بلجيكا دولة في غرب أوروبا، يحدها من الشمال والشمال الغربي هولندا وبحر الشمال، ومن الجنوب والجنوب الغربي فرنسا، ومن الشرق ألمانيا ولوكسمبورغ. ومساحتها لا تتعدى 11781 ميلاً مربعاً، وهي تاريخياً جزء من بلاد الغال التي سيطر عليها الفرنجة وأقاموا فيها دولتهم في أواخر القرن الخامس الميلادي. وبسبب موقعها بين عدد من الإمبراطوريات الأوروبية، كانت بلجيكا ساحة صراع بين تلك الإمبراطوريات في العصر الحديث، وخضعت للإمبراطوريات النمساوية، والإسبانية، والفرنسية، والهولندية. وأخيراً نالت استقلالها عن هولندا، واعترفت بها القوى الأوروبية مملكة دستورية عام 1830م.

أولاً: الملك ليوبولد الثاني وشهوة الاستعمار:

وقد ظلت بلجيكا قانعة بحدودها، ومعترفة بقدراتها وحجمها الصغير، ولم يكن لها أي طموحات توسعية أو استعمارية وراء البحار حتى تولى عرشها ثاني ملوكها، وهو ليوبولد الثاني (1835 - 1909م). فقد كان هذا الملك، على عكس والده، عظيمَ الطموح، واسعَ الأطماع، قوي الشخصية، حريصاً على إقحام بلجيكا في نادي الاستعمار الدولي على غرار إنجلترا وفرنسا، وقد عُرف عنه هذا الميول منذ أن كان أميراً وعضواً في مجلس الشيوخ، وبعد جولاته في العديد من بلدان العالم آنذاك، فقد كان ينعى على أعضاء مجلس الشيوخ البلجيكي نظرتهم الضيقة، ومحدودية طموحهم، ويدعوهم إلى (توسيع أفقهم إلى ما وراء البحار)، ويوضح لهم بحماس أن المسألة ليست مسألة قدرات أو إمكانيات، ولكنها مسألة جرأة وقوة قلب قبل كل شيء. ولكن آراءه لم تجد آذاناً صاغية لديهم، ولا حتى لدى رجال الأعمال البلجيكيين، وذلك لأسباب واقعية، وعملية؛ حيث إن بلجيكا كانت بلداً محايداً، ولم تكن تملك جيشاً مجهزاً، ولا أسطولاً بحرياً قوياً. ولذلك فإنه عندما جلس ليوبولد الثاني على العرش في عام 1865م وهو في سن الثلاثين من عمره، كان أول شيء فكر فيه هو انتزاع مستعمرة لبلاده خارج أوروبا، لدرجة أنه فكر في الصين في بداية الأمر، ثم عاد فرغب بفرموزا، ثم الفلبين. ولكن لم يتم له شيء من هذا، فصرف النظر عن آسيا وغيَّر وجهته إلى أمريكا اللاتينية، قبل أن يستقر تفكيره على إفريقيا، فهي (أرض بلا صاحب) طِبقاً لمزاعم الأوروبيين وقتذاك، وبخاصة بعد أن راحت قوافل البعثات التبشيرية، وفِرَق المستكشفين المغامرين تجوب أنحاء القارة، وتتحدث للصحافة الغربية ولدوائر صنع القرار في بلدانها عما تحتويه من موارد هائلة. ولعل هذه الفكرة قد تبلورت في دماغه بعد زيارته لمصر، ومشاركته في افتتاح قناة السويس عام 1869م بدعوة من الخديوي إسماعيل، ومن ثَمَّ اطلاعه عن كثب على شؤون القارة وعوامل ضعفها، وكيف أنها صارت نهباً مستباحاً للقوى الاستعمارية الأوروبية. ونظراً لضعف قوته العسكرية وعدم تأييد البرلمان البلجيكي لمشاريعه ومغامراته، فلم يجد الملك ليوبولد الثاني باباً ينفذ من خلاله إلى نادي الاستعمار الدولي ومن ثَمَّ تحقيق طموحاته وأطماعه التوسعية، أفضلَ من باب العمل الإنساني والخيري والعلمي. فقام في سنة 1876م بعقد المؤتمر الجغرافي العالمي الذي دعا إليه جغرافيي أوروبا وعلماءها، وانتهى هذا المؤتمر بإنشاء (الجمعية الدولية لكشف إفريقيا وإدخال الحضارة إليها)، وأعلنت الجمعية أن هدفها هو: إدخال الحضارة إلى إفريقيا من خلال إنهاء تجارة الرقيق غير المشروعة، واستبدالها بالتجارة المشروعة بالمواد الأولية الإفريقية، والبضائع الأوروبية المصنعة، ونشر النصرانية للأخذ بيد الإنسان الإفريقي (البدائي). أما الأهداف الحقيقية؛ فقد كانت انتزاع بقعة غنية يسيطر الملك ليوبولد الثاني على مقدراتها، وتضخ إيراداتها إلى خزينته الشخصية. وباشرت الجمعية العمل من فورها، فأرسلت بعثتين إلى إفريقيا: أولاهما إلى شرق القارة في عام 1877م، وثانيتهما إلى أواسط القارة بعد عامين. وفي غضون ذلك عاد الصحفي والمستكشف والمبشر الإنجليزي الأمريكي الأصل هنري مورتون ستانلي (1841 - 1904م) بعد رحلة قام بها إلى أواسط إفريقيا، معلناً خبر اكتشافه لحوض نهر الكونغو، الذي لم يكن الأوروبيون قد اكتشفوه حتى ذلك الوقت، وانتشر الخبر في العواصم الأوروبية وفي أمريكا، بعد أن نشرت صحيفة الديلي تلغراف عام 1877م تقريره المشهور عن الإمكانات والثروات الطبيعية الهائلة في المنطقة: كالمطاط، والعاج، وزيت النخيل، والفول السوداني، وهو التقرير الذي اختتمه بقوله: «إن الدولة التي ستسيطر على مجرى النهر، ستسيطر تلقائياً على تجارة أغنى المناطق في إفريقيا».

ثانياً: خطة الملك ليوبولد للسيطرة على الكونغو: 

ولكن رغم ذلك، فقد رفضت الدولة الاستعمارية التي ينتمي إليها المستكشف والمبشر ستانلي (إنجلترا) أن تعلن الحماية على حوض نهر الكونغو كما كان يريد؛ وذلك لعدم ثقتها به، كما لم تقم أي دولة استعمارية أخرى بالتجاوب مع اكتشافات ستانلي في الكونغو، ولذلك فقد بادر بعرض خدماته على ليوبولد الثاني ملك بلجيكا، الذي لم تفته تلك الإشارة التي وردت في تقرير ستانلي، ولذلك لم يتردد لحظة واحدة في قبول العرض. وقيل إن الملك ليوبولد الثاني هو الذي استدعى ستانلي إلى بروكسل، واجتمع به في قصره سنة 1878م، وأفصح له عن مشروعاته التي ينوي القيام بها في الكونغو، فأبدى ستانلي حماسه واستعداده، لدعم تلك المشروعات. وأيّاً كان الأمر، فإنه علـى إثر ذلك تعاقـد الملك ليوبولد الثاني مع ستانلي باسم الجمعية، بعد أن غيَّر اسمها إلى (جمعية الكونغو الدولية)، بأجرٍ قدره ثلاثمئة ألف دولار في العام، ثم لم يلبث أن بعث به إلى الكونغو لاكتشافها بصفته وكيلاً للجمعية. وبعد رحلتين استكشافيتين قام بهما ستانلي في أدغال الكونغو، استغرقتا خمس سنوات (1879 - 1884م) تمكن من إنشاء 22 محطة تجارية على نهر الكونغو وفروعه، كما نجح في عقد450 اتفاقية مع السلاطين المحليين في الكونغو، وافقوا فيها على وضع مناطق نفوذهم تحت حماية الجمعية، مقابل بعض الإغراءات التافهة، التي لم تكن تتعدى قطعة من الثياب شهرياً، وقطعة أخرى هدية عند توقيع العقد، دون أن يدرك أولئك السلاطين الأميون أن تلك الاتفاقية تعني استعبادهم في القانون القائم على قيم ومفاهيم الحضارة الغربية المادية. حدث كل ذلك والملك ليوبولد الثاني ما يزال يردد بأن أهدافه في إفريقيا إنسانية ونبيلة، وهي محاربة العبودية، وتثقيف الأفارقة، وتنصيرهم، وترقيتهم مادياً ومعنوياً، وتدريبهم على إدارة بلادهم، باعتبار ذلك واجباً نصرانياً، ومن دون أي مقابل مادي، ولم يسوِّق ذلك في الصحف المحلية البلجيكية فقط؛ وإنما فعل ذلك أيضاً في كبريات الصحف العالمية المشهورة آنذاك في أمريكا وإنجلترا، حتى وصفه أحد الصحفيين الأمريكيين بـ (الملك الحكيم) بناء على المعطيات التي سمعها منه أثناء مقابلته معه. بَيْد أن ذلك لم يكن لينطلي على الدول الأوروبية الاستعمارية الأخرى، الخبيرة بأساليب وألاعيب الاستعمار الشيطانية، ولذلك فقد فطنت إلى مرامي الملك ليوبولد الثاني ونواياه في الحصول على هذه الكعكة الشهية، وهي الكونغو، واستئثاره بها دونها، ولذلك فقد سارعت كلٌّ من البرتغال وإنجلترا إلى تعزيز وجودهما في الكونغو، والوقوف في وجه مخططات ملك بلجيكا، مدعيتين أنهما الأحق بهذه الغنيمة من بلجيكا الدخيلة على القارة، والطارئة على الاستعمار، في حين سارعت فرنسا بإرسال ممثليها إلى الكونغو لتوقيع اتفاقيات حماية مع سلاطينها المحليين، على غرار ما فعله ستانلي مندوب الملك ليوبولد الثاني، كما سارعت تلك الدول للسيطرة على أجزاء أخرى من القارة، فسيطرت فرنسا على تونس عام 1881م، وسيطرت بريطانيا على مصر في عام 1882م، وأعلنت حمايتها على الصومال عام 1884م، ولم تلبث ألمانيا أن حذت حذو تلك الدول وأعلنت أجزاءً من الكونغو محمية ألمانية، إلى جانب إقامتها لعدد من المستعمرات في شرق القارة وجنوبي غربها. وبدا أن القارة الإفريقية مقبلة على حرب مدمرة تأكل الأخضر واليابس بين تلك القوى الأوروبية الاستعمارية، نظراً للموارد الهائلة التي كانت تتمتع بها الكونغو بشكل خاص وإفريقيا بشكل عام، والتي يسيل لها لعاب كل دولة استعمارية، في وقت دخلت فيه تلك القوى الاستعمارية الأوروبية عصر التصنيع، أو الثورة الصناعية، بعد أن كانت وقفاً على إنجلترا فقط.

ثالثاً: مؤتمر برلين وإقرار الاستخراب البلجيكي للكونغو:

ولنزع فتيل تلك الحرب التي قد تَحدُث نتيجة لذلك المد الاستعماري السريع والكاسح من قبل القوى الأوروبية الاستعمارية على إفريقيا، في وقت وصلت فيه تلك الدول إلى ذروة قوتها العسكرية، فقد بادر الزعيم الألماني بسمارك في يونيو عام 1884م بالدعوة إلى مؤتمر في برلين، لوضع مسألة اقتسام قارة إفريقيا على الطاولة، وللاتفاق على قواعد جديدة للعبة، تلتزم بها كل الدول الاستعمارية، وتضمن تحقيق مصالحها جميعاً. وهكذا عقد مؤتمر برلين الثاني في (1884 - 1885م) بحضور ممثلين مفوضين بمطلق الصلاحيات من جميع الدول الأوروبية، عدا سويسرا ودول البلقان، كما حضرته أمريكا، بصفة مراقب، وفي هذا المؤتمر أجاد الملك ليوبولد الثاني العزف على وتر التناقضات الموجودة بين القوى الاستعمارية الكبرى، وبخاصة إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وأمريكا، كما كان قبل انعقاد المؤتمر قد أمَّن ما يحتاجه من دعم دبلوماسي لمشروعه لدى حكومات تلك الدول عن طريق خبراء العلاقات العامة الذين جندهم للعمل لصالحه، ولذلك فقد ظفر الملك ليوبولد ببغيته، وخرج من المؤتمر بما كان يريد من الغنيمة، وهي الكونغو. واعترفت له بذلك كلٌّ من أمريكا، وفرنسا، وألمانيا، نكاية بإنجلترا التي لم يكن يحد مطامعها حدود. واشترط المؤتمر أن تصبح التجارة في المستعمرة حرة ومفتوحة أمام استثمارات الرأسماليين من جميع القوميات، وأن تتولى بلجيكا حماية البعثات التبشيرية من مختلف الكنائس النصرانية، كما اتفقت على حرية الملاحة في حوضَي نهر الكونغو ونهر الزمبيزي. ولذلك فقد أطلق الملك ليوبولد الثاني على هذه المستعمرة أثناء المؤتمر اسم (دولة الكونغو الحرة). وكلمة (حرة) هنا إنما تعني حرية الشركات الأوروبية في نهب موارد هذه المنطقة. واتفق الحاضرون أنه في حالة نشوب حرب بين الدول الأوروبية، فيصبح حوض نهر الكونغو محايداً. ونظراً لكون قضية الكونغو كانت قضية أساسية في هذا المؤتمر، فقد عُرف باسم (مؤتمر الكونغو)، كما عرف أيضاً باسم (مؤتمر برلين غرب إفريقيا)، لأن هذا القسم من القارة كان أكثر أجزاء القارة تقسيماً وتفتيتاً. وهكذا أُعلنت دولة الكونغو الحرة دولةً إفريقية مستقلة ذات سيادة، تقوم على إدارتها جمعية الكونغو الدولية التي يرأسها الملك ليوبولد الثاني (ملك بلجيكا) ولها علم خاص، كان عبارة عن قطعة من القماش الأزرق في وسطها نجمة ذهبية. وقد لعب التاجر والرحالة العربي العماني حميد المرجبي (1840 - 1905م) الشهير باسم (تيبوتيب) دوراً مهمّاً في مساعدة ستانلي في إرساء أسس وقواعد دولة الكنغو الحرة، وخاصة بعد أن تم اختياره (أي المرجبي) حاكماً عاماً على الكنغو من قبل البلجيكيين سنة 1877م، بعد أن فقد سنده الأكبر المتمثل في سلطنة زنجبار، التي وقعت تحت الحماية البريطانية بعد مؤتمر برلين، وبشرط أن يكون إلى جانبه موظف بلجيكي للقيام بالاتصالات الخارجية. ويعترف المرجبي بذلك الدور دون خجل؛ إذ يذكر في مذكراته (أن البلجيكيين انتدبوه لبسط نفوذهم على الكونجو، فزرع راياتهم في كل شبر من تلك الأرض). ومع ذلك فإن البلجيكيين لم يلبثوا أن عزلوه من وظيفته، واستولوا على تجارته ومراكزه، وقضوا على حركة أنصاره، بعد أن ترك الكنغو وعاد إلى جزيرة زنجبار التي مات فيها عام 1905م، وخلصت الكنغو للملك ليوبولد الثاني، وللشركات الأوربية الاستغلالية، والبعثات التبشيرية، فباشرت هذه الأطراف بتصفية الوجود العربي الإسلامي في المنطقة، وهكذا تلاشت اللغة العربية من الكونغو، لأن وجودها - أساساً - كان مرتبطاً بتجارة أولئك التجار العرب العمانيين، ولم تكن مرتبطة بالدين كما في المناطق الأخرى من القارة. هكذا صارت الكونغو - وهي أكبر وأغنى مناطق إفريقيا - تحت الهيمنة الشخصية للملك ليوبولـــد الثاني، ملك بلجيكا.

رابعاً: بشاعة الاستخراب البلجيكي للكونغو:

ولما كان تحقيق الربح، هو هدفه الوحيد، فقد أصدر الملك ليبولد الثاني عدداً من القوانين جعلت الكونغو بمثابة ضيعة تُستثمر مواردها لحسابه الخاص، وعزلتها عما يجاورها من البلدان الإفريقية، وصار يتصرف في سكانها كما يشاء: قتلاً، واستعباداً، وتعذيباً، وتشغيلاً، دون رقيب، وضرب عرض الحائط بتلك المبادئ السامية التي كان يرددها من قبل، وبدأت في عهده السخرة على نطاق واسع ووحشي في الكونغو، حيث استخدم هذا الملك الجشع، متحجر القلب لإدارة هذه الشركة الخاصة قوةً خاصة من الوكلاء المنحطين اجتماعياً وأخلاقياً، لجمع العاج والمطاط من أدغال المنطقة، وكان هؤلاء الوكلاء أشبه بزعماء عصابات؛ فلم يكونوا يحتكمون إلى أي نظام أو قانون، وكانت تتبعهم جحافل جرارة من الكونغوليين، تحت قيادة ضباط بلجيكيين، ولذلك فقد ارتكبوا أبشع الفظائع التي شهدها تاريخ الاستعمار، ومارسوا أسوأ أنواع الاستخرب والاستغلال، وأكثرها وحشية ودموية، وأشدها إمعاناً في القهر والإذلال، والتي تتضمن إدخال السكان في العبودية، لأجل توفير الأيدي العاملة التي تجمع المطاط والعاج، حيث كان المطاط سلعة نادرة ومطلوبة جداً كالذهب، لأنه كان يصدَّر نحو مصانع السيارات في أوروبا لاستخدامه في صناعة العجلات، وكانت دولة الكونغو الحرة التي تشكل الغابات 80% من أراضيها هي مصدره الوحيد آنذاك. وقد حدد أولئك الوكـلاء كميـة معينـة من المطـاط لكل فرد من الكونغوليين لا بد أن يأتي بها يومياً، ومن لم يكن يستوفي حصته، يتم قطع إحدى يديه، وإذا أخفق مرة أخرى، فتقطع يده الثانية، وليس وراء ذلك سوى القتل، كما كانوا يخطفون أبناء العمال لضمان تفانيهم في العمل، وقطع أيدي أولئك الأبناء عند تقاعس أهاليهم عن العمل أو استخدام أولئك الأطفال طعماً للتماسيح أو الأسود أحياناً، حتى صارت الكونغو تسمى (أرض الأيادي المقطوعة)، لكثرة من قطِّعت أيديهم من الرجال والأطفال، وكان كل من توجد عنده كمية من المطاط أو العاج، يعد سارقاً، وتوقع عليه أقصى العقوبات، لأن كل شيء في المنطقة كان مملوكاً لملك بلجيكا، حتى الهواء الذي يتنفسه الكونغوليون. وكانت تلك العصابات الإجرامية، تقوم بمهاجمة قرى القبائل الكونغولية وحرقها، لإجبار زعماء القبائل على توفير الأيادي العاملة، كما كان يتم أخذ نسائهم رهائن، لنفس الغرض، وكان الجنود البلجيكيون يمتطون ظهور أولئك العمال المستعبدين أثناء تنقلاتهم كالحمير، وكانوا يتعرضون من قِبَلهم للضرب المبرح بالسياط حتى الموت أحياناً، ومن ينجو من الموت فقد يصاب بالعجز من شدة الضرب، مع ما كان يصاحب ذلك من اغتصاب للنساء من قبل الجنود البلجيكيين. وتم إعدام عدد هائل من الكونغوليين غير القادرين على العمل، خاصة الشيوخ والأطفال، ناهيك عمَّن هلكوا نتيجة المجاعات وانتشار الأوبئة الفتاكة، نتيجة لانتشار الزنا في المستعمرة على أيدي الجنـود البلجيكيين والأوروبيين. أما رئيـس القبيلـة المرضي عنه فكان يمنح ميدالية عليها صورة الملك ليوبولد الثاني، وخلف الصورة كلمتا (ولاء، وإخلاص). ومن دماء وعرق الكونغوليين الأبرياء وعلى حساب آلامهم وأنَّاتهم ومأساتهم الإنسانية المروعة، حصد الملك ليوبولد ثروة طائلة قدرت بأكثر من مليار دولار (بقيمة دولار اليوم) بين عامَي (1885 - 1908)، وهو العام الذي صدر فيه قرار البرلمان البلجيكي بإلغاء دولة الكونغو الحرة، واعتبارها مستعمرة بلجيكية تديرها الحكومة[1]، على أن الملك ليوبولد أنفق أغلب تلك الثروة الطائلة على عشيقته الفرنسية المدللة كارولين، وبنى منها قصراً في بروكسل لعرض جماجم الأفارقة التي كان يتلذذ بمشاهدتها، لكنه بالمقابل باء باللعنات الأبدية، والسمعة بالغة الشناعة، وصار اسمه مرتبطاً بأكابر الطغاة السفاحين الدمويين، في التاريخ المعاصر، مثل ستالين، وهتلر، وموسوليني، وتشرشل، وروزفلت، وماو، وديغول.   

خامساً: ما وراء نشر فظائع الملك ليوبولد:

على أن هناك نقطة مهمة ينبغي عدم إغفالها، ونحن بصدد الحديث عن فظائع وفضائح الملك ليوبولد الثاني (ملك بلجيكا) في الكونغو، وهي أن الصحافة الأمريكية والبريطانية، هي التي أماطت اللثام عن تلك الفظائع والفضائح، ونشرت غسيله القذر في الكونغو في مطلع القرن العشرين، وصورته على شكل غول فوق رأسه تاج، ونسبت إليه قوله: «نيرون قديس بالمقارنة معي، إنني غول لا يتلذذ إلا بتعذيب الأفارقة الزنوج». ولم يكن ذلك لأجل أولئك الكونغوليين المطحونين، أو من باب نشر الحقيقة للرأي العام، ولكن لأجل ابتزاز الملك ليوبولد الثاني، ولإجباره على إفساح المجال للشركات الأمريكية والبريطانية، لكي تشارك في نهب موارد الكونغو، وليكون لها نصيب من تلك الكعكة الشهية، التي استأثر بها هذا الملك كلها وحده، وهو ما يتعارض مع قرارات مؤتمر برلين. ومن المواضيع التي أثارتها تلك الصحافة، هي أن الملك ليوبولد الثاني لا يحارب تجارة الرقيق في الكونغو كما يدعي، ولكنه يمارسها، ومن هنا فقد انتشرت أخبار جرائمه وفضائحه في الكونغو في أنحاء أمريكا وأوروبا، حتى صار اسمه مقترناً بالوجه البشع والكالح للاستعمار الأوروبي لإفريقيا، وحتى صار هذا الاسم يحمل الجزء الأكبر من أوزار وتبعات ذلك الاستعمار. وقد راق ذلك لحكومات الدول الأوروبية الاستعمارية، وعلى رأسها حكومة بريطانيا، التي أثارت تلك الأخبار في مجلس العموم عام 1903م، للغرض الرخيص نفسه، وهو الابتزاز، ولأن تلطيخ وجه ليوبولد الثاني ملك بلجيكا بالوحل على ذلك النحو البشع والمقزز، يخفف من وطأة الجرائم والفظائع التي ارتكبتها في مستعمراتها في إفريقية، وأيضاً يحد من الاسترسال في الحديث عن تلك الجرائم والفظائع، وربما أيضاُ يُحسِّن من صورتها - على الأقل - أمام شعوبها المغيبة أساساً عن عالم الواقع، وأيضاً أمام الحكومات البلهاء للدول الإفريقية المنكوبة والمنهوبة. ولهذا السبب ربما صار هناك طوفان من الأخبار حول جرائم الملك ليوبولد الثاني في إفريقيا، وصار ذكر الاستعمار الأوروبي لإفريقيا يستدعي إلى الذاكرة مباشرة اسم هذا الملك واستعماره للكونغو، ومن جهة أخرى صار هذا الملك شماعة لجرائم المستعمرين الأوروبيين لإفريقيا، في حين لا نعرف إلا القليل عن جرائم وفظائع الاستعمار البرتغالي، والهولندي، والفرنسي، والبريطاني، والإيطالي، والإسباني، والألماني، وخاصة بحق المسلمين. ونحن إذا ما غضضنا الطرف عن عقوبة قطع الأيدي والأرجل التي كان يطبقها زبانية الملك ليوبولد بحق الكونغوليين، وما فيها من بشاعة وشناعة؛ فسنجد أن الملك ليوبولد الثاني، يعدُّ تلميذاً للسفاحين الفرنسيين في الجزائر، والسفاحين الإنجليز في الهند، والسفاحين الإيطاليين في ليبيا، والسفاحين البرتغاليين في موزمبيق، والسفاحين الإسبان في أمريكا اللاتينية والفلبين، والسفاحين الألمان في الكاميرون وتوغو، والسفاحين الهولنديين في جنوب إفريقيا والملايو. والسفاحون الفرنسيون بالذات، فهم أكبر السفاحين الاستعماريين على الإطلاق، وجرائمهم وفظائعهم وممارساتهم القذرة في الجزائر تشمئز منها الوحوش، وأسماك القرش، والتماسيح المفترسة، ولم يتم كشفها كلها بعد. وهذا ليس دفاعاً عن ملك بلجيكا، ولكن حتى لا يخدعنا إعلام عتاة المستعمرين، وعلى رأسهم الإنجليز، والفرنسيون، والأمريكان، الذين فعلوا الأفاعيل بهذه الأمة، وحتى لا يوجه أنظارنا إلى اتجاه آخر غير اتجاههم، فنكون كما قال المثل: «ترك الحمار وأمسك بالبردعة». وهؤلاء - بالمناسبة - شركاء في جرائم الملك ليوبولد في الكونغو، كونهم هم الذين منحوه هذا البلد إقطاعية بدعوى أنها «أرض بلا صاحب»، كما منحوا الكيان الصهيوني فلسطين في ما بعد بدعوى أنها «أرض بلا شعب»، دون أن يكون لهما حبة رمل واحدة فيهما، فهم من ثَمَّ شركاء أيضاً في الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وفي جرائم هذا الكيان اللقيط، ضد الفلسطينيين.

 


 

 


[1] ومع ذلك، فلم تختف الفظائع وأساليب النهب الوحشية، وكل ما هنالك، هو تغير أسلوب الاستعمار، من استعمار تديره عصابات منحطة باسم الملك إلى استعمار منظم تديره وزارة المستعمرات. وكانت بلجيكا عالة على الكونغو، فكانت تمول كل نفقاتها من امتصاص دماء وعرق الكونغوليين.