لا بد أن المرء ستأخذه الدهشة وهو يطالع المزاعم والأباطيل التي يرددها أعداء الإسلام والمتربصون به، والتي يقصدون بها إبعاده عن تنظيم شؤون الحياة، وعن قيادة دفة الناس في المناحي المتعددة.

ومبعث الدهشة التي أعنيها أن تلك المزاعم والأباطيل تتراوح بين نقيضين، هما: الذم والمدح؛ وكأنهم يقولون بلسان حالهم: من لم ينفع معه الذم، قد ينفع معه المدح!

فمرة يهاجمون الإسلام بضراوة، وينكرون عليه أي قدرة على إصلاح أحوال الناس، والرقي بها؛ بل يذهبون إلى أنه تأليف بشري من اختراع محمد الذي انشق عن الكنيسة، كما يردد ذلك غلاة المنصِّرين والمستشرقين[1].

ومرة يتوسطون في ذلك ويزعمون أنه رسالة سماوية لكنها رسالة روحية ينبغي أن تظل قابعة بين جدران المساجد؛ ويسيرون في هذا الاتجاه مع ما زعمه أمثال الشيخ علي عبدالرازق في كتابه «الإسلام وأصول الحكم».. غافلين - أو: متغافلين! - عن تراجعه عن هذا الرأي بعد ذلك[2].

ومرة ثالثة يكيلون المدائح للإسلام - على غير عادتهم! - ويصفونه بكل أوصاف الكمال والسمو؛ غير أنهم يستدركون قائلين - كأنهم يغارون عليه -: إن الإسلام دين مقدس، لكن يضره إقحامُه[3] في السياسة، وهي التي لا تعرف الأخلاق ولا المقدس ولا الثوابت؛ بل تقوم على المتغيرات وأساليب الخداع.. ولذلك نخشى عليه من التطبيق البشري وأخطائه!!

ونحن نلاحظ ابتداءً أن هؤلاء لا يهمهم مدح الإسلام في قليل أو كثير، ولا يمكن أن نتصور أنهم يغارون على الإسلام لدرجة أنهم يريدون تنزيهه عن الخطأ البشري! كأنما أُنزل القرآن لتلاوته والتماس بركته فقط.. إنما يهمهم في المقام الأول إبعادُه عن قيادة الحياة، حتى لو كان ذلك بكيل المدائح له!!

الخلق والأمر

وللرد على هؤلاء الذين يريدون إبعاد الإسلام - لاسيما عن شؤون الحكم، وعن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية - بزعم الحفاظ على قداسة مكانته، لا بد أن نؤكد جملة من الحقائق:

أولاً: لقد خلق الله سبحانه وتعالى البشر ولم يتركهم سدى، ولم يرضَ أن يكلفهم مشقة البحث عن المنهج والهداية؛ بل أرسل إليهم الرسل وأنزل معهم الكتب، وشرع لهم العقائد والتشريعات والآداب؛ ليكفل لهم صلاح الدنيا والآخرة.

وإذا كان بعض الفلاسفة يزعمون أن الله خلق الكون ثم تركه يمضي إلى حال سبيله حرَّ التصرف في أحواله وشؤونه؛ كمن يصنع «ساعة» ثم يدعها تعمل دون تدخل منه.. فإن القرآن الكريم قاطع الدلالة في نفي ذلك حيث يقول، وهو يُعرِّف الناس بالله سبحانه: {إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْـخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54].

قال الإمام البغوي في تفسيره: «أي: خلق هذه الأشياء مسخرات، أي: مذلَّلات، {أَلا لَهُ الْـخَلْقُ وَالأَمْرُ} له الخلق لأنه خلقهم، وله الأمر يأمر في خلقه بما يشاء». وقال ابن كثير: «الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته، ولهذا قال منبِّهًا: {أَلا لَهُ الْـخَلْقُ وَالأَمْرُ} أي: له الملك والتصرف»[4].

وقد أوضح صاحب «الظلال» حكمة ورود هذا التأكيد {أَلا لَهُ الْـخَلْقُ وَالأَمْرُ} ضمن سياق الحديث عن خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والنجوم؛ فقال: «إن الله الذي خلق هذا الكون المشهود في ضخامته وفخامته.. والذي استعلى على هذا الكون يدبره بأمره ويصرفه بقدره؛ يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً في هذه الدورة الدائبة: دورة الليل يطلب النهار في هذا الفلك الدوار.. والذي جعل الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره.. إن الله الخالق المهيمن المصرف المدبر هو (ربكم).. هو الذي يستحق أن يكون ربّاً لكم، يربيكم بمنهجه، ويجمعكم بنظامه، ويشرِّع لكم بإذنه، ويقضي بينكم بحكمه، إنه هو صاحب الخلق والأمر؛ وكما أنه لا خالق معه، فكذلك لا آمر معه»[5].

إذن فـ«الخَلْق» و«الأمر» يشكلان معاً ثنائية مترابطة متلازمة، لا ينفك طرفاها عن بعضهما البعض.

كما يؤكد القرآن أن الغاية من إنزاله هي «الاتباع» و«التحكيم»، وليست التلاوة والتماس البركة فحسب كما يزعم البعض؛ قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18]، ويقول أيضاً: {إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105].

الإسلام والفكر الإسلامي

ثانياً: ينبغي أن يكون واضحاً ونحن نؤكد ضرورة تحكيم الإسلام في دنيا الناس، في مواجهة من يزعمون حبهم له وخشيتهم عليه من الخطأ البشري.. أن ثمت فرقاً كبيراً ورئيساً بين «الإسلام» من جهة، و«الفكر الإسلامي» من جهة أخرى.

فالإسلام هو الدين الذي أنزله الله سبحانه لهداية الناس، وهو حجة الله على العالمين، تكفل سبحانه بحفظ أصولها وثوابتها من التحريف والتبديل؛ لأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والرسل؛ ولا رسالة بعد رسالته التامة الخاتمة.

وفَهْمُ الإسلام فهماً صحيحاً لا يتأتى إلا بالرجوع إلى مصدريه المحفوظين، وينبوعيه الصافيين: القرآن الكريم والسنة النبوية (على تفصيل في أمر السنة، كما هو معروف في «علم الحديث»).

 أما الفكر الإسلامي فهو الفهم والتطبيق البشريَّان للإسلام، وهما - أي: الفهم والتطبيق البشريان - يجوز عليهما الصواب والخطأ؛ لكن لا يُُنسب خطؤهما أبداً إلى الإسلام، إنما يظل هذا الفهم أو التطبيق صواباً بقدر ما يتطابق أو يقترب من الإسلام؛ وحينئذ تظل إمكانية - بل ضرورة - الاستفادة منه قائمة ومطلوبة.

فليس في البشر حجة على الإسلام إلا الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم، فهو محل القدوة والاتباع، قال تعالى: {قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 31 قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإن تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:31-32]، ولذلك جاء عن الإمام مالك رضي الله عنه قوله: «كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد، إلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

ويوجز الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - الفرق بين الإسلام والفكر الإسلامي فيقول: «الفكر الإسلامي مستحدث، ويخضع لقانون التطور، ولعوامل الاضمحلال؛ أما الإسلام فإنه كتاب {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]. الفكر الإسلامي غير معصوم من الخطأ والوهن، والإسلام معصوم عن ذلك كله. وكتاب الإسلام - لأنه معصوم من الزيغ والضعف - له قداسة، وله حق الطاعة المطلقة على المؤمنين به، والفكر الإسلامي لا تجب الطاعة له إلا بقدر ما فيه من تمثيل لكتاب الله ورسالة السماء؛ ذلك أنه - أصالةً - يخضع للنقد والمخالفة. الفرق بين الإسلام والفكر الإسلامي هو الفرق بين ما لله وما للإنسان»[6].

أُنزل ليوجه الحياة

ثالثاً: إننا إذا سلَّمنا جدلاً بأن طريق المحافظة على قداسة الإسلام وصونه مما قد يحدث من أخطاء عند تطبيقه في الواقع، هو أن نكتفي بتلاوة القرآن الكريم ثم نضعه على الأرفف، نلتمس بركته بين الحين والآخر.. فما فائدة إنزاله أصلاً وهو الذي أُنزل ليوجه حركة الحياة كما أشرنا؟! وكيف يتعبد الناس ويتقربون إلى الله إذا نَحَّوا منهجه جانباً، وحكَّموا فيما بينهم قوانين وضعية لا يهمها أن تتفق أو تختلف مع منهج الله، بل قد تسعى جاهدة للصدام معه؟!

ولذلك فإنني أتعجب مع د. محمد عمارة من أصحاب هذا الزعم، وأردد معه قوله: «إن دعوتكم إلى مرجعية القانون الوضعي بدلاً من مرجعية الشريعة الإلهية، بحجة صيانة الدين الإلهي عن أخطاء التطبيق البشري، لا بد وأن يقودكم (منطقها) إلى الدعوة للتدين بديانات وضعية بدلاً من التدين بالدين الإلهي؛ لأن الخطأ في حق بوذا أو زرادشت أو كنفشيوس، أخف من الخطأ في حق الله سبحانه وتعالى!»[7].

* * *

ومن هنا نستطيع أن نخلص إلى أننا إذا أدركنا أن الله سبحانه خلق البشر؛ ليختبرهم أيهم يتبع منهجه، وأيهم يسوقه هواه وشيطانه؛ وأن الإسلام أُريد به تسيير حياة الناس لما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة؛ وأن هذا الإسلام (المنهج الرباني) هو الذي تُحاكَم إليه أفعالُ البشر ولا يُحاكم هو إليها (أي نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال).. إذا أدركنا ذلك حقّاً، فلا مجال مطلقاً للخوف على الإسلام من أخطاء بعض أتباعه؛ سواء كانت هذه الأخطاء عن عمد أو عن سهو.. إلا أن يكون المرادُ من هذا الزعم - في الحقيقة - إبعادَ الإسلام عن توجيه الحياة، و«تحنيطََه» في الكتب والمتاحف؛ وليس الخوف عليه والحرص على تنزيهه!

  :: مجلة البيان العدد  330 صفر  1436هـ، نوفمبر  2014م.


[1] راجع: «حقائق إسلامية في مواجهة التشكيك»، د. محمود حمدي زقزوق، الطبعة الثالثة لوزارة الأوقاف المصرية، 2001م.

[2] راجع بالتفصيل رأي الشيخ علي عبدالرازق ورجوعه عنه في «كتاب الإسلام وأصول الحكم في الميزان»، د. محمد رجب البيومي، هدية مجلة «الأزهر»، صفر 1414هـ.

[3] نلاحظ أنهم يستخدمون كلمة “إقحام” هنا، وكأن الأصل المسلَّم به هو: الإبعاد!

[4] انظر: «المكتبة الإسلامية» على موقع «إسلام ويب».

[5] «في ظلال القرآن»، سيد قطب، ج 3، ص: 1297، دار الشروق، ط12، 1406هـ.

[6] «ليس من الإسلام»، ص114، ط6، 2000م.

[7] «الإسلام والسياسة»، ص 148، 149، دار السلام، ط1، 2005م.