباطل هو ما لا استقرار له ولا مكث، وكل ما لا استقرار له ولا مكث له على حالة واحدة هو بغير شك ضائع هدراً، وكل ضائع هدراً هو في حكم المعدوم المنتفي، أو بمعنى أوسع هو ما لا ينتفع به أصلاً، حتى شُبّه في غالب أحواله بالقبيح الذي يضر ولا ينفع، ما دفع بالتشيع في النهاية ليحل محله الطبيعي ضمن المعدوم، وفي دائرة كل ما لا نفع فيه.

:: مجلة البيان العدد  317 محرم 1435هـ، نوفمبر  2013م.