إن من خصائص هــذا الدين وهو يُعرض في الكتاب والســنَّة بكـــل أركــانه وفروضـه وواجبـاته وسـننه ومســتحباته، أنه لم يهمل بيان ما ينقضه ويعارضه، بل كانت نصـوص الكتاب والسنَّة واضحةً جليةً في بيان كل نواقض الإسلام وهديه، وعَــرْض كل ما يهدم الشريعة ويحارب السنَّة؛ ليكون المســلم على بيِّنة من أمره، وليهتدي من يهتدي عن بيِّنة، ويَضِلَّ من يضل عن بيِّنة؛ ولهذا فإن من يلقي نظرة على نصوص التحذير من الشرك أو خطورة النفاق، أو ضلال البدعة، فإنه يدرك أن روعة ونصاعة عرض الحق في النصوص الشرعية لا يقل عن ظهورها وتمام بيانها في عرض نواقض الشرع، وقوادح العقيدة.  وإن من النواقض الخطيرة التي تتكرر في حياة الناس عبر القرون والأزمان: ظاهرة الاستهزاء والسخرية بالدين وأهله... تلـك الآفـة التـي قـد تُخــرِج صاحبهــا مــن الملــة وهو لا يعلم؛ وهنا مكمن الخطر. انظر - مثلاً - إلى غــزوة تبــوك (غزوة العسرة)؛ حيث خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحــابه من المدينــة النبوية في فصل الصيف، وشدَّة الحر قاطعين مسافة لا تقل عن سبعمائة كيلو متراً إلى تبوك، وفي عرض الطريق جلس نفر من الجند يتحدثون، ويمزحون، ويضحكون، فقالوا: ما رأينا مثل قرَّائنا أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء؛ يريدون بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فنزل فيهم الوحي مباشرة في سورة براءة: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ} [التوبة: ٥٦ - ٦٦]؛ فهل شفع لهم الخروج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للجهاد؟ لا! هل تَرْكُهم للأهل والأولاد والأوطان شفع لهم؟ لا! هل خروجهم في فصل الصيف وشدَّة الحر والجوع والعطش الذي كابدوه شفع لهم؟ لا! هل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (وهو أرحم الناس بالناس، وأقبل الناس عذراً للناس) قَبِل عذرهم؟ لا! هل قولهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما كنا نخوض ونلعب قُبِل منهم؟ لا! لقد تعلقوا بنسعة مركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وطلبوا العذر، وحلفوا أنهم لم يقصدوا إلا اللعب، فلــم يأبه بهم رسول اللــه - صلى الله عليه وسلم -؛ وإنما أخـذ يقـرأ عليهم قوله - تعالى -: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ} [التوبة: ٥٦ - ٦٦]. وإن الناظر اليوم إلى حال أمتنا لَيَجِد ما يفطِّر قلبه؛ فهذا شاعر حداثي أصيب بالإسهال العقلي المسمى شعراً يهزأ بالله بعبارات كفرية قذرة. وذاك صحفي أراد أن يتحدث الناس عن مقاله في الجريدة الفلانية، فسخر بأمور الشريعة، وهزأ بآيات الله وسُنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وذاك مهرج اتخذ «الفن» مأدبة لإضحاكه السهفاء، وهذا رسام كاريكاتير جعل من رسمه المشين مادة سخريةٍ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجاته. وتلك امرأة عَلمانية باعت نفسها للهوى والشيطان، تسخر بالحجاب، وتعدُّد الزوجات، بل وصل بها البجح إلى المطالبة بتعدد الأزواج. أما السخرية بالناس: في أنسابهم وخِلقَتهم ووظائفهم، وفقرهم وضعفهم وسذاجتهم وكبر سنِّهم، فحدث عن البحر تجد المزيد مما لا يحده حصرٌ ولا عدٌّ. فما هي بواعث الاستهزاء بالدين يا تُرَى؟ أقول: إن من أهمها الأمور التالية: 1 - خوف الملأ على مكانتهم ورتبتهم:  اسـمعْ إلـى عاد مـا قالـوه لنبـي الله هــود - عليـه السلام -: {وَإلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالَ الْـمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} [الأعراف: ٥٦ - ٦٦]. وتأمَّل حال لوط - عليه السلام - مع قومه لَـمَّا نهاهم عن الفاحشة القذرة: {وَلُوطًا إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: ٠٨ - ٢٨]. 2 - من بواعث الاستهزاء: الكبر، والنظر للنفس بالعجب، وللغير بالمهانة والاحتقار: والدليل على ذلك قصة الرجلين الواردة في سورة الكهف؛ حيث قال المتكبر لصاحبه: {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: ٤٣]. وفرعون قال في حق نبي الله موسى - عليه السلام -: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَــذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: ٢٥]، وقد بيَّن الحافظ ابن كثير - رحمه الله - أن: «ما قاله فرعون كذب واختلاق، حمله عليه الكفر والعناد؛ لأنه ينظر إلى موسى بعين كافرة شقية، ولقد كان موسى - عليه السلام - من الجلالة والعظمة والبهاء؛ في صورة تبهر أبصار ذوي الألباب، وموسى هو الشريف الرئيس الصادق البار الراشد، وفرعون هو الـمَهين الحقير؛ خِلقَة وخُلُقاً وديناً»[1]. 3 - ومن بواعث الاستهزاء: الفراغ، وحب إضحاك الآخرين: يقول معلم البشرية الخيرَ - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله - تعالى - ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة»[2]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للذي يحدِّث فيكذب؛ ليضحك القوم، ويل له، ويل له»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها جلساؤه؛ يهوي بها أبعد من الثريا»[3]. وهناك بواعث أخرى للاستهزاء، لكنني اكتفيت بهذه الثلاثة؛ لشهرتها وخطورتها، وديمومتها عبر الأجيال والأعصار. صور من السخرية المعاصرة بالله ورسوله ودينه وشرعه: لقد ولغ عدد: من الشعراء، والكتَّاب، والرسامين، والفنانين... وغيرهم في هذا المستنقع بما لا يشكُّ مسلم أنه كُفْر بواح وزندقة مخرِجة من الملة: 1 - هذا شاعر شيوعي عربي يقول: «الله في مدينتي يبيعه اليهود، الله في مدينتي مشرد طريد...» إلخ ما قاله، تعالى الله عمَّا يقول المجرمون علواً كبيراً. 2 - وزنديق آخر يقول: «نامي فعين الله نائمة عنا، وأسراب الشحارير». وهذه الكلمات الكفرية منشورة في دواوين شعرية لملاحدة عرب معاصرين. 3 - أما رسولنا - صلى الله عليه وسلم - فقد تجرأ عليه من تجرأ من زنادقة الكفر ودعاة الزندقة؛ حتى إن أحد الرسامين العرب رسم رجلاً بدوياً يرمز به لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو راكب حماراً بالمقلوب، وفي أرضية الصورة ديك وتسع دجاجات، يعنون لها هذا الزنديق بعبارة: «محمد أفندي جوز التسعة»! 4 - وكاتب ساخر يهزأ بالصحابي الجليل أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - فيقول: «عادل إمام مثل أبي ذر الغفاري، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث يوم القيامة وحده»، هكذا يشبِّه رموز العفن والسقوط الأخلاقي والسَّفِلة بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم البررة الأخيار؛ فالله المستعان. 5 - وموتورة من سَفِلة النساء تهزأ بحجاب المرأة المسلمة فتقول: «عجبت لفتيات مثقفات؛ يلبسن أكفان الموتى وهنَّ على قيد الحياة». والأمثلة يصعب حصرها في هذا المجال، ويكفي أن الله سمَّى المستهزئين بالمجرمين، فقال - سبحانه -: {إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: ٩٢ - ٠٣]، وتوعد الله وهدَّد المستهزئين بالعذاب الأليم، فقال - سبحانه -: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْـمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: ٩٧]، وقال - سبحانه -: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الزمر: ٨٤]. أيها الأخ المسلم المبارك! إن دينك حرَّم الاستهزاء، وجعله صفة بارزة من صفات الكفار والمنافقين، وتوعد عليه بالنار والعذاب الأليم؛ فلا بد أن تكون على حذر من هذه الآفة التي قد تُخْرِج صاحبها من الملة وهو لا يعلم، وكن معتزاً بدينك، عاضّاً عليه بالنواجذ، لا تجالس الذين يخوضون ويلعبون بآيات الله، وشريعة رسول الله، حتى تكون غداً - إن شاء الله - من أصحاب الدرجات العلا، والمقامات الحميدة عند رب الأرض والسماء. ولْتكن على بصيرة من أمر عقيدتك، وأن من نواقضها الاستهزاء بالله وآياته ورسوله وشريعته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر تفسير ابن كثير: (7/218). 
[2] انظر مسند أحمد: (3/469)، وابن ماجه: (3969)، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني: (888)، وصحيح الجامع: (1615). 
[3] انظر مسند أحمد: (5/5) و(2/402).