الفشقة إحدى مناطق النزاع الحدودي بين دولتي السودان وإثيوبيا. ورغم اتفاق الطرفين على سودانية المنطقة إلا أن طبيعتها السهلية والتداخل البشري بين البلـدين وخصوبة أراضيها جعلها دائماً إحدى النقاط الساخنة التي تشتعل فيها التوترات من آن لآخر.

التصريحات والتهديدات التي تناقلتها وسائل الإعلام بشأن تلك الاعتداءات تدل على أن شيئاً ما وراء الأكمة، وهو الأمر الذي يمكن قراءته في بيان المتحدث باسم الجيش السوداني (العميد عامر محمد الحسن) في تعليقه على الاشتباكات: «ارتأينا إعطاء الفرصة للدبلوماسية في الخرطوم وأديس أبابا، قبل اندلاع الحرب الشاملة بين البلدين». وهنا إلماح في بيان رسمي بإمكانية قيام حرب شاملة، كما شكَّلت زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي (عبد الفتاح البرهان) إلى مناطق الحدود بين السودان وإثيوبيا، وتصريحاته القوية بشأن قدرة القوات المسلحة السودانية على حماية الحدود والمواطنين، وعدم السماح بالتعدي على الأراضي السودانية، تأكيداً على أن المناوشات التي حدثت في منطقة الفشقة هذه المرة ليست كسابقتها.

ما أثار حفيظة الجانب السوداني هو دخول الجيش الإثيوبي في المشهد؛ فالميليشيات الإثيوبية التي أثارت الفزع في المنطقة جاءت هذه المرة مسنودة بالجيش الإثيوبي وأدت لمقتل ضابط سوداني برتبة نقيب وإصابة 7 جنود، إضافة إلى مقتل عدد من المدنيين وإصابتهم.

هل تعمدت إثيوبيا إدخال الجيش الإثيوبي في تلك المنطقة كرسالة سياسية للحكومة السودانية أم لأسباب داخلية خاصة بالشأن الإثيوبي؟ هل أراد السودانيون استغلال الحدث، أم كان رد الفعل طبيعياً ومتوقعاً؟

في التحليل السياسي يمكننـا تقـدير موقف هذا الحدث من خلال ثلاثة أنساق سياسية:

أولاً: تقدير الحدث على أنه أحد فصول التوترات المستمرة في هذه المنطقة، ولا يحمل أيَّ دلالات سياسية بعيدة عن مجال الحدث نفسه، ويستند هذا التحليل إلى أن المناوشات في تلك المنطقة قديمة ولم تنقطع رغم العديد من الاتفاقات الرسمية والتعهدات بين الطرفين.

النسق الثاني: يتعلق بوجود طرف خارجي سعى لتأجيج الصراع بين الطرفين، وأن الفاعل السياسي هنا هو مجرد أداة سياسية في يد قوى خارجية تدفع بالتوترات في المنطقة لصالحها، سواء كانت تلك القوى إقليمية أم دولية، وهنا يبرز الدور المصري والحديث عن سد النهضة والعلاقات المصرية السودانية والتقارب السياسي بين فريق البرهان والنظام السياسي في مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي، بهدف جذب السودان إلى الجـانب المصري من منطقـة الوسط الحيادي التي يحاول أن يبدو عليها النظام السوداني.

النسق الثالث: النظر لهذا الحدث من خلال المقولة التقليدية حول العـلاقة بين الأزمـات الداخلية واللجوء إلى إحياء أو افتعال المشكلات الخارجية بهدف تخفيف الضغط على الأنظمة الداخلية أو لفت الانتباه بعيداً عن المشكلات الداخلية.

فالسودان يعيش مرحلة انتقالٍ سياسيٍّ هشٍّ، منذ الإطاحة بالرئيس السوداني السابق عمر البشير، وأزماتٍ اقتصاديةٍ صعبةٍ أثَّرت على حياة الناس، ونزاعٍ سياديٍّ مبطَّنٍ بين شرعية المجلس العسكري بقيادة البرهان، وحكومة حمدوك التي تقدم نفسها على أنها حكومة ثورة لم تقدم للشعب إلا القليل وتحوطها الاتهامات بالفشل من كل جانب.

بينما إثيوبيا تعاني من أزمة سياسية داخلية؛ فالتحالف السياسي الذي يقوده آبي أحمد (رئيس الوزراء الإثيوبي) يشهد حالة من الانقسام وعدم الانسجام، وهناك توتر داخلي بين عدد من القوميات الإثيوبية وهي على مشارف انتخابات تشريعية تم تأجيلها بحجة تداعيات وباء كوفيد19، كما أنها تشهد توتراً خارجيـاً مع مصـر، بسبب أزمة سد النهضة، وكذلك مع جارتها إريتريا التي تبقى غير راضيةٍ عن عدم استكمال تطبيع العلاقات بينهما وترسيم الحدود.

يبدو النظامان في كلٍّ من السودان وإثيوبيا في حالة من التأزم على الصعيدين الداخلـي والخارجي، لذا فهما في حاجة إلى قنبلة من الدخان السياسي يغطيان بها على الأزمات الحقيقة التي يعانيان منها، وإن كان من دلالة سياسية للحدث فهي في وجود أزمات سياسية حادة داخل الهياكل البنائية للنظامين يحاولان التغطية عليها بافتعال أزمات مصطنعة، ويظل استخدام القوة والسلاح وإشعال الحروب أو التلويح بها أكثر أدوات الطغاة المأزومين للتغطية على أزماتهم وفشلهم، وإثارة روح الوطنية لدى شعوبهم والتلاعب بمشاعر الجماهير، تُكأة لهم للبقاء في السلطة أطول وقت ممكن، لكن سرعان ما تنكشف ألاعيب الطغاة ويجدون أنفسهم في حالة عري سياسي كامل أمام شعوبهم ولا يجدون ما يسترون به عوراتهم السياسية.