سيظل الشاعر حسين علي محمد - رغم فجيعتي بفقده قبل أشهر قليلة - صوتاً شعرياً يشجيني ويصهل في أعماقي، وينثر الملح في جراحي، سيظل يقاسمني أفراحي وأحزاني ما دامت الذاكرة تستحضر قوافيه وتجاربه، وسيرته الأدبية والذاتية منذ أن عرفته يحلق في فضاء الأدب الأصيل أديباً وناقداً؛ إذ صاحبته في ملتقى الأدباء الشباب مديراً للملتقى برابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض، وكان نعم الناقد لنصوصه الملقاة سنوات عديدة.

شجر الغيث:

يُلحُّ الشاعر المرحوم حسين علي محمد في شعره على الرحيل في ثنائية من الفرح والحزن، وهي ثنائية لا تكاد تغادر كثيراً من قصائده، وليست الحياة في واقعها وجوانبها المتعددة إلا مرآة صادقة لهذه المراوحة بين الفرح والحزن؛ ففي ديوانه (الحلم والأسوار) الذي يرمز لهذه الثنائية في عنوانه يقول في قصيدته (خمس قصائد...):

أحببتك يا شجر الغيث

وتحت فروعك عشت أصلي

أحلم أن تمطرني أشجارك بالسلوى والمنِّ

لكني أتقدم عبر دهاليز الحزن

ولا أبصر قدَّامي غير الأفراس الملتاعة تبكي

هل أحيا لأموت؟

وهل أحيا لأعانق أشرعة غروبي؟

تومض الأسئلة لدى شاعرنا حسين علي محمد كسنابل خضراء، لكنها أسئلة تتقدم للحزن لأننا نراه دائماً يهجس بالموت والرحيل، بل هو يحيا ليموت، ويموت ليحيا، يفرح ليعانق أحزانه، ويمعن في رسمه لمشهد الحضور والغياب: (أحببتك، أصلي، أحلم، أبصر، أحيا، أموت، أتقدم، أعانق)... هكذا يمضي في نداءاته ولوعاته: (يا شجر الغيث)!

جسر الأحزان:

نقف مع قصيدته (الرحيل) من ديوانه (غناء الأشياء) الصادر عن اتحاد الكتاب المصريين عام 2002م، التي تعبِّر عن معاناة نازفة حتى في عنوانها، والسؤال المفجع: تُرى لِمَ يهجس الشاعر حسين علي محمد دائماً بالرحيل؟

إن «الرحيل» يتكرر في دواوينه، وفي مقاطع كثيرة! ولكن هل هو الرحيل عن الحياة أم إليها؟ بل نراه قد سمى أحد دواوينه (الرحيل).

ويوغل الشاعر في المزج بين الفضاء الحسي والفضاء المعنوي، كما يمضي إلى بث خيوط الفجر رغم الليالي الحالكات فيشدو لنا حاملاً شموس أحلامه:

أترحلُ في ليـــالٍ يائســــــــــات

بأفراسٍ ضوامرَ سابحات

ولا حــــادٍ هناك ولا طـــــــريق

وتنهلُ من كؤوسٍ مذنبات؟

وقلبُك أفل، والشمسُ حُـــــلُــــم

أتشرق بعدَ موتك في الغداة؟

أأعبرُ جسرَ أحزاني وأمضـــــي

كبرقٍ في الليالي الدامسات؟

وصوت الفجر يهتف: يا فؤادي!

أَصِخْ سمعاً لضوضاء الحياة

غداً أشدو، غداً أشدو، وأشدو

بأنغام الحياة الباسمات؟

العودة إلى مكة المكرمة:

وفي ديوانه: (الرحيل على جواد النار) تطل علينا قصيدته (العودة إلى مكة) من نافذة الرحيل كذلك، لنجد أن شاعرنا حسين علي محمد يكتوي بهموم الأمة، ليضيء نفوسنا بالهمم العالية، وليس استنهاض حس المكان وقدسيته (مكة المكرمة) إلا ليروي ظمأنا من النبع الصافي إيماناً وروحانية وقدسية، وهو نبع يزيد تدفقاً مع كل صباح جديد.

أما لغته فهي لغة مشبعة بالأسى؛ إذ يمضي مع خيوله الراحلة حالماً بالتغيير رغم ما يغمره من آلام:

ترحل كل خيولي

راكضة نحو النهر

ترحل عبر حقول القيظ

تحمل في الذاكرة الشمعية بعض رؤى خضراء

تحلم، والشفق الأحمر يصفعني

وسؤال في الأعماق يؤرقني

هل أصل إلى النبع صباحاً

أم أصل وقد ماتت أضواء نهاري؟

رحيل الظلال:

كيف تخدعنا المنافي؟ وأنَّى تفيض علينا الظلال من غربة الذات إلى غربة الذات؟ وأنَّى نعانق القافلة حين يسيل من دمها الشفق، وتذوب خطاها في رمال الألق...؟ هكذا هو شعر حسين علي محمد، وهكذا بدت قصيدته (رحيل الظلال) المنشورة في ديوانه (المتنبي يشرب القهوة في فندق الرشيد)، هذه القصيدة تتكئ على الحوار الداخلي بأسلوب إنشائي، وكأنه يرثي ظله أو نفسه لا فرق:

الظلال التي أدمنتْ حبنا - هجرنا

هكذا قالت الريح في سفرها

تخدع الروح، توعدنا بالهلاك

فهل ترحل الآن - قبل رحيل الظلال - خطا القافلة؟

قالت الآن هذي الظلال التعيسة:

هذا أوان الرحيل

سأترك وقع خطاك على الصخر...

هذا هو شاعرنا حسين علي محمد يشعل فينا الجراح من قافية إلى قافية، فتبكيه القوافي قبل أن نبكيه!