إن الله - تعالى - الخلاَّق العليم الفعال لما يريد، يُقدِّر بعلمه ما يريد، ويمضيه بقوَّته تحقيقاً لما أراده من الحكمة في ذلك. وما قَدَّره الله وأمضاه: منه ما تظهر وتُعلَم حكمته، ومنه ما لا تُعلَم حكمته. وما تُعلَم حكمته: منه ما تُعلَم بعضها ويخفى بعضها الآخر، ومنه ما لا تتبيَّن الحكمة منه إلا بعد آماد طِوال.  والمسلم الموقن بدينه الراضي بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً، يقبل ما قَدَّره الله ويسلِّم بذلك تسليماً على أي وَضْع ونَحْوٍ جاءه. من الأمور المقدَّرة المكررة ما يقدِّره الله - تعالى - من الكوارث لحِكَم أرادها. والكارثة هي: النازلة العظيمة الشاقة التي تنزل بالأقوام: كنقص الأموال والأنفس والثمرات، وجريان السيول العظيمة، ووقوع الحروب المهلكة وتغلُّب العدو، ونحو ذلك. قال الله - تعالى - : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْـخَوْفِ وَالْـجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ٥٥١ - ٦٥١].   قال القرطبي في بيان أسباب ما يقدِّره الله على العباد من المصائب أو الكوارث: «هي: إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتــلاء واختبار، كمــا قــال - تعالى -: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْـمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: ١٣]، وإما تمحيص للـذنـوب، كما قال - تعالى -: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: ١٤١]، وللـه أن يفعــل ما يشـاء ويسـلط من يشـاء على من يشـاء إذا شاء»[1]. والمسلم في ذلك كله يتقلب بين نظرين: الإيمان بالقدر، والعمل بالشرع: - فإيمانه بالقدر يجعله يوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيستقر قلبه ويهدأ خاطره، كما قال - تعالى - : {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: ١١]. قال ابن جرير في تفسير ذلك: يقول - تعالى ذكره -: لم يصب أحداً من الخلق مصيبةٌ «إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ». يقول: إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه، «وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ». يقول: ومن يصدِّق بالله؛ فيعلم أنه لا أحد تصيبه مصيبة إلا بإذن الله بذلك، (يَهْدِ قلبه): يقول: يوفِّق الله قلبه بالتسليم لأمره والرضا بقضائه، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله - تعالى -: «وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ». يعني: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وكذلك قال الله - تعالى -: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: ٢٢ - ٣٢].  والمحنة والبليَّة والكارثة تظل كما هي؛ إذا لم ينتفع بها المسلم ويجعلْها وسيلـــة للتغييــر، كما أنها تتحول إلى منحة وعَطيَّة ربانية؛ إذا حملـت المسـلــم على النظــــر فـي ما حوله وفي نفسه وسارع بالتغيير على وَفْق البلاء النازل؛ فيعود أفضل مما كان في أول أَمْره، فمـــا تُحْدثه الكارثة أو المصيبـــة للعــبد - إذا وفَّقــه الله، تعالى، للانتفــاع بها - من الذل والخضوع والإنابة، والحذر والخوف من الله، والبكاء من خشية الله، والإقرار بفضل الله العظيم، كل ذلك: يجعلها في حقه رحمة ومنحة؛ لأنها سلكت به طريق الرشاد؛ فإنها عرَّفته قَدْره، وأشهدته فَقْره وضرورته إلى حَفْظ مولاه له. - وعمله بالشرع يجعله من المسارعين بالأخذ بالأسباب ومدافعة القَدَر بما شرعه الله - تعالى - وأقدر عليه من الأسباب؛ فلا يحمله الإيمان بالقَدَر على التواكل والإهمال وتَرْك الأخذ بالأسباب التي شرعها الله، تعالى، والتي تترتب عليها مسبباتها على وَفْق الناموس الذي أراده الله، تعالى. كما لا يحمله الأخذ بالأسباب على التوكل عليها وتعليق القلب بها وإناطة تحقيق المراد بالأخذ بها، حتى يغرَّه الشيطان بها فيظن أن بإمكانه - إذا أخذ بتلك الأسباب - أن يسيِّر الحياة وَفْق مراده، وأن شيئاً من خارجه لا يملك التصرف فيما يريده، على حد قول القائل: إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيبَ القَدَرْ  والأمران لا يتعارضان عند المسلم أبداً، بل يسيران جنباً إلى جنب، وهو يتصرف في أموره على مقتضاهما؛ فتستريح نفسه ويطمئن قلبه، ويسعى في تحقيق مصالحه الأخروية والدنيوية بجدٍّ وحيوية، من غير كلل وهو قرير العين رائق البال.إن لله - تعالى - فيما يقدِّره من النوازل الشديدة والكوارث العظيمة حِكَماً كثيرة، ومن الخطأ أن نحصر الحكمة في أمر واحد؛ إلا أن يدل على ذلك دليل صريح؛ فالحكمة قد تتعدد، وقد يكون في الحدث الواحد حِكَم كثيرة؛ لكل فرد أو طائفة ممن أصابتهم الأحداث أو الكوارث حكمة تخصهم. والسعيد من فَقِه ذلك وعمل على وَفْقِه وانتفع بالحكمة المرادة من الكارثة بخصوصه، كما أن الكوارث تكشف عن أمور كثيرة ليس من السهل الكشف عنها إلا في ظروف العسرة والشدة. ولو ذهبنا نتصفح الأدلـة الشرعية وأَعْمَلنـا الفكـر، أمكننا أن نتبين كثيراً مما يمكن أن تكشف عنه الكوارث والشدائد؛ فمن ذلك: 1 - بيان شدة الإيمان ورسوخه عند بعض المسلمين: وذلك أن البلايا والرزايا إنما تصيب الناس على قَدْْر شِدَّة دينهم وصلابتهم فيه، حتى يثبت الإيمان في القلوب وتتمايز أقدار المؤمنين ويظهر ذلك واقعاً ملموساً كما هو معلوم لدى رب العالمين؛ فشدة البلاء قد تكون دليلاً على صلابة الدين ومتانته، قال الله - تعالى -: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْـمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: ١٣]، كما قال - تعالى -: {الچـم» * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: ١ - ٣]، وقال أيضاً: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْـمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْـخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: ٩٧١]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّة ابتلي على قَدْر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة»[2]. فكانت الكوارث التي تحل بعباد الله - على ما فيهـا مـن ألم وشـدة وفـراق الأحبـاب وهلاك الأمـوال - تستبطن مِنَح العفو والمغفـرة والقـرب مـن الله - تعالى - رب السموات والأرضين. 2 - بيان شؤم الذنوب والمعاصي على أهلها: فالكوارث تبيِّن جانب العقوبات التي يُنْزِلها الله - تعالى - بالعصاة الذين عتوا عن أمر ربهم واتبعوا خطوات الشيطان؛ فكانت عقاباً دنيوياً قبل العقاب الأخروي، وذلك حتى يحذر الناس من معصية ربهم وطاعة الشيطان، أملاً في التوبة حتى يَقْدموا على ربهم مغفوراً لهم، وفي ذلك منحة أيضاً لمن عقل واتعظ بما حدث؛ فإن نزول البلاء بالعباد قد يحملهم على مراجعة أنفسهم ومعرفة أوجه التقصير أو تجاوز الحدود، فَيُحدِث لهم ذلك توبة وأوبة قد ترفعهم إلى أعلى عليين؛ فيكون العاصي المقرُّ بذَنْبه وخطئه وخطيئته التائب لربه، أعلى مقاماً من العابد المعجَب بعبادته المدِلِّ بها أو المترفع بها عن خَلْق الله. قال الله - تعالى - في بيان الحكمة من العذاب الدنيوي: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: ١٢]، وقال - تعالى -: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: ٦٧]، وكما قال: {فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: ٣٤]؛ فكان الأحرى بهم؛ إذ نزلت بهم الكوارث والشدائد أن يتضرعوا ويرجعوا إلى ربهم ويستغفروه ويتوبوا إليه.  لكن العصاة في هذا المقام نوعان: أحدهما: المباشِر لارتكابها والمتقحم فيها. والنوع الآخر: لا يباشرها بنفسه، لكنه يترك الإنكار على الواقعين فيها مع قدرته على الإنكار، وكأن هذا الصنف من الناس نسي أن المجتمع المسلم كتلة واحدة متضامنة يحض بعضها بعضاً على فِعْل الخيرات وتَرْك المنكرات، وقد بيَّنت النصوص ما ينال التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرتهم على ذلك، فقال الله - تعالى -: {وَاسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: ٣٦١ - ٥٦١]. فما ذكر الله - تعالى - نجاة أحد غيــــــر القــــــــائمين بالأمــر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الواقعـــــون فـــي المعصــــــية والســــاكتــون عــــــن إنكارها، فقـــد عمـــَّـهم عقـــــاب الله، تعـــــــــالى. وقد دلَّت السُّنة على مثل ما دلَّ عليه القرآن؛ فقــال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من قوم يُعْمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله ثم لم يغيِّروه إلا عمَّهم الله - تعالى - منه بعقاب»[3]، وفي رواية: «ما مـن قـوم يُعمـل فيهـم بالمعاصـي يَقْـدرون أن يُغَيِّروا عليهم ولا يُغَيِّروا؛ إلا أصابهم اللـه بعقـاب قبل أن يموتوا». وعندما دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على زوجه زينب بنت حجش فزعاً يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب؛ فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه؛ وحلَّق بإصبعه الإبهام والتي تليها. قالت زوجه السيدة زينب: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم! إذا كثر الخبث»[4]. فإذا كثر الخبث ولم ينكر الصالحون على الخبيثين خبثهم أو يسعوا في التغيير، عمَّهم العقاب: الطالح منهم والصالح. وما يقدِّره الله - تعالى - على الساكتين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس فيه ظلم لهم؛ فإن كان الأولون استحقوا العقوبة بظلمهم وارتكابهم المعصية، فإن الساكتين يستحقون العقوبة بظلمهم أيضاً وسكوتهم عن العصاة مع قدرتهم على التغيير، وفي هذا بيان منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعقوبة المتقاعس عن القيام به، وهو ما يحمل الناس على الحرص على القيام بهذا الواجب الذي تصلح به المجتمعات في أمور الدين والدنيا. وغير المباشِرين للمعصية الذين تدركهم عقوبة الله في الدنيا يأبى الله بعدله أن يعاملهم في الآخرة كما يعامل المباشِرين للمعصية، حتى وإن كانوا مصاحبين لهم؛ فعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يغزو جيش الكعبة؛ فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأولهم وآخرهم. قالت: قلت: يا رسول الله! كيف يُخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يُخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم»[5]؛ فبين - صلى الله عليه وسلم - أن العذاب الدنيوي يعمُّ الجميع، وأما الحساب في الآخرة فبحسب عمل كل شخص ونيَّته، وفي هذا أبلغ التحذير من مصاحبة المفسدين أهل الشر أو الاجتماع معهم في صعيد واحد، حتى وإن كانوا يكرهونهم ويخالفونهم، بل عليهم أن يهجروهم ويهجروا أماكن وجودهم حتى لا يصيبهم ما أصاب القوم الظالمين. 3 - تبليغ المؤمـن درجات عليـا ليــس عنـده من العمـل ما يؤهله لها: أعد الله لبعض الناس - لِـمَا قام بقلوبهـم من حقائق الإيمان، أو فضلاً منه ونعمة - من المنازل والدرجات العليا ما قد علم أن أعمالهم التي أسلفوها لا تُبلِّغهم ذلك؛ فيكون البلاء النازل والصبر فيه وعدم الجزع والرضى عن الربِّ مقدِّر المقادير، عوضاً عن الأعمال ومبلِّغاً لهم المنازل التي جعلها الله لهم. 4 - ظهور عبودية الناس لرب العباد: من خصائص الأمور الشديدة والأحداث الكبيرة أن تدفع الناس إلى الشعور بضآلة أنفسهم وقلة حيلتهم؛ وهو ما يحملهم على إظهار العبودية لله - تعالى - وإخلاصهم في صدق اللَّجأ إليه والتضرع والاستكانة بين يديه؛ وهو ما ينقل العبد في مراتب عالية - إذا استمر على ذلك - لم يكن من السهل الوصول إليها بغير ذلك الطريق. 5 - ترهيب الطغاة وتأمين الضعفاء: هذه الكوارث الشديدة التي تحدث في فترات وجيزة جداً لم يتوقعها أحد، فيها بيان لعظمة الله وقدرته على أن يفعل ما يشاء كيف شاء وأن قُدْرَته لا تحدُّها النواميس أو القواعد الكونية؛ لأن الكل مخلوق لله، تعالى. والمسلم يوقن بذلك بلا ريب؛ إلا أن رؤيته ذلك محقَّقاً في واقع الأمر له وَقْع إيماني خاص به، كما قال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْـمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: ٠٦٢]. إن ما يراه الإنسان من السرعة المذهلة في وقوع الكارثة التي لا تخطر لأحد على بال، تحمل الظَلَمة والطغاة على الخوف من بطش الله وعقابه، وهو ما قد يكون سبباً في توبتهم وإنابتهم، كما تبعث في نفس المؤمن اليقين في أن الله - تعالى - حَكَم عدل وأن أحداً من الطغاة الظلمة لن يفلت من عقابه، وأن الله - تعالى - لا يعجزه شيء؛ فتطمئن قلوبهم إلى قرب نصر الله وإعانته لهم. 6 - بيان تضامُن المسلمين مع بعضهم ووقوفهم في صف واحد لمواجهة الأخطار: كما جاء في الحديث: «مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»[6]. والله قادر على أن يدفع عن عباده ما يسوؤهم، لكنه يحب أن يرى عطف المسلم على أخيه؛ بحيث من لا يقوم بذلك في مثل هذه المواقف العصيبة التي تمر بجماعة المسلمين، فكأنه ليس عضواً من أعضاء تلك الجماعة. 7 - الكشـف عن الإهمــال الواقـــع من بعـض المســـؤولين أو الخيانة في القيام بما يجب عليهم القيام به: إن الحياة لا تخلو من بعض جوانب الفساد في إدارة المجتمعات وفي التصرف في الأموال المخصَّصة لصلاح تلك المجتمعات؛ فتكشف الكارثة حجم الزور الذي يتبيَّن معه أن جُلَّ النفقات على مرافق المجتمع ذهبت سدىً لم ينتفع الناس منها بشيء.  إن إهمال الأسباب والتواكل أو التكاسل يُنتِج تلك الكوارث وما يستتبعها من مِحَـــــــن وآلام، وهــــذا ربمــــــا دفعـــــهم إلى المسارعة والأخــــذ بالأســــباب ورَتـــــْق الخــــــروق؛ فيمـــــنع ذلك من كارثــــــة أشد وأقـــــــوى إذا جاءت بمعدلات أقوى من سابقتها، فكانت تلك المصيبة عـــــلى ما فـيـــــها من آلام درءاً لمصيبــــة أعظـــــم وكارثــــــة أفــــــدح. إن الكوارث والابتلاءات التي تحل بالمسلمين لها حِكَم متعددة كما رأينا، وتكشـف عن أمـــور كثيرة، والمطلـوب منــا أن لا تمر هذه الكوارث علينا من غير أن نوظفها أعظم التوظيف في الاستفادة من جميع جوانبها؛ فيُحدِث ذلك لدينا عظة وتذكُّراً وخوفاً من الله ورغبة في المسارعة في عمل الخيرات، كما تُحدِث لدينا الرغبة الأكيدة في الأخذ بالأسباب التي كان إهمال العمل بها مدعاة لزيادة الدمار الحالِّ بمجتمعات المسلمين بمعدلات غير مقبولة ولا منتظرة، وإن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس هو النظر إلى أن تلك الكوارث لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعلاقة العباد برب العباد، كما أن من الأخطاء الظن أن الأخذ بالأسباب وعدمه سيان، وأن المقدَّر واقع لا محالة مع أن الأسباب جزء من القَدَر.  نسـأل الله - تعالى - أن يحفظ الأمة مـن الشـرور كلـها والحوادث أجمعـهــا، كما نسـأله أن يــرزقنـا الفقـه في التعـــــامل الصحيــح مع هذه الحالات، وأن ينـجي المسلمين وديـارهــم مـن الكـــــوارث والشرور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تفسير القرطبي: 5/310.  
[2] أخرجه أحمد وغيره، وقال الألباني: صحيح. انظر حديث رقم: 992 في صحيح الجامع.  
[3] أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما. قال الشيخ الألباني : صحيح. انظر حديث رقم: 5749 في صحيح الجامع.  
[4] أخرجه البخاري ومسلم.  
[5] أخرجه البخاري.  
[6] أخرجه مسلم وغيره.