لقد سبقت كلمة الله تعالى التي لا مردَّ لها ولا مخالف لها لعباده المرسلين وجنده المفلحين أنهم الغالبون لغيرهم، المنصورون من ربهم سبحانه نصراً عزيزاً، يتمكنـون فيه من إقامة الدين والتمكين له في الأرض، وهزيمة الكافرين الذين يحـاربون الإسلام ويصدون عن سبيل الله تعالى. فالنصر بيد الله تعالى وليس بكثرة عَدد ولا عُدد.

وهذا الوعد من الله تعالى سنة من سننه الماضية كما تمضي الكواكب والنجوم في مداراتها المنتظمة، وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان، ولكنها مرهونة بتقدير الله تعالى يحققها حين يشاء.

لكن النصر يتحقق لا محالة متى استُوفيت شروطه، وانتفت موانعه.

ومن شروط النصر:

أولاً: الاستقامة على منهاج الله تعالى

بطاعة أمره واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: ٧]. فلا بد من إحراز النصر أولاً في واقع النفوس، فتتجرد لله جل ذكره، وألَّا تشرك به شيئاً، شركاً ظاهراً أو خفياً، وأن يكون الله تعالى أحبَّ إليها من ذواتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكِّم شرعه في رغباتها ونزواتها، وحركاتها، وسكناتها، وسرها وعلانيتها، ونشاطها كله[1].

وكذلك من الواجب إحراز النصر على صعيد المبدأ والمنهاج، فلا يدعى إلى شخص أو حزب أو راية عِمِّية أو أي غرض من أغراض الدنيا. والمراد بهذا سلامة القصد[2].

كما أن لله - جل ثناؤه - شريعة ومنهاجاً لحركة الحياة يقوم على قواعد وموازين وقيم ثابتة، ونظرة خاصة للكون والإنسان والحياة، فينبغي الذود عنه والسعي لتحكيمـه في كل منـاحي الحياة بوعـي وبصيرة وفهم لطـرق إنزاله على الواقـع، والمراد بهذا سلامة الفهم.

ثانياً: التزكية النفسية والائتلاف

بتوطين النفوس على الصبر على البلاء، والنَفَس الطويل، وعدم العجلة، والثبات على الحق، والتركيز على الجانب العبـادي وتكثيفه بالإكثار من ذكر الله تعالى، وقيام الليل، والتربية على الزهد في الدنيا، وإنشاء همِّ الآخرة، وانتظار موعود الله فيها، والسعي إلى رصِّ الصفوف، ورأب الصدع، وتأليف القلوب، والابتعاد عن كل ما يسبب الفرقة والشحناء والبغضاء بين المؤمنين[3].

ثالثاً: معرفة الذات والخصم معرفة جيدة

فالحق إذا وجد أنصاراً وأعواناً يسيرون على سنة الاجتماع في التعاون والتناصر، ويؤيدون الداعي إليه بالثبات والتآزر، فإنه لا يلبث أن يدمغ الباطل وتكون العاقبة لأهله. لكن إذا شابت حقهم شائبة من الباطل، أو انحرفوا عن سنن الله في تأييده، فإن العاقبة تنذرهم بسوء المصير. ذلك أن القرآن الكـريم يوجهنا في قضايا الصراع مع أعدائنا إلى أن نعرف أنفسنا وكُنْهَ استعدادنا لنكون على بصيرة من أمرنا، ومن السير على سنن الله في التدافع والحفظ، وأن نعرف كذلك حال وقوة خصومنا وتأهبهم واستعدادهم، ونعرف ميــــــــزان القوى بيننا وبينهم، وإلا كنا غير مهتدين بسنن الله في النصر والظفر[4].

رابعاً: النصر منوط ببذل الجهد والعمل الجاد

ذلك أن السنن لا تحيد ولا تميل مع الأماني؛ وإنما تتأثر بالأعمال الجيدة والجهود المنظمة والمخططات المحكمة، للوصول إلى النتائج المحددة المرجوة. ومعنى هذا أنه لا يمكن أن يتحقق النصر بغير الأخذ بالأسباب وبذل ما في الوسع.

خامساً: أن يغيِّر المسلمون ما بأنفسهم

حتى يغيِّر الله تعالى ما بواقعهم، ويمكِّن لهم في الأرض.

سادساً: إعداد القوة:

 بحشد الطاقات البشرية والمادية التي تساعد على إحراز النصر.

سابعاً:  إخلاص النية والتجرد لله تعالى ودينه

حيث تستقي الحرب مشروعيتها من إعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه.

ثامناً: بذل الأمة ما تملكه من رصيد

فلا تستبقي غالياً ولا رخيصاً إلا بذلته هيناً في سبيل الله عز وجل.

تاسعاً: فهم واستيعاب أبعاد الواقع الجيوسياسي الذي تدار المعركة في كنفه

 باستثمار للخصائص البيئية والجغرافية للموقع عسكرياً، امتثالاً لقوله عليه الصلاة والسلام: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة»[5]. وهو ما يمكن أن يطلق عليه: (التوظيف الإستراتيجي للواقع[6].

عاشراً: حفز وصقل المخزون الإيماني المتجذر في الوجدان الجمعي للأمة

إذ جعله الإسلام العامل الأكثر حسماً في توجيه مسار الحرب؛ لأن معية الله تعالى للمؤمنين بالعون، والتأييد ثم بالنصر، تتناسب طرديّاً مع كمية الإيمان وعمقه في نفوسهم.

الحادي عشر: تقوى الله تعالى وذكره في جميع الأحوال

بالصبر والمصابرة في قتـال العدو، مع التوكل عليه عز وجل والثقة به والاعتماد على تأييده ومعونته وحده، دون غيره من الأسباب: {وَمَا النَّصْرُ إلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ} [الأنفال: 10]، لأن الله تعالى هو الفاعل للنصر مهما تكن أسبابه المادية المعنوية؛ إذ هو المسخِّر لها.

فإذا تخلَّفت الشروط سالفة الذكر تخلَّف النصر بطبيعة الحال، وربما حلت الهزيمة.

وإن الـذين يرثون الكتـاب وراثة بالاسـم وشـهادة الميلاد، ولا يترجمون ما فيه من الأوامر والنواهي واقعاً سلوكياً، ثم يقولون سيغفر لنا! لا يستجيب الله تعالى لهم ولا ينصرهم حتى يعودوا إلى العمل بما أُمروا به في الكتاب المنزل[7]: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلَّا الْـحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169].

موانع النصر:

إن العوائق والتحديات التي تعترض سبيل النصر كثيرة، وبعضها أخطر من بعض، ولذا سأقتصر على ذكر أهم الموانع، وهي:

أولاً: اليأس أو الهزيمة النفسية من الداخل

وهذا الداء في حدِّ ذاته من أكبر الموانع التي تحول دون تحقيق النصر؛ فلا يجتمع الوهن والاستكانة مع الإيمان الحقيقي أبداً، لقوله تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 193].

ثانياً: التنازع والاختلاف والشحناء والبغضاء والأهواء المتشرعة

وهي عوائق تمزق وحدة الصف وتعصف بالألفة وتسبب الفشل وذهاب الريح.

ثالثاً: أمراض قلبية في المجتمع نفسه

من ركون إلى متاع الدنيا وحطامها، وتحاسد، وغرور، ورياء، وكبر، وعُجـب، وطمع، وجبن، وبخل... وهي أمراض داخلية تصيب الإنسان بنكسة في علاقته بالمثل الأعلى؛ وهو ما يجعل الشخص عاجزاً عن القيام بأداء وظيفته الاجتماعية في جسم الأمة. وهذه الأمراض إذا تكاثر المصابون بها، فإن الضعف الذي يصيب مراكز الفكر في المجتمع يجعله لا يقوى على أية مواجهة تتطلب بسطة في العلم والجسم[8].

رابعاً: النقص في التربية على الإيمان والصبر واليقين والثبات

وذلك يجعل الأفـراد غير قادرين على مجابهـة المصاعب والصمود في وجه الأحداث.

خامساً: العوائق الخارجية

المتمثلة في الأعداء الذين يرقبون حركة المسلمين ويتربصون بهم الدوائر ويكيدون لهم كيداً، حتى لا تقوم للمسلمين قائمة ولا تجتمع لهم كلمة.

وهكذا، فإن سنة الله تعالى في نصر المؤمنين سنة ماضية لا تتخلَّف أبداً، وإنها تتحقق كلما تحققت شروطها وانتفت موانعها. وإن على المسلمين إن تاقت نفوسهم إلى النصر أن يوفروا شروطه ويتلافوا موانعه.

قد يتبادر إلى الذهن سؤال وجيه وهو: ماذا يحدث لو استوفى المؤمنون شروط النصر وتلافوا موانعه واستكملوا مقتضيات الإيمان في نفوسهم وسلوكهم، وأعدوا للجهاد عدَّته، غير أن أعداءهم كانوا أكثر منهم عدداً وأقوى منهم كفاءة وتخطيطاً وتنظيماً؟

والجواب: أن المؤمنين حين يغيِّرون ما بأنفسهم ويستعملون أدوات النصر وأسبابه لا يضرهم تفوق الأعداء عليهم، لأن الله تعالى وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين: {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51].

وقد يتأخر النصر ويبطئ لحكمة ما، وتوضع في سبيل المؤمنين العوائق، وتقوم في طريقهم العراقيل، ويرصد لهم الباطل أجناده من قوى الحديد، وأساليب الدعاية والافتراء، وحيل الكيد والمواجهة، ثم ينتهون في آخر المطاف إلى سنة الله التي لا تتخلف ولو كانت قوى الأرض كلها في طريقهم، وهي: الوعد بالنصر والغلبة: {حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْـمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110] .

إن النصر بيد الله العزيز القوي، ذي السلطان القادر على تحقيق النصر في انتقامه من أهل الكفر بأيدي أوليائه المؤمنين[9]، الحكيم الذي يدبر الأمر على خير سنن، ويقيمه بأحسن سنن، فيهدي لأسباب النصر الظاهرة والباطنة من يشاء، ويصرف عنها من يشاء بحكمته، ومن ذلك الأسباب المعروفة: كالصبر، والثبات، ورباطة الجأش، والسكينة، وحسن التدبير، ومعرفة الواقع، وغير ذلك[10].

وهذا يقتضي معرفة أن الله جل ثناؤه هو الفاعل وحده وَفْقَ القاعدة الأصولية: ردُّ الأمر جملة إلى مشيئة الله المطلقة وإرادته الفاعلة وقدره المباشر[11].

وفي هذا دعوة للمؤمنين إلى الإخلاص في توحيد الله، وإلى إحسان التوكل عليه والاستعانة به؛ إذ لا يكون النصر إلا منه تعالى وبعونه وتوفيقه[12].

كما يجب اتخاذ الوسائل والأسباب، وبذل الجهد، والوفاء بالتكاليف، مع الحرص ألَّا يكون الاعتماد على الأسباب الظاهرة بأنها فاعلة؛ وإنما هي أداة تحركها المشيئة الإلهية وتفعل بها ما تريده.

 


 


[1] سيد قطب: في ظلال القرآن: 6/ 3288.

[2] عبد العزيز الجليل: متى نصر الله؟، ص 94.

[3] المصدر السابق نفسه، ص 96 - 99 (بتصرف).

[4] رشيد رضا: تفسير المنار: 4/ 143، (بتصرف).

[5] رواه ابن هشام في السيرة: 2/ 259. وقال أكرم ضياء العمري في السيرة النبوية الصحيحة: ورد بسند حسن إلى عروة لكنه مرسل: 2/ 60 .

[6] محمود سلطان: نظرات في العقيدة القتالية في الإسلام، مجلة البيان، عدد 154، ص 130 - 132.

[7] محمد قطب: حول التفسير الإسلامي للتاريخ، ص 152.

[8] جودت سعيد: حتى يغيروا ما بأنفسهم، ص 38 (بتصرف).

[9] الطبري: جامع البيان: 2/ 383.

[10] رشيد رضا: تفسير المنار: 4/ 112.

[11] سيد قطب: في ظلال القرآن: 1/ 470.

[12] الطبري جامع البيان: 2/ 383.