إن استشعار كثير من الدول الإسلامية اليوم لخطر الفتاوى التي تهدِّد أمنها النفسي والروحي، وتماسكها الاجتماعي نتيجة الأحداث التي يشهدها العالم، والآثار المترتبة على سياساتها في تدبير الشأن الديني، دَفَعَها إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات لخدمة مذهبها الفقهي والعقدي وتثبيت مظاهرهما.
ولما كان للمذهب أهميته العلمية في نفسه أولاً، وآثاره الإيجابية في ضمان وحدة البلاد، وتوحيد منهج التفقُّه في دينها، والحفاظ على نسيجها الاجتماعي والنفسي ثانياً؛ اخترت من خلال هذه الورقات بيان ست مقدمات أحسبها - بحول الله - خادمة لما نحن فيه.
المقدمة الأولى: في مصطلح (المذهب):
إذا كان مصطلح (مذهب) يدل في أصل وَضْعِه اللغوي على مكان الذهاب؛ أي: الطريق، واشتُهر اصطلاحاً في الدلالة على الأحكام التي اشتملت عليها المسائل، والجامع بين المعنيين هو: أن الطريق توصل إلى المعاش، وتلك الأحكام توصل إلى المعاد؛ فإن حقيقته العلمية، وبُعدَه الاصطلاحي الدقيق يتجاوز ذلك إلى الدلالة على المنهج الأصولي المعتمَد في استنباط أحكام المسائل؛ لأن الذي يميز مذهباً عن مذهب آخر، ليس مجموع هذه الأحكام التي انتهت إليها اجتهادات علمائه وحواها تراثه الفقهي، وإنما الذي يميز المذهب: هو ذلك المنهج المعتبَر[1] في تخريج الفروع وبناء الأحكام. وما الأحكام بهذا الاعتبار إلا نتيجة للتطبيق العلمي لأصول وقواعد هذا المنهج في آحاد المسائل ومناطاتها الجزئية. ومن تأمَّل تراث المذاهب، أدرك أنهم - كما تركوا للأمة تآليف في الفقه - تركوا أيضاً تآليـف في علــم أصول الفقـــه؛ حتـــى لا تكاد تجد مذهبـاً من مذاهبهــم إلا واشتُهر أعلامه بتآليف في هذا الفن أسست لأصول وقواعد النظر الفقهي ضمن منهج علميٍّ تجلت حقيقته بصورة عملية واضحة في كتب فقه الحديث.
وإذا تحصَّل مما تقدم، أنه لا يمكن الحديث عن المذهب إلا باعتباره منهجاً علمياً أصولياً يضبط العملية الفقهية الاستنباطية؛ تبيَّن لنا خطأ العدول عن هذه الحقيقة الاصطلاحية، وآثاره السلبية المتمثلة في ما يلي:
أولاً: غياب أو ندرة القيادات العلمية المؤهَّلة للاجتهاد بناءً على أصول المذهب بسبب ما اشتُهر من أن عالم المذهب: هو مَن حفظ المتون وعرف الأقوال والآراء التي انتهى إليها علماؤه المتقدمون، لا مَن علم أصوله وامتلك القدرة على توظيفها واستثمارها.
ثانياً: اعتبار كل اجتهاد على خلاف مشهور المذهب خروجاً عنه؛ وهو خطأ مردُّه إلى عدم إدراك الفرق الدقيق بين الاجتهاد في إطار أصول المذهب، وبين الخروج عنه إلى مذهب آخر؛ لأن التقليد في الأصول لا يعني بالضرورة التقليد في الفروع، ولو سلَّمنا بذلك الاعتبار الذي لا يستقيم على ميزان العلم ولا على واقع حركة الاجتهاد في تاريخ المذاهب الفقهية، لأخرجنا أكثر أهل العلم عن مذاهبهم؛ مع أن الدارس لتراث المذاهب واجتهادات علمائها: كمحمد ابن الحسن الشيباني وأبي يوسف من الحنفيـــة، وابـــن عبد البر القرطبي، وابن العربي المعافري، وابن رشد الحفيد من المالكية، والمازري من الشافعية، وابن تيمية وتلميذه ابن القيم من الحنابلة، يقف على مسائل كثيرة خالف فيها هؤلاء الأعلام أئمتهم مــن غـــير أن يقـــدح ذلـك في حنفيتهــــم أو مالكيتهم أو شافعيتهم أو حنبليتهم، وإنما ظلوا منتسبين إلى مذاهبهم ملتزمين بأصولها نظراً واستنباطاً.
إن التمذهب أو الالتزام بالمذهب لا يعني - في الرؤية المذهبية المبنية على قواعد العلم وأصوله، لا على النزعة العصبية أو التقليد الأعمى أن الاختلاف أمر مقصود لذاته؛ فلا ينبغي باسم المذهب أو المذهبية التعصب لأقوال المذهب، وطَرْح ما خالفها من أقوال المذاهب الأخرى، أو الحكم بخطئها ابتداءً من غير تبيُّن؛ فكم من قول مخالف كان مرجوحاً في زمن وحال معين، صار راجحاً لاعتبارات اقتضت ترجيحه في دليل الحكم أو مناطه، وكم من قول مخالِف قال به غير واحد من أئمة المذهب نفسه، أو قول مخالِف صارت مراعاته أمراً مطلوباً جارياً على أصول الشريعة ومقاصدها[2].
ثالثاً: تخريج حَمَلَة للفقه ليسوا بفقهاء؛ ومثل هؤلاء غير قادرين على اقتحام باب الاجتهاد في قضايا العصر ومستجداته، فضلاً عن التصدي لكل فِكْر دخيل أو منحرف، أو حتى امتلاك القدرة على الاستدلال على صحة حُكْم مسألة؛ لكونهم تلقَّوه جاهزاً من غير دراية لأصله وطريقة استنباطه، وحتى إن علموا ذلك؛ فهم غير قادرين على النظر في غير الصور والشواهد العالقة في محفوظهم إلى مثيلاتها قياساً واستصلاحاً، مما أضفى على المذهب صفة القصور والجمود في إنتاج فقه معاصر يخدم واقعه، ويجيب عن قضاياه.
من هنا ندرك سبب الموقف الصارم لابن رشد من متفقهة زمانه، والذي دفعه إلى وَضْعِ كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) عندما أخرجوا الفقه عن مدلوله الاصطلاحي العلمي وحملوه على حفظ الأحكام والمتون والمسائل من غير أن يحصِّلوا مَلَكَة الفقه التي تمكِّنهم من استثمار أدوات النظر والاستنباط وقواعد الاجتهاد في مقارنة عجيبة ذات دلالة بين بائع الخِفاف الذي لا حظَّ له من عمله إلا إمداد المشتري بنوع الخف المراد جاهزاً، وبين صانع الخِفاف الذي امتلك القدرة والخبرة اللازمة لإنتاج وصُنْع خِفاف جديدة بحسب الطلب (نوعاً ومقاساً ولوناً) كما يُنتِج الفقيه المستجمع لشروط الاجتهاد وأدوات الصناعة الفقهية حُكْم ما استجد من نوازل ووقائع؛ فيُلبسها أحكاماً تليق بخصوصياتها المحيطة بها بحسب الزمان والمكان والعـوائد والأحـوال. قـال - رحمه الله - في هذا الصدد: « فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهــد في هـذه الصنــاعة رتبــة الاجتهــاد؛ إذا حصَّــل ما يجب له أن يحصِّل قبله من القدر الكافي له في علم النحــو والــلغة، وصناعة علم أصول الفقه، ويكفي من ذلك ما هو مساوٍ لجـــرم هــذا الكتـــاب أو أقل. وبهذه الرتبة يسمى فقيهاً؛ لا بحفظ مسائل الفقه، ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان، كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر، وهؤلاء عَرَض لهم شبيه ما يَعرض لمن ظن أن الخَفَّاف هو الذي عنده خِفاف كثيرة لا الذي يقدر على عملها، وهو بَيِّن أن الذي عنده خِفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خِفافه ما يصلح لقدمه؛ فيلجأ إلى صانع الخِفاف ضرورة، وهو الذي يصنع للقدم خُفّاً يوافقه؛ فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت»[3].
رابعاًً: التعصب في الأحكام التي اشتُهر العمل بها في المذهب مع العلم بوجود المخالف لها من علماء المذهب نفسه، فأحرى بذلك أهل المذاهب الأخرى. مما يُفقد العالم مرونة وسَعَة في استيعاب الأقوال المخالفة أو التعامل معها من غير تجريح وتنقيص لأهلها. ومن تأمَّل سيرة أئمة المذاهب - رحمهم الله جميعاً - وتتبع أقوال كل واحد منهم في حق من خالفه، وقف على نماذج راقية، ومستويات عالية في تدبير الاختلاف.
المقدمة الثانية: فقه أصول المذهب:
لما كان كل مذهب محكوماً بأصول ضابطة لعملية الاجتهاد فيه، وكانت أية محاولة للتصدي إلى الفتوى خارج هذه الأصول ضَرْباً في عماية وتجرءاً على دين الله، وتوقيعاً باسمه على غير علم وبصيرة، كان فِقْه هذه الأصول مطلوباً لتقلُّد منصب الفتوى في المذهب. غير أن تمام الفقه المقصود هنا؛ هو الفقه الذي يجمع بين العلم بها في نفسها، والعلم بمسالك فَهْمِها، ثم العلم بكيفية إجرائها وتنزيلها وَفْقَ حال الزمان وأهله؛ فهو إذن فِقْه مقيد بشرطين:
 الأول: العلم، درءاً لما يقع بسبب الجهل بهذه الأصول من انحراف منهجي في الفهم والاستنباط، والتنزيل.
 والثاني: العمل، لئلا يصير العلم نفسه مقصوداً. والمراد بالعمل امتلاك القدرة على استثمار هذه الأصول وإعمالها فيما يَعرِض للنظر من قضايا مستجدة ونوازل طارئة.
ومَن خَبِرَ هذه الأصول اكتشف ما تنطوي عليه من منهج علمي تقعيدي مستغرِق لجميع مجالات النظر، وكليات متحررة (نظرياً) من قيود الزمان والمكان غير قاصرة عليهما... مَنْ أحكَم فقهها بضوابطها تحصَّل له الجواب كما تحصَّل لمن قَبْلَه من فقهاء المذاهب المتقدمين؛ غير أن من استقرأ واقعنا اليوم، وتأمَّل حصيلة الجهود التي تُبذل وبرامج التكوين التي تُعَد، ومستوى الأعداد التي تُخَرَّج سنوياً في مجال الشرعيات في الجامعات والمدارس والمعاهد الدينية يتحصل لديه وجه القصور في تحقيق هذا الشرط.
المقدمة الثالثة: القيادة التربوية:
إذا كان العلماء ورثة الأنبياء في القول والفعل والتقرير؛ فإن على العالم المنتصب لهذه الوراثة العلمية والإمامة التربوية، أن يتخلق - قبل غيره - بخِلالِها الربانية؛ فهي الميثاق الذي أخذه على نفسه، والعهد الذي سيُسأل عنه بين يدي ربه؛ فلا خير في علم لم يُكسِب صاحبه حِلْماً يتخلق به، وليأخد بحــظ وافــر من سيرة ســـيد العلماء، وأسوة الدعاة، وإمام الخطباء، وأمين خاتمة الرسالات محمد بن عبد الله  -  صلى الله عليه وسلم - الذي كان لِخُلُقه ومعاملته أثر في خدمة دين الله، والتمكين لــه قبــل البعثـة تمهـــيداً، وبعدهـا تأسيساً، فما كان  -  صلى الله عليه وسلم - يلقى أصحابه إلا حَسَنَ السريرة، طَلْق الوجه، صادقاً في القول، مسارعاً في الفعل، حريصاً على الخير والنصح، مشفقاً على الكل، أميناً عليهم في الدين والنفس والعِرض والمال حتى شهد له الحق - جل وعلا - بحُسْن الخُلُق في قوله - تعالى -: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤]. وليتأمل بعده سيرة أئمة المذاهب الذين تخلَّقوا بهدي النبوة؛ فجمعوا بين القيادتين العلمية والتربوية، وهو ما كتب الله لهم به نوراً في الفهم، وذِكراً في الأرض، وإمامة في الدين، وشهادة على الناس، وجعلهم مقصداً لطلب العلم والتخلُّق بآدابه.
ومتى كان العالم المستجمع لشروط العلم النظرية مخلًا بشروطه التربوية، لم يثق الناس به وإن حوى من أسفار العلم ما لا يحصى كثرةً، وصارت إساءته إلى الدين قبل المذهب أكثر من خدمته، ومثل هذا لا يعوَّل عليه لا في خدمة الرسالة التي حُمِّل بها، ولا في خدمة المذهب الذي تصدَّر للإفتاء باسمه.
 المقدمة الرابعة: صِدْق التوجهات والأهداف:
وهو أمر موكول للحكومات والجهات المشرفة على تحديد البرامج وإعداد المخططات، و تنفيذ التوجهات:
فأما على مستوى برامج التكوين الخاصة بإنتاج العلماء، فإن القاعدة في هذا الباب هي أنه: «لا يُنْتِج العالمَ إلا العالمُ»؛ إذ الأهلية فيما نحن فيه بشقيها (العلمي والتربوي) شـرط أسـاس، وأي اعتبـارات أخـرى تنقض هذا الشـرط، أو لا تبقي إلا رَسْمه تُعَد مجــازفة بمجـال لا يقبل ذلك؛ إن كنا – حقاً - نروم إنتاج علماء قادرين على تثبيت وحدة البلاد المذهبية، والتصدي لكل ما يهددها من شبهات وأفكار.
وأما على مستوى الإجراءات المتخَذة (وأقصد بها التصرفات التي جرى اللجوء إليها في المتابعات الأمنية والبرامج الإعلامية)؛ فعلى الحكومات أن تتحمل مسؤوليتها الدينية والأخلاقية؛ إذ ما نلمسه اليوم من ازدواجية في الخطاب على مستوى الإعلام الرسمي الذي يستخف بقضايا المواطنين المسلمين ويخدش مشاعرهم وقيمهم، يجلِّي مدى مصـــداقية الشعارات المرفوعة بخصــوص المواطَنة وثوابت الأمة، ومذاهبها، مما يفضي - مــــن حيث نعلــم أو لا نعلم - إلى عزوف وجداني وســلوكي عـن كــل ما هو رسمي. يضاف إلى ذلك سوء الإجراءات الأمنية التــي تعاطت بها بعض الحكومات مع ملف (الإرهاب) والتزامهــا لمنطق المحاكمات الجاهزة والمبيتة بدل المحاكمات العادلة التي تجري على استصحاب أصل البراءة ما لم يثبت خلافه؛ مما أدى إلى اعتقالات فاق عددها أحياناً ما تم اعتقاله في أمريكا نفسها إثر أحداث 11 سبتمبر 2001. ومثل هذا الإجراء في معزل عن منطق العدل والحوار تزيد من تأجيج مشاعر الحقد والتطرف والنقمة على البلاد والعباد حتى ممن ثبتت إدانتهم؛ لأن القناعات والاعتقادات التي تشربتها العقول والقلوب يصعب محوها أو التأثير فيها بغير حوار جاد، وإن تأثر الجسد بشكل من الأشكال.
المقدمة الخامسة: تفعيل دور مؤسسة الفتوى:
 مدار الكلام في هذه الفقرة حول ضرورة تفعيل دور مؤسسة الفتوى لتكون أكثر حضوراً وواقعية في تجسيد استقلاليتها بالفتوى ورعايتها لخصوصيات البلاد المذهبية والعقدية؛ حتى تضطلع بدورها المنوط بها، وتقوم بحق الأمانة الملقاة على عاتقها، ولا تظل انشغالاتها حبيسة قضايا محدودة، ونوازل معدودة، أو رهينة مناسبات معينة وردود أفعال تتحكم فيها توجهات سياسية ظرفية.
إن ما يلقيه الواجب الشرعي على عاتق مؤسسة الفتوى من مسؤولية البيان للناس فيما يَعرِض لهم من قضايا، ويروج بينهم من آراء ومواقف، أو يُتداوَل بينهم من عقود ومعاملات، يتطلب منها تطوير عملها وتحسين أدائها؛ ليكون أكثر فعالية وأقوى من جهة، والاستفادة – من باب ما لا يتم الواجب إلا به - من خبرة الثقات من أهلها في مختلف التخصصات لصناعة الفتوى على منهج علميٍّ سديد يجمع بين النظر في أدلة الحكم، والنظر في مناطاتها، أو قُل: بين الخبرة الشرعية والخبرة الواقعية من جهة أخرى؛ لأن أي حديث عن الفتوى خارج هذا المنهج يعد إخلالاً بأصول الاجتهاد وقواعده المعتبَرة باتفاق أهل المذاهب؛ إذ كيف يُسْتَقل في النظر في اسـتنباط حكــم مادة معينـة أو معاملة مصرفيـة أو قضية اجتماعية أو نازلة طارئة من غير خبرة كافية بطبيعتها وعناصرها ودراية عميقة بتفاصيلها وصورها، وفقه لحالها ومآلها وإحاطة شاملة بملابساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يقول ابن قيم الجوزية - رحمه الله - تنبيهاً على ما نحن فيه في مجال العقود والمعاملات المصرفية: «وقول القائل: إن هذا غرر مجهول؛ فهذا ليس حظ الفقيه ولا هو من شأنه، وإنما هذا شأن أهل الخبرة بذلك؛ فإن عدُّوه قِماراً أو غرراً؛ فهم أعلم بذلك. وإنما حظ الفقيه يُحِل كذا؛ لأن الله أباحه ويُحرِّم كذا؛ لأن الله حرَّمه، وقال الله، وقال رسوله، وقال الصحابة. وأما أن يرى هذا خطـراً أو قِماراً أو غرراً فليس من شأنه، بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه كما يُرجَع إليهم في كون هذا الوصف عيباً أم لا، وكون هذا البيع مربحاً أم لا، وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية؛ فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها، مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية»[4].
إن مساهمة مؤسسة الفتوى في خدمة المذهب والحفاظ على وحدة البلاد يقتضي أن يتسم دورها - فضلاً عن أهلية القائمين عليها - بوصفين:
الأول: الفاعلية؛ لتحقيق حضور قوي ينسجم ومقاصد إحداثها.
والثاني: العلمية؛ للتعاطي مع ما يُعْرَض عليها من قضايا ونوازل بمنهج علميٍّ شرعي بعيداً عن العـواطـف؛ إذ كثيــراً ما نقف أمام أقوال وأحكام مخالفة للمذهب؛ سواء في مسائل الفقه أو العقائد لايقدَّم فيها جواب شافٍ ورأي واضح وقول فَصْل - خاصة - أمام الأفكار والشبهات المثارة أحياناً من الداخل والخارج، مما يضــر بالمذهــب نفســه ويظهــره - أحياناً - في صورة أقوال وأحكـام أُخذت مســلَّمة على ســبيل التقليد، لا على أصول شرعية واستدلالات صحيحة وتعليلات معتبَرة، واستنباطات دقيقة.
المقدمة السادسة: تجديد الحركة الدعوية:
إن علاقة العمل الدعوي بما نحن فيه أشد إن لم يكن آكد؛ إذ من الخطأ أن نفصل بين الحركة العلمية المذهبية والحركة الدعوية؛ فنعُدُّ إعادة هيكـلة المؤسسات العلمية وتنظيم مجال الفتوى كافياً وحده في الحفاظ على وحدة البلاد المذهبية؛ مع أنه مطلوب لأهميته، كما تقدم.
إن ما تتعرض له البلاد الإسلامية اليوم من هجمات شرسة تَمَسُّ الوعي الديني للأمة، وتضرب في عمق وجدانها التربوي، وتفسد صفاء فطرتها وتسلبها هويتها العربية والإسلامية وتهدد أمنها الروحي وانتماءها الديني، أشبه بمعركة تدور رحاها على الإنسان شكلاً ومضموناً، شــعوراً وسلوكاً، طيناً وروحـاً؛ معـركة لا تهــدد المذهــب وحســب، بل تهدد دين الأمة وثوابته العقدية والعملية؛ إنها هذه قضية حِفْظ الدين الذي يُعتبَر من كليات الإسلام الواقعة في أعلى رتب المقاصد الدينية وأصول المصالح الشرعية، والأساس الذي تنبني عليه وحدة البلاد الدينية والمذهبية، قضية هي من أوجب الواجبات وآكدها على كل حركة مذهبية؛ إنها قضية تتجاوز كل رؤية مذهبية جزئية أو نظر فقهي تفصيلي لمن كان له أدنى علم بمراتب الأمور أو بصيرة بفقه الأولويات؛ إذ كيف نتحدث عن حِفْظ المذهب وخدمته إذا اندرست ثوابت الدين وانخرمت أمهات الفضائل، وضاع الإحساس بقيمة الانتماء للإسلام، وصار المعلوم من الدين بالضرورة كغير المعلوم، وتعلقت القلوب والمشاعر بولاءات غير ولاءات الإسلام وأهله؟
إذا كانت القضية - باختصار - هي قضية حفظ الإسلام التي تضافر على قطعيتها ما لا يحصى من نصوص الكتاب والسنَّة النبوية، فإن واجب الأمانة والشهادة يفرض يقظة استعجالية تقوم على بذل الجهد واستفراغ الوِسع؛ لبناء الحركة الدعوية وتجديد سَيْرِها على منهج القرآن؛ ليعيد إليها حياتها وينفخ فيها من روحه وتهتدي بعلاماته وتقتبس من أنواره وتسترشد ببياناته، وتلمس من روعة خطابه الرباني الذي يضفي على القلوب صبغة وجدانية جمالية تصل الخلق بالخالق والأرض بالسماء والدنيا بالآخرة.
 إن القرآن، والقرآن وحده، لو أُخِذ بشرطه كفيل بإعادةِ نفخة الروح إلى هذا الطين؛ حتى يكتمل استواؤه خَلْقاً مكرَّماً، وتثبيتِ صلته بمعاني الدين وقيمه الكلية، والارتقاءِ به من درجة العبودية الاضطرارية إلى مقام العبودية الاختيارية، ولتصنع فيه آيات الله ما صنعته في الجيل الأول؛ حيث لم تنطلق جهود التربية النبوية ومجالس الدعوة وحركاتها إلا مسترشدة بآيات الكتاب التي أعادت صناعة الإنسان على عين الله، وجددت سَيْرَه على صراطه، فأنطقت فطرته، وأسمعته نداء خالقه، وبصَّرَته بحقائق الوجود، وأقامت في نفسه معاني الدين، وأذاقت قلبه حلاوة الإيمان وطعم الصلة بالله، ولذة الأنس به، وعرجت به في مدارج السالكين ومنازل المؤمنين.
كان ذلك صنع آيات الله في الخلق وما يزال.
وكان ذلك منهج رسول الله  -  صلى الله عليه وسلم - وما يزال.
وكان ذلك منهج ورثته من أهل العلم والفضل وما يزال.
فماذا بعد العلم إلا العمل؟
 


(*) دكتوراه في الفقه وأصوله - المغرب.
[1] يجب التنبيه إلى أن أصول هذا المنهج أصول شرعية استُمدت حجيتها من نتائج الاستقراء للغة العرب ومسالك فَهْم الكتاب والسنَّة ودلالتهما عند الصحابة، رضي الله عنهم. ومن اطلع على ذلك في مظانه تبينت له حقيقته.
 
[2] من شواهد ذلك مراعاة الإمام مالك - رحمه الله - لقول أبي حنيفة في مسألة وقوع نكاح الشغار، عملاً بأصل مراعاة الخلاف.
 
[3] بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 2/340.
 
[4]  إعلام الموقعين: 4/5.