إن كل تراث له خصوصية منطلقاته ومحتوياته، التي عبَّرت عن تكـوُّنه الطبيعي والتاريخي، والتي لا يلزم بالضرورة أن تحتوي على الأفكار المعاصرة. وتجدر الإشارة هنا إلى حالة الانتقائية التراثية التي نجدها لدى بعض الدارسين، الذين يجدون في التراث العربي ما يؤيد أفكارهم المستقاة من الفكر المعاصر.

وللأسف فإن بعض باحثي التراث العربي يسقطون في الانتقائية، بمعنى تناول نموذج ما في أحد العصور التاريخية، ثم يجنح بعدها إلى التعميم المخلِّ، الذي يتخذ من النموذج سبيلاً للفهم الكلي؛ خاصة إذا كان النموذج اختير متعمَّداً، ليقدِّم صورة مشوهة، أو اختير متعمَّداً دون فهم الملابسات المحيطة به (عصره وسياقه) أو الأبعاد الثقافية والمسببات المادية إليه، فيتم القفز إلى الاستنتاج وإصدار الأحكام العمومية من مجرد نموذج منتقى بشكل متعمَّد! والكارثة أن يكون الحكم شاملاً لعصر بأكمله أو تراث بأكملـه، لمجرد وجود نماذج بعينها في عصر مَّا، أو تم انتقاؤها.

ولإيضاح الفكرة أكثر، فقد اتهم أحد المستشرقين الفرنسيين وهو (ديمومبين)، النثر العربي بأن أكثـر تعبيراته من التعابير المبتذلة، مستخدماً لفظة (الكليشيهات) في نعته للنثر العربي، وهكذا جاء الاتهام عاماً يشمل كل العصور، ومختلف الأشكال النثرية وأيضاً الشعرية. والكليشيه يعني: الصورة التي تقع لأول وضعها جميلة ثم تسخف بكثرة الاستعمال، ويقابله مصطلح (المبتذل) في البلاغة والنقد العربي[1]، ويرد عليه (زكي مبارك) مناقشاً القضية بعمق، مفيداً أن المبتذلات أو الكليشيهات تنتقل من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى بيئة ثم تزوي وتموت، على أن الكليشيه بمعناه المفهوم عند النقاد الفرنسيين لا يوجد عند شعرائنا وكتابنا إلا قليلاً؛ ذلك بأن التعبير لا يسمى كليشيه عند الفرنسيين إلا حين يبتذل، ونحن إذا رجعنا إلى الصور الأدبية عند كبار الكتَّاب والشعراء من العرب وجدناها تتوثب من فيض القوة والحياة، ونستطيع أن نقدم نماذج من الشعر والنثر ليس فيها تعبير مبتكر، ولا يوجد فيها من الصفات والتشبيهات إلا ما ألفه الناس وتطاولت عليه السنون، ومع ذلك تبدو طريفة أخَّاذة وكأنها عذراء لم يمسها كاتب ولا شاعر ولا خطيب، وإنما كانت كذلك؛ لأنها صدرت عن نفسٍ حيةٍ مفعمةٍ بالشعور والإحساس، ومَن ذا الذي ينكر أن الكلمة الواحدة قد ينطق بها رجلان فتقابَل من أحدهما بالتبلد والجمود، وتقابَل من ثانيهما بالتأثر والقبول[2].

وتحليل (زكي مبارك) وردُّه العلمي توقف عند الصورة الفنية فقط، وأوضح أنها قد تتكرر ولكن مع اختلاف في الدلالة السياقية واختلاف في تأليفها، ولكن الأمر ليس منحصراً في الصورة، ولعل هذا مقصد ديمومبين، فقد كان نعته شاملاً للصور والتعبيرات والتراكيب في الاستخدام اللغـوي، وهذه لا يمكن الركون فيها إلى حكم عام، دون التمعن في الأمر، وفي الأمثلة التي استند إليها المستشرق في رأيه والتي لم يشر إليها زكي مبارك، وإنما اكتفى بإيراد الرأي فقط.

أيضاً، لم يشِر زكي مبارك إلى مسألة مهمة عميقة الارتباط في هذه القضية، تتصل بالأبعاد الثقافية للتـراكيب والتعبيرات المستخدمة؛ فالتعبيرات كثيرة التكرار في أحاديثنا اليومية، شأنها شأن الأمثال الفصيحة أو العامية؛ فحتى لو استخدم الكاتب بعض التعبيرات وتكررت من كاتب إلى آخر، لا يمكن إدانة الاستخدام في حد ذاته، وإنما كيفية الاستخدام؛ هل تم نقل التعبير بدلالته الأولى نفسها أم اكتسى دلالة مضافة في السياق اللغوي المستخدمة فيه؟ وقد اقترب زكي مبارك من القضية، دون أن يشير إلى البعد الثقافي؛ إذ يقرر أن المبتذلات تنقسم إلى أقسام: قسم مفهوم هجَّنته كثرة الاستعمال، وقسم غير واضح لا يفهم إلا في غموض، وما يزال الناس يستعملونه دون أن يتبينوا تماماً وضع صورته مثل تعبير (جاؤوا على بكرة أبيهم)، فإنهم يفهمون المراد من هذا التعبير وإن كانوا لا يدركون صورتــه الأولـــــى الأصليــة[3].

فتعبير (جاؤوا على بكرة أبيهم) شائع على مستوى الأدب الفصيح المكتوب، وكذلك على المستوى الاستخدام العامي، وسؤال زكي مبارك عن الدلالة الأصلية لهذا التعبير في محلِّه، لأنه يعني أن التعبير انتقل من ميدان دلالته الأصلية إلى سياقات جديدة بدلالات مختلفة، ومن ثَمَّ تظل نظرة المستشرق جزئية، لأنها نظرت إلى تكرار التعبير ولم تنظر إلى تطور دلالته وتنوعها، ولا إلى براعة الأديب في إعادة توظيف التعبير، ويبدو أن نظرة المستشرق استندت إلى الدراسات المجتزئة التي كانت تنظر بعين مستقلة إلى الأسلوب، وبعين أخرى إلى الموضوع، وبعين ثالثة إلى التركيب، وبعين رابعة إلى التاريخ... وهكذا.

فقد كان الدرس القديم يدرس اللغة منعزلة عن سياقاتها الاجتماعية والثقافية والنفسية؛ أي بمعزل عن المتكلمين وثقافتهم. أما الدرس الحديث، الذي ترسخ في العديد من مناهج النقد الأدبي، فإنه ينظر إلى اللغة بوصفها نشاطاً إنسانياً معبِّراً، ومتعدد الجوانب، فاللغة ترتبط ببعْدٍ فردي نفسي، وفي الأمر نفسه ببعدٍ اجتماعي جمعي في ممارساتها؛ بل إن اللغة هي المعبِّر الأول عن الواقع الاجتماعي، واللغة أيضاً انعكاس للثقافة السائدة[4].

أيضاً، فإن هناك عصوراً يكون الإبداع مزدهراً فيها على مستوى الفكر والأسلوب والتعبيرات؛ فنجد تنوعاً في الأساليب والتراكيب، مثل العصر الأموي والعباسي، كما نجد في كتابات عبد الحميد والجاحظ وابن العميد، وهناك عصور أو حِقَب، يضعف فيها الأدب وتضعف الأساليب، مثل العصر المملوكي والعثماني، وفي العصر الواحد، يكون هناك تفاوت بين أساليب الكتَّاب، وفي مجالات تآليفهم المتعددة، وكي نصل إلى حكم بهذا المستوى، علينا أن ننتهج سبيل الدراسات الأسلوبية المستندة إلى مسح دقيق وشامل، لكي تكون الاستنتاجات صحيحة.

ويكون السؤال: هل اطلع (ديمومبين) على الآداب العربية كلها، في مختلف عصورها وأشكالها؟ لو كان فعل ذلك - وهو مستبعَد - لما تعجَّل في إصدار هذا الحكم التعميمي. وهذا عائد إلى طريقة تعامل بعض المستشرقين مع الأدب العربي؛ فقد يدرس فناً أو أديباً أو كتاباً أو لوناً، في حقبة مَّا، من بُعْد واحد: لغوي مثلاً أو فكري، وتغيب عنه أبعاد أخرى اجتماعية وثقافية وتاريخية، من ثَمَّ ينطلق مما درس إلى تكوين رؤية عجلى قد تسم التراث كله بما ليس فيه، وقد لا تعي كثيراً خصوصية اللغة العربية، ولا طبيعة تكوين تعبيراتها.

جدير بالذكـر أن الدراسات اللغوية الحديثة تؤكد أن دارس اللغة الثانية يفتقد إلى المنظومة (الحسية/ الشعورية) التي يستشعرها ابن اللغة الأم؛ فهناك منظومة من القواعد والمعارف المرتبطة بالثقافة والمجتمع والدين والتقاليد والعادات والميول.

كما يشار إلى أن متعلم اللغة يحتاج إلى ثلاثة أمور: التعلم الفردي للغة بشكل جيد، والاندماج الفعال في المجتمع، والجمع بين الاثنين معاً مع المعرفة الرمزية والتكاملية، في التواصل الفردي والمجتمعي، وأن البناء اللغوي الخاص باللغة هو الذي يحدد طريقة أداء المتكلمين والمعبِّرين (شفاهة أو كتابة)، وفي رؤيتهم للعالم، وكذلك في انتقاء الكلمـــات وبنـــاء التعبيـــرات والجمل[5].

فاللغة العربية بالنسبة إليهم لغة ثانية؛ خصوصاً إذا اكتفوا بدراستها دون العيش والتواصل الاجتماعي في المجتمعات العربية، أو الغوص في جنبات اللغة في المؤلفات العربية. وبالطبع فإن هناك فرقاً كبيراً بين العربي دارس اللغة العربية، وبين مستشرق درسها لأغراض التعليم، ولم تمتزج العربية في ثقافته وتكوينه النفسي والجمعي، حتى يعرف أبعادها.

 

 


 


[1] النثر الفني عند العرب، د. زكي مبارك، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012م، ص185 - 186.

[2] السابق، ص189 - 190.

[3] السابق، ص186.

[4] اللغة والثقافة: دراسة أنثرولغوية لألفاظ القرابة وعلاقات القرابة في الثقافة العربية، د. كريم زكي حسام الدين، نشر إلكتروني، دار كتب عربية، القاهرة، 2000م، ص35، 36.

[5] ناقش David ELMES قضية اللغة الثانية في بحثه الذي حمل عنوان: The Relationship between Language and Culture، في دورية ,Kanoya International Exchange and Language Education Center، p11-18.