ساق القاضي عياض ترجمة لأبي خارجة عنبسة الغافقي (ت 210هـ)، وحكى عجائبه وأخباره، ومنها أنه قيل عن عنبسة: «كان عنده عِلْم الزجر[1]، وبعضهم يقول: بل من خدمة الجن، ومنهم من يزعم أنه كان صالحاً يُجري الله الحق على لسانه؛ فينطق به»[2] ثم تعقَّب ذلك القاضي قائلاً: «وأنا بريء من عُهدة هذه التأويلات إلا الأخيرة؛ فالحديث الصريح يحتج لها»[3]؛ فالقاضي عياض يبرأ من عِلْم بخدمة الجان، كما يبرأ من زَجْر الطير على سبيل التشاؤم. ولما ترجم الحافظ ابن رجب لأحمد بن عبد الرحمن المقدسي (ت 697هـ) وما لديه من غرائب، فقال: «برع في معرفة تعبير الرؤيا، وانفرد بذلك؛ بحيث لم يشارَك فيه، وكان الناس يتحيَّرون منه إذا عَبَر الرؤيا، وله في ذلك حكايات كثيرة غريبة مشهورة، وهي من أعجب العجب، وكان جماعة من العلماء يقولون: إن له رئيّاً من الجن، وكان مع ذلك كثير العبادة، لكن يقال: إنه كان يتعبَّد على وجوه غير مشروعة، كالصلاة في وقت النهي! وذكر عنه بعض أقاربه أنه رأى عنده شيئاً من آثار الجن»[4]. وأورد الشوكاني عجائب العباس المغربي الذي قَدِم صنعاء اليمن سنة 1200هـ؛ فكان إذا احتاج إلى دراهم، أخذ بياضاً، وقطَّعه على حجم تلك الدراهم، ثم يجعلها في وعاء، ويتلو عليها (!) فتنقلب دراهم! وذلك بواسطة «خادم من الجن»[5]. هذه الغرائب لو علم بها بعض الرقاة لتشبثوا بها فـــي هذا التوسع المريب في الاستعانة بالجن في التداوي وحَلِّ السحر والعين وأشباهه، إضافة إلى تعويلهم على بعض فتاوى للمعاصرين، وما قد يفهمونه من كلام لابن تيمية في كتابه: «النبوات» وغيره. إن هذه النازلة تستدعي جملة من الوقفات، منها: - أن الاستعانة بالجـن لم تكـن مـن هـدي النبـي - صلى الله عليه وسلم -، ولا سـبيل السابقين الأولين من المهـاجرين والأنصـار، رضـي الله عنهم. قال ابن تيمية: «لم يستخدم (النبي - صلى الله عليه وسلم -) الجن أصلاً، لكن دعاهم إلى الإيمان بالله، وقرأ عليهم القرآن، وبلَّغهم الرسالة، وبايعهم، كما فعل بالإنس»[6]. كما أنه لم يُنقل عن جمهور الصحابة (الاستعانة بالجن في التداوي وحَلِّ السحر والعين) وهم أدرى الناس وأعمق هذه الأمة علماً وأتمِّها إيماناً؛ ولو أنهم فعلوا ذلك أو قالوه لنُقِل عنهم؛ إذ إن ذلك مما تتوفر الدواعي لنقله؛ فدلَّ ذلك على أن مجانبة الاستعانة بالجن هو السُّنة والصراط المستقيم. - أن نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان يتصرف في الجن كتصرفه في الإنس، تصرُّف عبــدٍ رسولٍ، والواجب على المسلم أن يستعمل في الجن ما يستعمله في الإنس: من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله كما شرع الله ورسوله... ولم يتصرَّف فيهم كتصرف سليمان بن داود - عليهما السلام - إذ تصرُّف سليمان بالجن هو تصرف ملكي؛ إذ كان رسولاً مَلِكاً، وكان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عبداً رسولاً؛ والعبد الرسول أفضل من الملِك الرسول[7] والجن لا تخضع بإطلاق لأحد من الناس، ولو خدمتْ أحداً؛ فلا يكون إلا بمعاوضة واستمتاع، كما بيَّنه ابن تيمية بقوله: «وليس أحد من الناس تطيعه الجن طاعة مطلقة، كما كانت تطيع سليمان بتسخير من الله وأَمْرٍ منه من غير معاوضة. قال - تعالى -: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْـجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْـجَوابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: ٢١ - ٣١]. والذي أعطاه الله لسليمان - عليه السلام - خارج عن قدرة الجن والإنس؛ فإنه لا يستطيع أحد أن يُسخِّر الجن مطلقاً لطاعته، ولا يستخدم أحداً منهم؛ إلا بمعاوضة: إما عمل مذموم تحبُّه الجن، وإما قول تخضع له الشياطين، كالعزائم[8]؛ فإن كل جني فوقه من هو أعلى منه؛ فقد يخدمون بعض الناس طاعة لمن فوقهم»[9]. والمقصود أن الاستعانة بالجن واستخدامهم مطلقاً ليست من الشرع المحمدي، ولا من التصرف القدري الذي كان آية لسليمان، عليه السلام؛ فلا هي مشروعة ولا مقدورة. - إذا كان الأصل في سؤال الناس التحريم، والأحاديث في النهي عن ذلك متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لما فيه من التفات إلى غير الله - تعالى - وافتقار إلى البشر، وهذا نوع شرك[10]؛ فكيف بسؤال الجن الذي لا ينفك عن مفاسد متحققة ومتوقَّعة؟ ولا سيما أن للجن من القدرات والتصرفات ما ليس للبشر، وهو ما يزيد البلاء، ويُعظِم الفتنة، «والجن أعظم شيطنة، وأقل عقلاً، وأكثر جهلاً»[11] و «والإنس أعقل وأصدق وأعدل وأوفى بالعهد، والجن أجهل وأكذب وأظلم وأغدر»[12]. - أن الاستعانة بالجن ليست سبباً ظاهراً في حصول المطلوب؛ ولذا أمر الإمام أحمد بن حنبل بترك ذلك، كما جاء في آخر كتاب الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلي: «وقد قال أحمد في رواية الفرج بن علي الصباح البرزاطي: في الرجل يزعم أنه يعالج المجنون من الصراع بالرقى والعزائم، ويزعم أنه يخاطب الجن ويكلِّمهم، ومنهم من يخدمه ويحدِّثه، فقال أحمد: «ما أحبُّ لأحد أن يفعله، وتَرْكه أحبُّ إليَّ»[13]. ولو كان سبباً، فإن مفاسده تربو على مصالحه، ومضرته أعظم من نفعه. والاستعانة بهم هي التفات إلـى من لا تُعـرَف أحـوالهم، ولا تُعرف أشخاصهم ولا عدالتهم؛ فهم مجهولو العين والحال، كما أن الاستعانة بالجن تفتح أبواباً من الشرور والبلايا، والشريعة قد جاءت بسدِّ الذرائع وحماية جَنَاب التوحيد، ومَنْع كل طريق يوصل إلى الشرك. وقد جاءت فتوى اللجنة الدائمة بالسعودية بمنع الاستعانة بالجن مطلقاً[14]، وكذا منعه الشيخ ابن باز - رحمه الله - والشيخ صالح الفوزان، وغيرهما. كما أن الاستعانة بالجن هي استعانة بالغائبين، والاستعانة الجائزة إنما تكون بحاضر حي قادر، بل إن هذه الاستعانة تحاكي الاستعاذة بالجن، وخاصة أن الاستعاذة والاستعانة متقاربة المعنى. أورد الحافظ ابن كثير حكاية كروم الأنصار - رضي الله عنه - وفيها: أنه خرج مع أبيه من المدينة في حاجةٍ، وذلك أول ما ذُكِر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حَمَلاً من الغنم، فوثب الراعي، فقال: يا عامر الـــوادي جارك! فنــادى منــادٍ لا نــراه يقول: يا سِرْحان[15] أرسله! فأتى الحَمَلُ يشتد[16] حتى دخل في الغنم لم تُصِبه كدمة؛ فأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بمكة: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْـجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: ٦]. قال ابن كثير: «وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحَمَلَ (وهو ولد الشاة) كان جنيّاً حتى يُرْهب الإنسي ويخاف منه، ثم ردَّه عليه لما استجار به؛ ليضلَّه ويهينه ويخرجه عن دينه، والله أعلم»[17]. ونخلص إلى أن الاســتعانة بالجن ليسـت سُــنة مأثورة، ولا سبيل سلف الأمة الأوائل؛ فهي لا تنفك عن تعلُّقٍ والتفاتٍ ينافي تحقيق التوحيد، بل ربما أفضى إلى الشرك الصراح، إضافة إلى أن الاستعانة بالجن ليست سبباً ظاهراً معقولاً، وإنما هي تعويل على مجهول، وتشبث بمن لا يدري عن عدالته وصدقه؛ فهل بعد هذا يسوغ تقرير الاستعانة بالجن؟ -------------------------------------------------------------------------------- (*) أستاذ مشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض. [1] الزجر: هو ضرب من التطير والتشاؤم. [2] ترتيب المدارك: 1/282. [3] ترتيب المدارك: 1/282. [4] ذيل طبقات الحنابلة: 2/336، 337 = باختصار. [5] انظر البدر الطالع: 1/314. [6] الفرقان بين الحق والباطل، (مجموع الفتاوى: 13/89). [7] انظر إيضاح الدلالة لابن تيمية، (مجموع الفتاوى: 19/39، 51). [8] العزائم: من أنواع السحر. [9] النبوات: 2/1014. [10] انظر: قاعدة جليلة لابن تيمية، ص 51، 66، ومجموع الفتاوى: 8/538، 10/182، والرد على البكري لابن تيمية، ص 341. [11] إيضاح الدلالة، (مجموع الفتاوى: 19/46). [12] النبوات: 2/1015. [13] الأحكام السلطانية، ص 308 [14] انظر مجلة البيان، عدد (141). [15] السِرْحان: الذئب. [16] يشتد: يُسرِع. [17] تفسير ابن كثير: 8/267، (ط دار الشعب).