ما تزال ليبيا على حالها، دون مؤشرات على مخطط سياسي قابل للتطبيق لإخراج البلاد من حالة التيه التي تعيش فيها منذ أحداث ثورة فبراير عام 2011م وحتى الآن. لم تنجح النخب السياسية الليبية في تحقيق الانتقال السياسي في البلاد عبر ثماني سنوات مضت. لا الحلول السياسية والمفاوضات نجحت في الوصول إلى توافقات لبناء نظام سياسي يحظى بمشروعية مجتمعية، ولا الحلول العسكرية نجحت في تغليب طرف على آخر وفرض ما يراه بالقوة.

لقد ظل الحل السياسي مأزوماً ويدور في دوَّامات المفاوضات في المؤتمرات واللقاءات دون تقدم. وظل الحل العسكري عاجزاً - إلا عن قتل المدنيين وتوسيع دوائر النزوح - طوال الوقت. وفي وسط كل ذلك كان اللافت أن الدور الدولي الذي كان وما يزال وافراً ومتعدداً، لم يحقق في ليبيا بدوره تغييراً إيجابياً، بل كان أحد مصادر زيادة الأزمة السياسية وأحد عوامل استمرار الاقتتال والفوضى، رغم الشعارات التي يجري تحت ظلالها؛ إذ قيل وما يزال: إن الدور الدولي هو أحد مفاتيح التقريب بين الأطراف المحلية المتصارعة.

وواقع الحال أن الأزمة الليبية ولدت مدوَّلة في عام 2011م، حتى يمكن القول بأن الدور الخارجي شكَّل بُعداً بنيوياً في داخل الأزمة. لقد كان الدور الدولي حاضراً بالقوة العسكرية في البداية، حين أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم (1973) القاضي بتوجيه ضربات عسكرية ضد قوات القذافي (بمشاركة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) تحت عنوان حماية المدنيين الليبيين. وهو ما كان عاملاً أساسياً في كسر شوكة قوات القذافي وتهيئة الظروف لسقوط النظام.

كما كان الدور الإقليمي والدولي حاضراً في إدارة العلاقات الداخلية بين القوى المتصارعة في مسيرة الحَراك السياسي ما بعد سقوط نظام القذافي. لقد تصدى لحل المشكلات في العلاقات الليبية الداخلية، مبعوث أممي تلو الآخر؛ إذ المبعوث الأممي الحالي (غسان سلامة) هو الثالث بعد أن فشل من قبلُ كلٌّ من برنالدينو ليون، ومارتن كوبلر. كما شهدت مدن غربية انعقاد مؤتمر تلو الآخر، بدءاً من مؤتمر باريس بفرنسا إلى مؤتمر باليرمو بإيطاليا. وكلاهما جرى انعقاده لحل مشكلات تنفيذ اتفاق سبق التوقيع عليه في مدينة الصخيرات المغربية.

غير أن البلاد شهدت مراحل تأزيم سياسي، سلم أحدها للآخر. كما شهدت محاولات للحسم العسكري (تركت لها الأمم المتحدة الفرصة للحسم) فلم تنجز أهدافها، كما هو الحال في المحاولة الجارية الآن على أبواب طرابلس، حيث لا تشي الأمور بإمكانية تحقيق نتيجة حاسمة، لا لصالح حفتر المهاجم، ولا لصالح حكومة الوفاق التي هي في موضع الدفاع رغم أنها هي من تحظى بالاعتراف الدولي.

تلك الأوضاع المأزومة سياسياً وعسكرياً على أبواب اختبار دولي جديد. فعلى وقع الحرب الجارية حول العاصمة الليبية طرابلس وبعد مرور 7 أشهر على بدء الهجوم عليها، يجري التحضير لمؤتمر تحضره الأطراف الليبية تحت رعاية دولية في مدينة برلين الألمانية. وهو مؤتمر يعول عليه الكثيرون، بسبب حيادية ألمانيا في القضية الليبية (على خلاف فرنسا وإيطاليا المتدخلتين بشكل مباشر في الأزمة)، كما يأتي انعقادة في ظل بروز احتمالات أن تكون الأطراف المتحاربة قد وصلت لنتيجة مؤداها أن لا إمكانية للحل أو الحسم العسكري، وهو ما يسهِّل مهمة المؤتمرين في برلين، غير أن هناك من يعلن خشيته من نتائج الفشل هذه المرة، باعتباره يفتح الطريق واسعاً - للآسف - للانزلاق فـي أتون حرب أهلية طاحنة وعملية تقسيم للبلاد لا قدَّر الله؛ إذ يشدد المتابعون للشأن الليبي على أن الصراع الجهوي والقَبَلي، قد انتقل من النخب إلى الجمهور العام، وهو ما يوفر الظروف لإشعال الحرب الأهلية الشاملة ويدفع البلاد نحو التقسيم؛ إذ كلٌّ من الشرق والغرب لديه حكومة وبرلمان و (جيش)!

مؤتمر الصخيرات إلى باريس وباليرمو:

تبدو الجهود الدولية والإقليمية تدور في دائرة مفرغة. وتُظهِر كثير من الكتابات قلقـاً من أن الدول الغربية تعقد وتشارك في المؤتمرات للتغطية على تدخلها ومصالحها الخاصه أكثر من أن تبذل جهوداً لحل الأزمة الليبية.

كانت أهم نتائج الجهود الإقليمية والدولية، هي ما أنتجه مؤتمر الصخيرات بالمغرب. انعقد مؤتمر الصخيرات تحت إشراف الأمم المتحدة وسط تأييد عربي وإقليمي ودولي في ظاهر الحال. وبدأ الاتصالات والاجتماعات بشأن المؤتمر، المبعوث الأممي برنالدينو ليون وواصلها بعده مارتن كوبلر. وحظي مؤتمر الصخيرات باهتمام إقليمي ودولي بما أنتج من اتفاقات مهمة خاصة في جولته الأخيرة التي انعقدت في ديسمبر 2015م. وبلغ حجم الدعم الدولي لنتائج المؤتمر أن أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً برقم (2259) بتأييد الاتفاق ودعمه؛ وهو ما منحه مرتبة الاتفاق الدولي، غير أن الأزمة راوحت مكانها مرة آخرى؛ إذ تفلتت الأطراف الليبية من التزاماتها بدعم غير معلَن من أطراف دولية، وهو ما دفع لانعقاد مؤتمر باريس في مايو 2018م تحت عنوان تثبيت وتفعيل اتفاق الصخيرات وحل مشكلات تنفيذه على أرض الواقع، غير أنه انتهى إلى الفشل مجدداً، بما دفع إيطاليا لعقد مؤتمر هي الآخرى - وهي المنافس الرئيسي لفرنسا - في باليرموا في نوفمبر من العام نفسه، لكنه انتهى بدوره إلى ما انتهى إليه مؤتمر باريس، فتحرك ممثل الأمين العام غسان سلامة وسعى لانعقاد ما وصف بالمؤتمر الوطني الجامع، وهذه المرة في مدينة غدامس الليبية، للتوافق حول تفاهمات تعزز نتائج مؤتمر الصخيرات، غير أن الأعمال العسكرية لاقتحام طرابلس اندلعت قبل أيام من انعقاد المؤتمر.

وإذا كان تعدد انعقاد المؤتمرات في حد ذاته مؤشراً على الاهتمام والسعي الدولي للوصول إلى حل لأزمة الانتقال السياسي في ليبيا، إلا أن تعدد الانعقاد نفسه وانتقاله من دولة لآخرى، هو في رأى المراقبين أحد أوجه الأزمة؛ إذ يظهر سعي الدول المتدخلة في ليبيا لتعميق نفوذها ودورها وسيطرتها في داخل ليبيا تحقيقاً لمصالحها هي لا مصالح الشعب الليبي.

الحل العسكري ملغوم أيضاً:

يبدو للمتابع أن التحول نحو الحلول العسكرية، قد ارتبط ببدء عملية الكرامة التي أعلنت سعيها للسيطرة على ليبيا في عام 2014م، غير أن الأمر أبعد من ذلك. لقد كان للصراع العسكري الذي عاشته البلاد منذ فبراير 2011م ولنحو 7 شهور في مواجهة قوات النظام السابق، دور في التوسع في حمل السلاح، كما ساهم السلاح الذي جرى الاستيلاء عليه من مخازن الدولة في انتشار السلاح وتخزينه لدى أطرافٍ قَبَلية وجِهَويَّة وسياسية، وقد وصل عدد الميليشيات في فترة تالية إلى نحو 1600 ميليشيا في ليبيا، وهو ما أحدث فوضى سلاح هائلة، وجعل ليبيا بلداً مصدِّراً للسلاح غير الشرعي بكل اتجاهات المحيط الجغرافي لليبيا.

وإذا كانت عملية الكرامة، قد انطلقت على خلفية أعمال الاغتيال في بني غازي بشكل خاص، فإن بني غازي شهدت كذلك أخطر عملية لاستهداف الدبلوماسيين الأجانب؛ إذ جرت عملية قتل لدبلوماسيين أمريكيين على أيدي مجموعات مسلحة، وهو ما شكل تمدداً لحالة فوضى السلاح على نحو خطير. وأمر المشهد الفوضوي للميليشيات المسلحة لم تشهده بني غازي وحدها؛ إذ تعرضت منطقة الهلال النفطي لعمليات عسكرية متعددة للسيطرة على النفط وتصديره. والأهم أن طرابلس هي الآخرى دفعت ثمناًً غالياً لمحاولات السيطرة على السلطة عبر ميليشيات متعددة الاتجاهات، كان آخرها ما جرى في طرابلس من صراع عسكري بين الميليشيات، في شهري أغسطس وسبتمبر عام 2018م حين قامت مجموعات مسلحة بالسيطرة على المواقع الرسمية للحكم، وظلت الأحوال الأمنية متدهورة على هذا النحو لمدة 10 أيام حتى نجحت وساطة للمبعوث الدولي غسان سلامة في وقف النار.

لماذا الفشل الدائم تفاوضياً وعسكرياً؟

واقع الحال أن فترة عدم الوصول إلى حل يضمن حدوث الانتقال السياسي في ليبيا قد استطالت وتمددت، ويلاحظ المتابعون أن كل الحلول التي بدت أنها قابلة للتطبيق، كما هو الحال في ما جرى عقب نجاح الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2014م وتشكيل برلمان ليبي جديد يضم 188 نائباً، قد تم وأدها، وكما هو الحال بعد مؤتمر الصخيرات في عام 2015م، الذي انتهى إلى توافقات جرى وأدها كذلك، كما جرى وأد محاولة انعقاد المؤتمر الجامع قبل بدايته بأيام.

ويمكن القول بأن مؤتمرات الخارج (باريس وباليرمو والصخيرات) نالت المصير نفسه.

وفي ذلك تبدو الأسباب عميقة وأهمها:

اختلاط القبلي والجهوي والسياسي:

حافظ نظام القذافي على بقاء المجتمع الليبي عند حالة ما قبل الدولة الحديثة. وساهم في ذلك عدم حدوث نهضة فكرية أو صناعية، كان بإمكانها تفكيك البنى المجتمعية القديمة وتحديثها. وعقب اندلاع ثورة فبراير 2011م، أظهرت الأحداث أن المجتمع لم يدخل بوابة الثورة من بوابة التغيير، بل من بوابة إعادة إنتاج ما هو فيه. وذلك ما كشفته الانتخابات بقدر ما أظهرته الأعمال الحربية. لقد جرت الانتخابات في عام 2014م وَفْقَ تحيزات قَبَلية وظهر الخلاف على مكان انعقاد مجلس النواب على أسس جهوية؛ إذ نشب صراع عنوانه: هل يعقد في الشرق أم في الغرب؟ وكانت حالة ثوار فبراير العابرة للجهوية والقبلية في موضع الضعف في كل المناطق. وعلى صعيد تحيزات الفعل العسكري، فقد ظهرت الجهوية والقبلية في أجلى صورها في الوضع الجاري الآن بين قوات قادمة من الشرق للسيطرة على العاصمة الليبية الواقعة في الغرب. لقد ظهرت هذه التحيزات في مناطق الحشد والتعبئة للمهاجمين، والأمر نفسه بشأن المدافعين والمنحازين لهم. لقد ظهرت المدن في تحيزاتها في تلك المعركة وفق نموذج المدينة/ القبيلة، وفي ذلك جرى استدعاء التحيزات المسبقة وجوانب الثقافة التاريخية في الخيال الشعبي العام.

تلك الحاله المختلطة والمتكلسة بين القبلي والجهوي، مضافاً إليها حالة ضعف التيارات الفكرية والسياسية، جعل إمكانيات تحقيق حالة المواطنة القائمة على الحقوق المستمدة من القانون حالة يصعب تصورها لدى كثير من القِطاعات المجتمعية. تلك الحالة وضعت التيارات الفكرية والسياسية تحت ضغوط قبلية وجهوية معقدة. وهو ما صعَّب الوصول إلى حالة إجماع وطني أو حتى إلى تحيزات واختلافات واتفاقات سياسية على أسس ديمقراطية.

تضارب المصالح الإقليمية والدولية في داخل ليبيا:

تضعف الدول في فترات التحول السياسي، وبسبب عدم قيام القذافي من الأصل، ببناء دولة مؤسسية فقد تعرضت ليبيا إلى وضعية ضعف حادة بعد ثورة فبراير، وهو ما فتح المجال واسعاً للتدخلات الخارجية. لقد احتشد في داخل ليبيا نفوذ كلِّ الدول التي احتلت ليبيا من قبل والتي سبق أن قاتلت على أرضها خاصة فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة (والأولى والأخيرة استندتا لدورهما في تقديم الدعم العسكري للثورة)، كما عادت دول آخرى لإحياء نفوذها استناداً إلى علاقات ومصالح مع نظام القذافي كما هو حال روسيا. لقد أصبحت ليبيا ساحة مفتوحة للنفوذ. ووفرت استطالة فترة عدم قيام نظام سياسي فرصة ومساحة أوسع من الارتباط بين الدول الخارجية وأطراف داخلية، وهو ما أثار حفيظة دول عربية ذات علاقات تاريخية مع ليبيا، فبحثت بدورها عن مصالحها عبر أطراف داخلية. ولذا نجد المحتل السابق لليبيا أو إيطاليا وروسيا وريثة الاتحاد السوفييتي التي تعاون معها القذافي، وبريطانيا التي كانت تقاتل قواتها على الأرض الليبية خلال الحرب العالمية الثانية، وفرنسا التي قامت قواتها بتوجيه ضربات لكتـائب القذافي خلال مجريات الهجوم على بني غازي، نجدها جميعاً في وضع مزاحمة وصراع مع بعضها بعضاً.

تلك الوضعية للـدور الدولي بتعدده وصراعاتـه جعلت محصلته سلبية. بل يمكـن القول بأن الدور الخارجي المرتبط والداعم للأطراف في الداخل الليبي كان صاحب دور حاسم في التأزيم؛ بل كان صاحب دور حاسم في إنماء الظواهر العسكرية المتصارعة، حتى أصبحت الميليشيات قوة ذات طبيعة إقليمية ودولية لا محلية فقط، وهو ما جعل التـوافق على الحلول الداخلية أشد ارتباطاً - لدرجة العسكرة - مع مصالح الدول الخارجية المتضاربة المصالح والأهداف.

وقد زاد من طلب النفوذ في داخل ليبيا ثروتها النفطية، وموقعها على خط الهجرة غير النظامية من إفريقيا إلى الدول الأوروبية، وهو ما عمَّق الفجوة بين الدول الأوروبية بشأن مصالحها في داخل ليبيا، وعمَّق الشعور بالخطر القادم منها في الوقت نفسه.

تأثير ظواهر التطرف والإرهاب:

لعبت شعارات مواجهة الإرهاب دوراً كبيراً في إدارة الأزمة الليبية خارجيّاً، وفي تحديد توجهات الأطراف الداخلية المشاركه في صناعة الأزمة. وقد تنوعت مصادر حالة العنف الداخلي وتعددت أبعادها خارجيّاً مع ظهور تنظيم داعش. وإذا كانت عمليـة الكرامة بقيادة خليفة حفتر قدَّمت نفسها قوةً عسكرية لمواجهة الإرهاب، فقد تشكلت قوات فجر ليبيا في الغرب الليبي لحرب داعش والقضاء عليها بعدما سيطرت مجموعاتها على مدينة الليبية. وقد توسعت عمليات الاتهام بالإرهاب وصارت معطىً من معطيات وشعارات الصراع السياسي الداخلي وأحد معطيات الفعل الخارجي، وهو ما حرف اتجاه الحركة السياسية والعسكرية عن هدف تخطى المرحلة الانتقالية وجعلها في وضعية المواجهة لظواهر العنف والإرهاب.

اتجاه حركة الصراع:

يمكن القول بأن الصراع في ليبيا يتعمَّق يوماً بعد يوم. وللأسف يتعمق الصراع نحو الجهوية والانقسام بين الشرق والغرب، ويبدو للمتابع أن الإرادات الخارجية قد لعبت دوراً بارزاً في إعاقة إنفاذ أية حلول للوصول بالبلاد إلى هذا المستوى؛ إذ انقسمت بين مؤيد للشرق ومؤيد للغرب.

وعلى مستوى آخر تبدو الأمور في طريقها - إن لم ينجح مؤتمر برلين - للاندفاع نحو حرب أهلية صريحة بين الشرق والغرب، وهو ما سينتقل بتأثيراته إلى مستوى غير منظور، وذلك ما دفع المستشارة الألمانية للقول بأن الوضع في ليبيا ينذر بزعزعة استقرار إفريقيا بأسرها.