جرى قلم كثير من الدراسات والبحوث بأن جائحة كورونا ستغِّير وجه العالم وتقلبه رأساً على عقب، وأن العالم فيما بعد هذه الجائحة لن يكون حتماً مثلما كان قبلها. هذه الجائحة المقدَّرة على البشرية تكاد تشبه في آثارها - إلى حدود هذه الفترة من الزمن - آثار الحروب والطواعين والكوارث التي أضرَّت بالبشرية قديماً، يتولد منها عالم جديد، تنهار أنظمة وتقوم أخرى، وتتغير فيها العلاقات المؤسساتية والدولية؛ خاصة منها العلاقات الاقتصادية والسياسية.

يبدو أن العالم الذي نعرفه قد انهار تماماً ولن يكون هو نفسه بعد الأزمة؛ فكثير من العادات والسلوكيات التي ألِفَتْها البشرية قد تتغير بدرجات متفاوتة عند البشر جراء هذه الأزمة، خاصةً العادات الصحية الشخصية، وقواعد السلامة الاجتماعية، وضرورة التعاون والتضامن الاجتماعي والإنساني في الظروف القاسية، وابتكار وتطوير طرق جديدة للدراسة والعمل عن بُعْد، وغيرها من العادات القيمة التي يمكن استثمارها من هذه الجائحة.

بَيْدَ أن الذي يهمنا في هذه الورقة هو التدبر في السنن الكونية الربانية في هذه الظروف العصيبة، نحاول فيها الكشف عن الرؤية الشرعية (المستنبطة) من الأزمة. فالله تعالى أمرنا أن نستبصر بآياته القرآنية والكونية على حدٍّ سواء، قال تعالى عن قوم صالح عليه السلام لَـمَّا كذَّبوا برسولهم: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلَّا تَخْوِيفاً} [الإسراء: 59]، روي عن قتادة في تفسير هذه الآية: «إن الله يخوف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبرون، أو يذكرون، أو يرجعون»[1].

وبالنظر في الاستبصارات والاعتبارات التي يمكن استخلاصها من هذا الوباء وَفْقَ الرؤية الشرعية كونياً ومجتمعياً وإنسانياً فإننا نخـرج بجملـة من الدروس والاستنباطات على الشكل التالي:

أولاً: دروسٌ عقدية وإيمانية:

لا شك أن من سمات المسلم المستمسك بدينه أنه يستحضر دوماً رسوخ الاعتقاد في ربه سبحانه؛ فهو في كل حال من السراء والضراء، أو في المنشط والمكره يتيقن بقضاء الله وقدره وتصرفه في كـونه. وأهم الدروس الإيمانية المستفادة كما يلي:

(وباء كورونا) تقدير وخلق من الله:

 العالم بكل منظماته ومؤسساته الطبية ما فتئ يقدم تفسيرات (علمية) ومادية لانتشار جائحة كورونا بين البشر! وتُكال اتهامات سياسية أنه صناعة صينية أو أمريكية أو فرنسية. ولكن المسلم يؤمن إيماناً جازماً بأن هذا الفيروس مخلوق من مخلوقات الله، قال تعالى: {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، وقال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان: ٢]؛ أي كل شيءٍ مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالـق كل شيء وربُّه ومليكه وإلهه، وكل شيءٍ تحت قهره وتدبيره وتسخيره وتقديره[2].

وبعبارة أخرى: إن التفسير المادي الذي تقدمه كل المؤسسات الطبية وتتناقله كل وسائل الإعلام لهذا الوباء يبقى تفسيراً ظاهريّاً إن لم نقل بسيطاً وساذجاً للتغيرات والأحداث الكونية لأنه يستغبي كثيراً من العقول، ولأنه خارج عن سيطرة القوة البشرية العاجزة أمام القدرة الإلهية القاهرة، قال تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 56].

الفرار بالجسد من المكروه:

فالبشرية كلها في حالة ذعر وفزع فرَّت بأجسادها خوفاً من (مكروه ووحش كورنا) حتى لا تصيبها العدوى أو المرض أو الموت، وآوت إلى بيوتها ومساكنها، حتى صار (فيروس كورونا) منذراً للبشرية من الموت والعذاب الأرضي. والمسلم قبل غيره من البشر أولى أن يستفيد بالفرار إلى ربه والنجاة بجسده وروحه من الهلاك والعذاب الذي أعده الله للعصاة والظالمين والجاحدين يوم القيـامة، قال تعالى: {فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات: 50]. فإن كان الفرار بالجسد من الازدحام والشوارع إلى المنازل يؤدي إلى نجاة الإنسان من الفيروس القاتل؛ فإن المسلم يتدبر في كيفية النجاة في مسلك آخر أعظم وأشد خطراً وهو النجاة من عذاب الله يوم القيامة بالتقـوى، كما قال الله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِـمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72].

التسلح باليقين لمواجهة الأمراض النفسية:

لا شك أن هذا الوباء صحب معه أمراضاً نفسية كثيرة؛ خاصة في فئات المرضى كبار السن وذوي الفقر المدقع في المال والمسكن، ولذلك ما فئت منظمة الصحة العالمية تحذر من ظهور أمراض نفسية خطيرة مع انتشار الوباء. وزاد من تضخم الأزمة النفسية على البشرية انتشار المعلومات الخاطئة والشائعات وتدفق الحديث عن الوباء عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذا سبب في ظهور ضغوطات نفسية ووساوس قهرية خوفاً من الإصابة بالعدوى والموت.

لكن المؤمن المتيقن بربه عز وجل مطمئن البال منشرح الصدر لأنه يعلم ويؤمن أن كل شيء بأجلٍ وقضاءٍ وقدر؛ فالمرض والشفاء والعدوى والموت... كل ذلك بتدبير الله وتقـديره، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: ٢٢]؛ فما عليه إلا الرضا والصبر. ومما يزيد المسلم تفاؤلاً وانشراحاً؛ احتساب أجر الصبر على الطاعون ولو بالمكوث في البيت، عَنْ عائشَةَ رضيَ اللَّهُ عنها أنَهَا سَأَلَتْ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم  عَن الطَّاعونِ، فَأَخبَرَهَا أنه «كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى منْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ تعالَى رحْمةً للْمُؤْمنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُون فَيَمْكُثُ في بلَدِهِ صَابِراً مُحْتَسِباً يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ»[3].

ثانياً: دروس فقهية وتعبدية:

الخاسر في هذه المحنة حقاً هو من اعتبرها حدثاً عابراً، ستمر كما مرت عليه كل الأزمات ولم يأخذ منها ولو درساً واحداً في حياته. والمسلم بصفتِه متعبَّد لربه فإنه يعتبـر كل محنـة منحة، ويعلم أن كل بلية معها عطية. لذلك أحرى به أن يستفيد ويعتبر.

وبالنظر الفقهي إلى أزمة الوباء نخرج برسائل فقهية وتعبدية عديدة على مستويات فردية وأسرية واجتماعية كما يلي:

مقصد الحفاظ على الحياة:

كشفت هذه الجائحة عن وسطية شريعة الإسلام وسماحته في الأحكام والعبادات؛ فبعد تيقُّن انتشار المرض وخطورته على الأرواح بادرت الهيئـات الفقيهة الإسلامية الرسمية وغير الرسمية إلى إصدار بيانات وقرارات بإيقاف صلوات الجُمَع والجماعات في المساجد ومنع أداء مناسك العمرة مؤقتاً. واتخذت تدابير أخرى في بعض الدول بحلِّ المساجد تحت شروط التباعد الجسدي بين المصلين. هذه الإجراءات الصحية كان هدفها الأساسي هو الحفاظ على حياة الأرواح والسلامة الجسدية للمسلمين.

ويدل هـذا التنـزيل الفقهي على سعة الإسلام وشمولية أحكامه، وهذا يوافق ما تقرر في أصله عند علماء أصول الفقه أن مبدأ الحفاظ على النفس من الضرورات الخمس التي جاءت بها مقاصد الشريعة؛ فالشرع شدد في الأمر على حفظ روح الإنسان، وألاَّ يلقي بنفسه إلى التهلكة، فقال تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]. قال الغزالي رحمه الله: «ومقصود الشرع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة»[4].

فالمسلم في هذه الأزمة يلتزم بالحَجْر في منزله حتى لا يُعْدي الآخرين في حال كان مريضاً، كما يتوقى خطورة المرض ويهرب من موطن الهلاك نجاةً بنفسه، وهو يعلم يقيناً أنه لن يصيبه إلا ما كتب له، كما يعلم في الوقت نفسه أنه موعود في الشرع باكتساب أجر صلاة الجمع والجماعات والعيد ولو أنه محبوس في بيته ومسكنه. جاء في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيماً صَحِيحاً»[5]، يعني «أن الإنسان إذا كان من عادته أن يعمل عملاً صالحاً، ثم مرض فلم يقدر عليه، فإنه يكتب له الأجر كاملاً. والحمد لله على نعمه»[6].

تأكيد عبادة الطهارة:

مع انتشار الوباء في العالم ظهرت عادات صحية جـديدة في حياة الناس، لم يألفوها من قبل ولم يكونوا يلقون لها بالاً، تأتيهم نصائح جدية من منظمة الصحة العالمية ومن الوزارات الصحية بضرورة الحرص على ممارسة النظافة الجسدية والتنفسية اليومية، وغسل اليدين جيداً بالماء والصابون بصفة متكررة، واستعمال معقمـات اليـدين، وتجنُّب لمس العينين والأنف والفم، وتغطية الفم والأنف بالمرفق أو بمنديل ورقي في حالة الكحة أو العطس والتخلص منه فوراً في صندوق مغلق... إلخ، هذه الوصايا والإرشادات كان لها الأثر الفعال في منع انتشار العدوى بين الناس وقللت من خطورته في المجتمعات الإنسانية، غير أن الذي نَنْشده هنا هو الإشارة إلى أن هذه التوجيهات في توافق وانسجام مع مقدمات الطهارة في شريعة الإسلام.

الطهارة في الإسلام باب متسع فيه أحكام فقهية معلومة بأدق التفاصيل والجـزئيات، يجمـل ذلك أن الإسلام دين الطهارة والنظافة، حثَّ المسلمين على العناية بهما، وأولُ باب في العبادات يتعلمه المسلم هو باب الطهارة، فهو شرط في الصلاة ومقدمة لتصحيح العبادة لله رب العـالمين، ومن لا طهارة شرعية عنده لا صلاة صحيحة له، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تقبل صلاة مَنْ أحدثَ حتى يتوضأ»[7]. وقد امتدح الله تعالى المتطهرين، فقال سبحانه: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْـمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: ٢٢٢]، وأثنى عز وجل على أهل مسجد قباء بفعل الطهارة بقوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْـمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108].

«وعناية الإسلام بجعل المسلم دائماً طاهراً من الناحيتين المادية والمعنوية أكمل وأوفى دليل على الحرص الشديد على النقاء والصفاء، وعلى أن الإسلام مَثَلٌ أعلى للزينة والنظافة، والحفاظ على الصحة الخاصة والعامة، وبناء البنية الجسدية في أصح قِوام وأجمل مظهر وأقوى عماد، ولصون البيئة والمجتمع من انتشار المرض والضعف والهزال؛ لأن غسل الأعضاء الظاهرة المتعرضة للغبار والأتربة والنُّفايات والجراثيم يومياً، وغسل الجسم في أحيان متكررة عقب كل جنابة، كفيل بحماية الإنسان من أي تلوث، وقد ثبت طبياً أن أنجع علاج وقائي للأمراض الوبائية وغيرها هو النظافة، والوقاية خير من العلاج. وقد امتدح الله تعالى المتطهرين، فقال: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْـمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: ٢٢٢]»[8]. فالمسلم يتخذ الطهارة عبادة يلتزم بها يومياً، سواء أكانت تعـبدية حكمية (طهارة الثوب وأعضاء البدن ومكان الصلاة من النجاسة في الطهارة الصغرى والكبرى)، أم طهارة أدبية فضائلية مثل آداب قضاء الحاجة والعطاس والتسويك والأكل وتجنب كل المستقذرات والنجاسات الحسية حتى تطهر روحه وجسده معاً.

فما يكرره الخبراء والأطباء يومياً على المواطنين بضرورة الحفاظ على العادات الصحية لتجنب انتقال عدوى المرض ما هو إلا توكيد لبعض مبادئ الطهارة في الإسلام، ونحن - المسلمين - أولى من غيرنا بالالتزام بهذه الإرشادات الصحية الضرورية في هـذا الظرف لأننا نعلم وَفْقَ الشريعة أنها من دين الله وأننـا نؤجَر على ذلك بإذن الله تعالى.

الإرشاد المتكرر طريق للالتزام بالأوامر الشرعية:

لعل هذه الجائحة كشفت عن ثمرة أخرى من الثمار اليانعة وهي أهمية النصح والإرشاد المتكرر في الالتزام بالتوجيهات والنصائح التي يقدمها الخبراء والوزارات الصحية؛ ففي كل يوم بل في كل لحظة يتردد على آذاننا التحـذير من مخاطر الفيروس وطرق الوقاية، ونظل نسمع نصيحة بكل لغات العالم: «ابقوا في منازلكم»... «نظفوا أياديكم»... إنها في الحقيقة إرشادات صحية أثبتت مدى فاعلية الحَجْر الصحي والتدابير الوقائية في مواجهة جائحة كورونا، ولكن العامل الفعال فيها هو آلية التكرار؛ فلولاه ما التزم المواطنون بهذه الإرشادات! ولولاه لتهاون الناس! ولولاه لحصد الفيروس القاتل مزيداً من الأرواح البشرية!

هاهنا سيقف أولئك الذين يعيبون بالأمس على العلماء والدعاة تكرار الأوامر والنواهي، وتكرار فضائل وقبائح الأعمال... سيقف أولئك عاجزين عن نكران أهمية التكرار ومزاياه من أجل الالتزام بالنصائح والتوجيهات الضرورية في النجاة من الهلاك المتحقق.

إنه في الحقيقة أسلوب قرآني ومنهج نبـوي! يعاد فيهما التذكير كل مرة بأصول الدين من التوحيد والبعث والحساب والجنة والنار، يتكرر فيهما بأساليب متنوعة الترغيب في فضائل الأعمال من الخير والصلاح، والترهيب من القبـائح والرذائل، وذكر نماذجها مكررة في بلاغة وروعة من المواعظ والعبر والقصص والأنباء.

هذه الأزمة أسفرت لنا إذن عن كنز ثمين؛ وهو أن بناء الأفراد والجماعات والمجتمعات وتزكية الأخلاق لن يكون إلا عن طريق التوجيه والإرشاد المتكرر؛ فما أحوج الآباء والأمهات وكذلك العلماء إلى استثمار هذا المبدأ في إعادة التوجيه والتربية والبناء، لا سيما ونحن في عصر طوفان التكنولوجيا ووسائل التواصل التي تضل معها أصول وأخلاق الإسلام، وأداة التكرار ستكون أداة فعالة ومنهجاً قويماً إلى إعادة غرسها واستنباتها.

ثالثاً: دروس في فقه الأسرة:

بما أن هذه الجائحة أجبرت البشرية على المكوث في البيوت، وحملت الناس أن يستردوا الاجتماع والدفء العائلي الذي طالما فقدوه بسبب الارتباطات الاقتصادية والاجتماعية وتزاحم الأشغال الخارجية؛ فإن أهم درس استفادته الإنسانية جمعاء هو أهمية العودة للمجالسة الطويلة للأهل والأبناء وما يتبع ذلك من التفرغ إلى بناء وإرساء اللبنة الأولى لبناء المجتمع وهي لبنة الأسرة؛ فكيف يمكننا إذن أن نستثمر مرور هذا الوباء في فقه الأسرة المسلمة؟

من أهم تلك الدروس والرسائل التي تستفيدها الأسرة المسلمة من هذه الجائحة بشكل عام هو التربية الدينية في البيت، ومنها:

اتخاذ مسجد في بيت المسلم:

من أهم الحسنات التي عاد بها الوباء على الأسرة المسلمة هي اجتماعها للذكر والمذاكرة ولقراءة القرآن وحفظه وأداء الصلوات المفروضة ولصلاة التراويح وحتى صلاة العيد، فأصبح بيت المسلم بذلك مسجداً تؤدى فيه العبادات والشعائر الدينية.

وستحيي الأسرة بذلك سنة مهجورة وهي اتخاذ مصلى ومسجد في البيت اتباعاً لسنة السلف الذين كان من عادتهم أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدَّة للصلاة فيها، وتأسياً بقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْـمُؤْمِنِينَ} [يونس: 78]. ولا شك أن إحياء هذه السنة في بيوت المسلمين سيكون له الأثر البالغ في العبادة والتربية والتزكية.

مدارسة القرآن:

بعض بيوت المسلمين في ظل هذه الجائحة تبدَّى لهم أهمية مدارسة القرآن وقراءته وتعلمه وحفظه، والصلاة به، فقد تبيِّن لهذه الأُسَر مدى التقصير إن لم يكن الفقر القرآني في بيوتهم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»[9] ولعل هذا الوباء سيكون دافعاً لكل أسرة مسلمة هاجرة للقرآن أن تعيد النظر مع كتاب الله والبُعد عن هجرانه.

التربية والتعاون الأسري:

أصبح الأب مرغماً على الجلوس في البيت طوال النهار بعد ما كان يغيب عن أولاده طوال الوقت. هذه المجالسة الطويلة للأهل والأولاد والتقرب منهم ستقلب خطط التربية ومفاهيمها عند الآباء خاصـة منهـم المقصرين، وستظهر لهم التربية الدينية، وشدة العناء في البناء ورعاية الغرس حتى يعطي الثمار المرجوة، قال الله عز وجل: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] وقال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء:١١].

ومن السنة قولُه صلى الله عليه وسلم  في الحديث الجامع في التربية: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[10]. وروى الإمام أحمد: «لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ، أَوْ أَحَدُكُمْ وَلَدَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ كُلَّ يَوْمٍ بِنِصْفِ صَاعٍ»[11]. والأحاديث والآثار في أهمية التربية وفضائلها كثيرة.

خاتمة:

فوباء (كورونا) إذن فرصـة ثمينـة للمسلمين قبل غيرهم لتصحيح المسار والأَوْبة إلى الطريق المستقيم والمنهج القويم الذي ارتضاه الله للبشرية، كما أن هذه الظرفية أيضاً أظهرت لنا الحاجة الماسة إلى فقه للأوبئة والأزمات تُستخرَج منها الدروس والعبر.

 

 

________________________________________

[1] جامع البيان في تأويل القرآن، ابن جرير الطبري، 17/ 478.

[2] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/ 93.

[3] صحيح البخاري، 5734.

[4] المستصفى، أبو حامد الغزالي، ص 174.

[5] صحيح البخاري، 2996.

[6] شرح رياض الصالحين، محمد بن صالح العثيمين، 2/ 179.

[7] صحيح البخاري، 135.

[8] الفقه الإسلامي وأدلته، وَهْبَة الزحيلي، 1/ 239.

[9] مسند أحمد رقم الحديث 1947، سنن الترمذي رقم الحديث 2913.

[10] صحيح البخاري، 2558.

[11] السلسلة الضعيفة، ناصر الدين الألباني،  1887.