ما زالت الحلبة السياسية والدبلوماسية والإعلامية في الكيان الصهيوني تعج بتفاعلات التعامل المهين من قِبَل نائب وزير الخارجية الصهيوني أمام السفير التركي في تل أبيب.
ورغم الاعتذار الصهيوني للدولة التركية، وما سبَّبه ذلك من خيبة أمل لم تتعود عليها الدولة العبرية، إلا أن الأزمة لم تنتهِ عند هذا الحد، وجميع المؤشرات الصادرة من تل أبيب وأنقرة تنبئ بأن: «شهر العسل» الذي دام بينهما لعقود عديدة أصبح خبراً من الماضي.
 
كمين أوقع صاحبه:
من الأهمية بمكان تسليط الضوء على أبرز «الخروقات» الدبلوماسية المهينة التي تلقَّاها السفير التركي في ذلك الحادث:
1 - جرى استدعاؤه بصورة سريعة؛ للتعبير عن الاحتجاج على تصريحات رئيس حكومته ضد تل أبيب.
2 - تجاهل نائب وزير الخارجية مصافحة السفير.
3 - أجلسه على مقعد منخفض عن المقاعد التي يجلس عليها نظراؤه الصهاينة.
4 - لم يقدِّم له أي مشروب.
5 - تم الاكتفاء بوضع العلم الإسرائيلي دون العلم التركي على المنضدة التي تتوسط مقاعدهم.
6 - طالبت وزارة الخارجية مصوري وسائل الإعلام بالتركيز على هذه الأمور!
المحلل السياسي «شلومو تسزنا» علَّق في صحيفة «إسرائيل اليوم» على الأزمة الدبلوماسية بقوله: «إن طقس الإهانة الذي أجراه نائب وزير الخارجية للسفير التركي أمام عدسات التلفزيون أصبح أزمة حقيقية في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب»، في ظل ارتفاع لهجة الانتقادات التركية المتواصلة ضد جرائم الحرب الصهيونية في قطاع غزة.
وقد اختار «شمعون شيفر» كبير المعلقين السياسيين في صحيفة «يديعوت أحرونوت» الرد على ما سبَّبه نائب الوزير من ردود فِعْل إقليمية ودولية غاضبة على الكيان الصهيوني بقوله: «التوبيخ الدبلوماسي المهين لم يكفِ وزارة الخارجية. ومسرحية الاستخفاف التي أخرجها نائب الوزير تبدو وكأنها مأخوذة من عهد السلاطين، ولإكمال المسرحية كان ينقص فقط الطلب من السفير الدوس على علم تركيا. ولئن تخصص وزير الخارجية ذاته بالمس المنهجي بعلاقاتنا مع جيراننا، فإن نائبه ينجح في ترجمة هذه السياسة إلى لغة مسرحية مخجلة».
وكان «إيتان هابر» رئيس ديوان رئيس الحكومة السابق، الأكثرَ جرأة في انتقاد هذا السلوك الأخرق من قِبَل وزارة الخارجية، بقوله: «لِعِلْم دبلوماسيينا «الأغبياء»؛ فإن تل أبيب المحاصَرة تحتاج أنقرة أكثر مما تحتاجها الأخيرة بأضعاف؛ لأن «بنيامين نتنياهو، وإيهود باراك» وغيرهما يسمعون شتائم «أردوغان»، فيصمتون ويُنزِلون رؤوسهم، ويأمَلون بأن تمر الموجة العكرة من فوق رؤوسهم، ويعرفوا لماذا؟
و نظر وزير الخارجية الأسبق «يوسي سريد» إلى التبعات السياسية والتاريخية لما أسماها بـ: «الفضيحة الدبلوماسية» وآثارها على ترسيخ عزلة الصهاينة على مستوى العالم، بقوله: «كان «بن غوريون» يرمي إلى إعادة الشعب اليهودي إلى التاريخ وعائلة الأمم، لكننا من جهتنا نُصِرُّ على أن نكون الابن الشاذ الأهوج؛ إذ يعيدنا «نتنياهو وليبرمان» إلى الغيتو المغلق المفصول، ويحيطوننا بجدار وسور. إن ما حصل في وزارة الخارجية لا يعطي شهادة على ثقة بالذات، بل العكس؛ إنه يُظهِر ضعفاً وكأننا ما نزال عبيداً لفرعون!
مسلسل القطيعة:
بعد الاكتفاء بجولة سريعة على أبرز ما تناولته وسائل الإعلام الصهيونية من تعليقات مندِّدة بالسلوك غير الدبلوماسي لوزارة الخارجية، يبدو من السطحية بمكان النظر إلى هذا الحادث بصورة جزئية، دون الأخذ بعين الاعتبار أبرز ملامح الأزمة بين تركيا والكيان الصهيوني منذ عام تقريباًَ، وإليك الشواهد التالية:
1 - الموقف الشهير لـ «أردوغان» حين انسحب من جلسةٍ جَمَعتْه بالرئيس الصهيوني «بيريز» في مؤتمر دافوس بسويسرا؛ احتجاجاً على عدم إعطائه الوقت الكافي للحديث عن العدوان على غزة.
2 - مَنْع تركيا الجيش الصهيوني من المشاركة في مناورة: «نسر الأناضول»، وأرجعت هذا الموقف إلى القلق العام بشأن العملية العسكرية الإسرائيلية على غزة.
في المقابل، لا تبدو الصورة موحَّدة في تل أبيب تجاه انتقاد وزارة الخارجية؛ فقد كان مقدِّم البرامج التلفزيونية السياسية الأشهر في الكيان الصهيوني «دان مرغليت»، أكثر حدَّة في توجيه اتهامات قاسية ولاذعة للموقف التركي، مؤكداً أن أنقرة - فعلاً - تريد العودة إلى مرحلة «الرجل المريض»؛ إذ يقول: إنها لحظة جنون تصيب تركيا بقيادة «أردوغان»، وهو يتصرف كـ «المخدر»، ويحتاج كميات متزايدة من المخدر ذي الرائحة «غير السامية». كل يوم يجلب معه توسيع «وباء» التحريض، ولعله يفكر باستعادة عهد الإمبراطورية العثمانية، الذي انتهى في نهاية الحرب العالمية الأولى، ولن يعود أبداً».
بينما كان البروفسور «إفرايم عنبار»، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان، ومدير مركز (بيغين - السادات)، أكثر صراحة وعقلانية حين طالب صناع القرار في تل أبيب بالتـروي في ردِّ الفعــل «المتشنج» تجــاه تركيــا؛ لأنه - كما قال -: «ما أزال متأمِّلاً، برغــم العلامــات الكثيرة التي تشهد بأنها (أي: تركيا) أخذت تنزلق في منحدر «التطرف الإسلامي»؛ فإن إسرائيل ملزَمة إلى جانب العالم الغربي بجذب «الديمقراطية التركية» نحوها؛ لأن خسارتها لصالح ما وصفه بـ: «الإسلام المتطرف» ستكون ضربة استراتيجية شديدة للكيان والغرب».
ومن ثَمَّ؛ فإن البرود الحاصل في العلاقات الصهيونية التركية (وإن جاء محصلة لتراكمات سياسية وأمنيــة) يشيــر - كما تقرأ ذلك المحافل الصهيونية جيداً - إلى قرار تركي جِدِّي بـ «النأي» عن تل أبيب مهما كان الثمن غالياً، ومهما كانت واشنطن سخية في دفع مليارات الدولارات؛ لتمويل جدول أعمال العلاقات العسكرية الأمنية (الصهيونية التركية).
وهو ما خَلَص إليه «رون بن يشاي» رئيس ديوان الإعلام في مكتب الرئيس الصهيوني حين قال: «يجب أن نصل إلى فَهْم الحقيقة «المرَّة»؛ إذ علينا الاعتراف بأن أنقرة، في الوقت الراهن - على الأقل - توقفت عن أن تكون شريكاً استراتيجياً أمنياً موثوقاً لنا، وهي حقيقة تمثِّل ضرراً فعلياً لأمننا القومي، وكل من ينظر في خريطة المنطقة سيفهم ذلك دون صعوبة.
وهو ما دفع بجملة من الأوساط داخل المحافل الأمنية والاستخبارية الصهيونية للحديث عن حلول لكيفية الرد على الأزمة؛ حيث نصح «يوسي يهوشع» الصحفي المقرَّب من الأجهزة الأمنية بأن: «الانبطاح» أمام الأتراك لن يجدي نفعاً فـي هـذه المرحـلة؛ لأن الحكـومة فـي أنقرة – حالياً على الأقل - مصممة على «هجر» التحالف مع تل أبيب!
أخيـــراً: بالرغـــم من الصورة السوداوية في العلاقة القائمة حـــالياً بين تــركيا والكيان الصهيوني؛ فـــإن المراقــب لطبـــيعة السلوك الســياسي الصهيوني تجــاه التـــوتر الحاصل مع تـــركيا، يخرج بقـــــناعـــــة أن تل أبيب لن تواصل إعــــلان غضبـــتها - عــلى الأقل إعلامياً ودبلوماسياً - لســبب هام (جيوسياسي) بالدرجـــة الأولـــى، وهو أن مــوقع تــــركـــيا (جغرافياً واستراتيجياً وسياسياً) لا يجــب أن يخضـــع من وِجهَة نظر الصهاينة لردود الفعـــل «النزِقة والمنفعلة»، بل يجب أن تعـــاد الأمور إلى نصابها، على نار هادئة؛ فهل تنجح في ذلك؟