تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها.. الأبعاد السياسية والشرعية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
Share
Share
تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها.. الأبعاد السياسية والشرعية
تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها.. الأبعاد السياسية والشرعية


 

تحتل اللغة العربية الآن الموقعَ الثالثَ في لغات العالم من حيث عددُ الدول التي تُقرُّها لغةً رسميةً، والسادسَ من حيث عددُ المتكلمين بها، والثامنَ من حيث متغيرُ الدخل القومي في العامل الاقتصادي، وهي متأرجحة من حيث المنزلةُ في العوامل الأربعة الأخرى: (الثقافي، واللساني، والاقتصادي، والعسكري). ففي جانب النشر الإجمالي من العامل الثقافي، تحتل عالمياً المرتبة 22 و 42 في النشر العلمي خاصة، وهي إحدى اللغات الست الرسمية في أكبر محفل دولي (منظمة الأمم المتحدة)، وتهيمن على جزء من الإعلام العربي، ولها حضور في النظام التعليمي، وحضور أقل في النظام الإداري والتنظيمي. وبذلك فهي إحدى اللغات الإحدى عشرة الأكثر انتشاراً في العالم[1]، كما أنها من الثماني من بين هذه اللغات الإحدى عشرة، التي تكاد تقتسم المعمورة في ما بينها، وتحتفظ كلٌّ منها لنفسها بقاعدة جغرافية راسخة: (الماندرين في آسيا الوسطى، والإسبانية والبرتغالية في أمريكا الجنوبية، الإنجليزية في أمريكا الشمالية، والعربية في شمال إفريقيا والشرق الأدنى، والهندية والبنغالية في أغلب القارة الهندية، والروسية في أوروبا الشرقية)، كما أنها من بين اللغات الست التي يَعرِف الناطقون بها تزايداً ديموغرافياً أكثر من غيرها، وهي حسب الترتيب: (الإسبانية والبرتغالية والعربية والهندية والسواحلية والماليزية).

وأكدت الإحصائيات والأرقام أن اللغة العربية في مجال الاستخدام بالشبكة العنكبوتية الدولية (الإنترنت) تحتل المركز السابع بين أكثر عشر لغات استخداماً بنسبة 60%، وتصنِّف محركات البحث (غوغل، ومايكرو سوفت) اللغة العربية في أوائل اللغات العشر التي تستدعي الاهتمام والأولوية؛ فقد أعرب (ستيف بالمر) المدير التنفيذي لشركة غوغل عن اعتقاده بأن اللغة العربية ستصبح بشكل متزايد لغة ذات أهمية كبيرة على شبكة الإنترنت في العشر سنوات القادمة من (2010 – 2020م).

أما بالنسبة للتزايد العالمي من أجل تعلُّم العربية، فقد ارتفعت نِسَبه بشكل غير مسبوق بين الجامعات الأمريكية والأوروبية، وفي الهيئات والمؤسسات السياسية والاقتصادية والعلمية المختلفة بدول آسيا كالصين والهند وروسيا وقارة إفريقيا وقارة أمريكا الجنوبية؛ فحسب إحصاء لجمعية اللغة الحديثة في أمريكا فقد زاد عدد دارسي اللغة العربية هناك بنسبة 126% في حين زادت نسبة دارسي الإسبانية 10% والفرنسية 2% فقط. بين عامي 2009م و 2010م، وفي هذا الصدد يقول ديفيد إدواردز (المدير التنفيذي للمجلس القومي للغات والدراسات الدولية): إن تعلم اللغة اليابانية سوف يجعلك تجد عملاً، ولكن إذا كنت مهتماً بعمل حكومي أو دولي وتتحدث العربية ستكون نجماً بلا شك.

يفسر الخبراء أسباب الإقبال الدولي المتزايد على تعلم العربية بعدة عوامل (سياسية واقتصادية وفكرية وعسكرية ودينية)، فقد بدأ الاهتمام الغربي (الأمريكي والأوروبي) بذلك منذ سقوط الاتحاد السوفييتي واعتماد حلف الأطلنطي (الناتو) الإسلامَ عدواً بديلاً، ثم ما أعقب ذلك من إحداث 11 سبتمبر 2001م، وما تلاها من أحداث الغزو واحتلال أفغانستان والعراق ثم جاءت مرحلة العولمة الاقتصادية التي أوجبت ضرورة الإحاطة باللغة العربية على مستوى الدول الغربية وكذلك الدول الكبيرة في آسيا، مثل الصين التي تفوقت اقتصادياً وأغرقت العالم العربي والإسلامي ببضائعها ونجحت في الاستحواذ على أكثر من 60% من استثماراتها، وقد صاحب هذا النجاح إقبالاً كبيراً من الصينيين لتعلُّم العربية وإجادتها بفصحاها وعاميتها المختلفة. أما في الناحية الدينية فقد برزت حركة التبشير الصليبية الغربية التي كثفت هجماتها على العالم العربي والإسلامي اعتماداً على تعلُّم العربية وإجادتها، ثم ازداد الطلب على تعلُّم لغة القرآن بعد الصحوة الإسلامية التي بدأت في الثمانينيات؛ وخاصة في الدول غير الناطقة بالعربية مثل (تركيا، وإيران، وإندونيسيا، وماليزيا... إلخ)، وقد صاحبت الهجمةَ العسكرية الغربية على العالم العربي والإسلامي هجمةٌ فكريةٌ حاولت فيها بث فكر الحداثة وما بعد الحداثة، وتغيير الإسلام وتطويعه ليكون إسلاماً علمانياً حداثياً يتوافق مع مبادئه ومصالحه.

سجلت الإحصائيات العالمية إقبالاً متزايداً على القراءة عن الإسلام، وكذلك إقبالاً كبيراً على الدخول في الإسلام من قِبَل الغربيين بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م وغزو أفغانستان والعراق، وهو ما كان له أكبر الأثر في الطلب المتزايد لتعلُّم العربية لفهم القرآن والسنة وعلوم الدين.

إلا أن مسألة تعليم العربية لهؤلاء قد داخلها إشكاليات كبيرة؛ وذلك لعدم وجود خطة إستراتيجية موحدة لا دارة تلك البرامج وتوجيهها والاستفادة منها بدلاً من الاستسلام للاختراق الغربي الذي دخل طالباً التعلُّم وخرج تاركاً السموم الفكرية والعقائدية، التي يحملها عبر هذه المنظومة التعليمية. في هذا الإطار يجب أن يضع القائمون على الأمر خطة موحدة لمراكز وهيئات تعليم العربية لغير الناطقين بها من خلال ثلاث منظومات:

الأولى: المنظومة التعليمية:

وتشمل العناصر الآتية:

تحديد المناهج التعليمية حسب الهدف من الدراسة: فإن كان الهدف إعداد مدرسين للعربية في الدول التابعين لها فهذا مستوى، أو إعداد صحفيين أو إعلاميين فهذا مستوى، وإن كان الهدف تعلُّم علوم الدين الإسلامي فهذا مستوى ثالث.

اختيار نوع الفصحى تبعاً للمستوى الذي يطلبه المتعلم، ومن ثَمَّ يكون البرنامج التعليمي بالكامل من هذا المستوى (فصحى التراث – فصحى الصحافة – فصحى البحوث العلمية)... إلخ.

استخدام علم اللغة التقابلي لتحليل الأخطاء والصعوبات المتوقَّعة؛ وذلك من خلال المقارنة بين لغة المتعلم واللغة العربية؛ فيتم المقارنة بين حروف العربية وحروف اللغات المقابلة والبحث عن مواضع الصعوبة النطقية والكتابية وغيرها من السبل التي يوفرها هذا العلم.

عرض النحو في هذه المناهج بطريقة تختلف عن النحو المقدَّم للناطقين بها، من حيث السهولةُ والاختصارُ وتعلمُ تلك القواعد عبر نصوص وقصص وقطع للفهم دون تخصيص كتاب للقواعد النحوية منفرداً.

النظر في جدوى التجارب التي تقوم بهــا جامــعات أو مراكز عربية وإسلامية، مثل تجربة جامعــة الأزهــرالتي تنوي البدء فيهاالخاصة بإعداد جامعة للوافدين من غير الناطقين بالعربية لتدريس العربية وعلوم الدين الإسلامي بأسلوب ولغة سهلة باعتبارها لغة ثانية لهم. مع ضرورة إدراك أن جامعات الغرب مثلاً لا تفعل هذا في ما يخص تعلُّم لغتهم ليستفيد المتعلم من الدراسة في بيئة اللغة ومحضنها الثقافي.

الثانية: المنظومة العقائدية:

وتشمل العناصر الآتية:

إعداد مناهج تعليم العربية التي يخرج منها الطالب وهو على فهم لمبادئ الإسلام وأركانه، ويكون هذا المنهج على مستويين: الأول: مستوى موجه لغير المسلمين، والثاني: موجه للمسلمين.

مراقبة الهيئات والمراكز التي تقوم بتعليم العربية للأجانب ومراجعة مناهجها خوفاً من تسلل من يبشِّرون بالنصرانية أو مَنْ يشوهون الإسلام عن طريق استخدام هذه المناهج.

إحياء مشروع كتابة اللغات الإفريقية بالحرف العربي (القرآني) الذي بدأته منظمة الإيسيسكو (المنظمة الإسلامية للثقافة والعلوم) ولم تكمله. سيساعد هذا المشروع على سهولة تعلُّم العربية وسهولة تقبُّل ألفاظها وتعبيراتها. وقد استخدم المشروع لفظ القرآني بدلاً من العربي خوفاً من التمييز العرقي بين القبائل في أفريقيا.

 الثالثة: المنظومة الفكرية:

وتشمل العناصر الآتية:

بالنسبة لمواجهة الطلب المتزايد على تعلم العاميات المحلية، فإننا نقترح ألا نضع قواعد نحوية وصرفية وأسلوبية للعاميات؛ ولكن ندعو المتعلم لدراستها سماعياً وشفهياً دون تحديد لقواعد، ودون إعداد كتب مقابلة للفصحى.

التعرض للمذاهب الفكرية المختلفة عبر العملية التعليمية ومحاولة نقدها وتقييمها إسلامياً، وتدريب الطالب على ذلك باعتبارها من الأنشطة اللغوية التدريبية.

وضع نصوص تعليمية عن الأحداث الجارية، تنتقد الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، وتنتقد التحيز الغربي ضد الإسلام، وتعرض لسماحة الدين الإسلامي ورفضه للعدوان والقتل العشوائي، وتؤيد مقاومة الاحتلال والدفاع عن الدين والوطن والعرض.

تأسيس رابطة لمدرسي اللغة العربية للناطقين بغيرها وأخرى إلكترونية للأساتذة المهتمين بهذا الميدان يكون هدفها توحيد الخط الفكري في العملية التعليمية، وهو ما يعود أثره على الدعوة الإسلامية والأمة الإسلامية عقائدياً وسياسياً واقتصادياً.

إنشاء مجلة علمية دولية محكمة، تختص بقضايا تعليم العربية للناطقين بغيرها، والتواصل مع المستشرقين وأساتذة اللغات الأخرى للبحث في تذليل الصعوبات الخاصة بكل لغة يطلب أبناؤها تعلم العربية.

 

 

أهم المصادر والمراجع:

اعتمدتُ على مجموعة المصادر الآتية:

د. حمزة بن قبلان المزيني، مكانة اللغة العربية في الدراسات المعاصرة، بحث في شبكة الأدب واللغة (ألف لام ).

د. محمد عبد الحي: اللغة العربية والعولمة الثقافية، مجلة التعليم، المعهد التربوي الوطني بنواكشوط العدد 34 السنة 28/ 2003م.

د. عبد الحكيم العبد، العربية للأجانب (محاور ودروس وببلوغرافيا)، مركز اللغات والترجمة، القاهرة، أكاديمية الفنون، 2006م، 1427هـ.

د. محمود إسماعيل صيني، التقابل اللغوي وتحليل الأخطاء، الرياض، عمادة شؤون المكتبات، جامعة الملك سعود، 1982م.

د. عبده الراجحي، تعليم العربية للأجانب وإسهامه في تطوير بحث الفصحى، بحث بمؤتمر تعليم العربية لغير الناطقين بها، الكويت، 1985م، مكتبة مركز تعليم العربية للأجانب جامعة الإسكندرية.

(النحو) في تعليم العربية لغير الناطقين بها، بحث مقدَّم لمؤتمر تعليم العربية، ماليزيا، 1990م، مكتبة مركز تعليم العربية للأجانب جامعة الإسكندرية.

الإحصائيات من موقع الاتحاد الدولي للاتصالات وموقع إحصائيات مستخدمي الإنترنت.

د. رشدي أحمد طعيمة، تعلم العربية لغير الناطقين بها، مناهجه وأساليبه، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الإيسيسكو، الرباط، 1989م.

د. خالد حسين أبو عمشة، تقرير عن المؤتمر الدولي الأول لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، المنعقد بمركز اللغات بالجامعة الأردنية عمانالأردن في الفترة من 1 - 2 جمادى الأولى 1429هـ الموافق 6 - 8 مايو 2008م.

د. محمود على السمان، التوجيه في تدريس اللغة العربية، دار المعارف القاهرة، 1983م.

د. رشدي أحمد طعيمة، الأسس الثقافية والمعجمية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، جامعة أم القرى، معهد اللغة العربية، مكة المكرمة، 1402هـ، 1982م.


 


[1] حسب ترتيب عدد المتكلمين بها: الصينية، الإنجليزية، الأسبانية، العربية، الهندية، الروسية، البرتغالية، البنغالية، الألمانية، اليابانية، الفرنسية.

 

 


التعليقات

بوشعيب
12/24/2011 3:29:23 PM

لقد أعجبني نصكم خصوصا وأنه يتناول لغة القرآن، كتاب الله الذي حفظه الله من التبديل والتزوير. حبذا لو اضطلعت مجلة البيان بالنقاط الواردة في هذا البحث واستثمرت فيه من خلال باحثين ومحبين لهذه اللغة وتابعت تطور هذه النقط على أرض الواقع حتى لا يبقى البحث عقيما.

2
نسيم الحريه
12/20/2011 1:13:12 AM

اشكر الكاتب على مقاله القيم جدا ,وبالفعل يجب تقنين تعليم العربيه لغير الناطقين بها ,مع التفريق بين المسلمين منهم وغير المسلمين ,وذلك على مستوى الحكومات والمجتمعات والافراد,فهذا يعتبر باب من ابواب الدعوه الى الاسلام ونشر رسالته في العالم

1

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى 1 الأخيرة