لا زالت جريمة اغتيال الشهيد «محمود المبحوح» تلقي بظلالها على الإعلام الصهيوني خلال الأسابيع الماضية؛ فبعد أن كالت وسائل إعلام الصهاينة المديح والثناء لجهاز الموساد ورئيسه في بداية الأمر؛ لأنه خلَّصهم ممن وصفوه بـ: «ألد أعدائهم»، تتابعت الاتهامات في الأيام الأخيرة للجهاز ذاته بارتكاب أفظع الأخطاء، وأسوأ الثغرات الأمنية. ووصل الأمر ببعض الصحفيين والإعلاميين الصهاينة إلى أن يصفوا جهاز الموساد بأنه: تحوَّل من «بطل قومي» إلى «فاشل قومي»، ومن أسطورة الدولة إلى وصمة عارها! تصفية الحساب: تناولت كبرى الصحف الإسرائيلية «يديعوت أحرونوت» حادث الاغتيال في صفحتها الأولى تحت عنوان: «الذراع الطويلة» للموساد إلى جانب صورة لوالدة الجندي «إيلان سعدون» تحمل صورة ابنها الذي اختُطف مع جندي آخر وقُتِلا عام 1989 في عملية نُسِب تخطيطها وتنفيذها إلى المبحوح، رحمه الله. واختارت «معاريف» عنوان: «تصفية في دبي»، وأرفقته بعنوان آخر: «تصفية حساب»، وجاء في عنوان صحيفة «إسرائيل اليوم» اليمينية: «يد الموساد» و «نهاية فدائي كبير... الرجل الذي أوجد عمليات خطف جنود، ثم أدار شبكة تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة». بينما استعرض التلفزيون الإسرائيلي سلسلة من الاتهامات المنسوبة إلى الشهيد المبحوح، لا سيما فيما يتعلق بتقوية الذراع العسكري لحركة حماس في قطاع غزة، ولا سيما تزويدها بصواريخ ذات مدى (60 و 70) كيلو متراً. وتحت عنوان: «أوسمة في السر»، كتب المعلق في الشؤون الإستراتيجية «رونين بروغمان» أن إسرائيل لن تُقِر أبداً بأن لها علاقة بتصفية المبحوح، ولا يوجد سبب يستدعيها لتحمُّل المسؤولية؛ لأنه في «عالم الظـلال» والحــرب الاستخــباراتية «لا أحد يتحمل المسؤولية عن شيء منها، وإذا كانت هناك حاجة لتوزيع أوسمة، فإن ذلك يكون في الغرف المغلقة». وزعم المعلق العسكري في صحيفة «إسرائيل اليوم» «يوآف ليمور» أن عملية اغتيال المبحوح لا تأتي للثأر فقط، إنما لتحقيق هدفين مهمين: «إفشال عمليات، والردع»، وأن «إخراج» المبحوح من دائرة العمل في تهريب السلاح إلى القطاع هو عملية إفشال مهمة؛ لأنها ستُراكم صعوبات على مواصلة التهريب في المدى القريب إلى حين إيجاد بديل له. ومَنْ سيحل محله سيكون أكثر حذراً. وقد سلط الإعلام الصهيوني خلال الشهر الأخير الضوء على وحدة «كيدون» المتهمَة بتنفيذ الاغتيال؛ وهي وحدة أسسها «الموساد»؛ لغرض الاغتيال والقتل. وتقوم بالتدريب مراراً على الهدف للوصول لعملية اغتيال ناجحة، ومن أهم أهداف تأسيسها الردع والتخويف، وإحباط النشاطات المعادية للكيان الصهيوني. وتعني كلمة «كيدون»: «الخنجر الذي يُغمَد في البندقية أو الحربة»، وتُعَدُّ الوحدة الوحيدة في العالم المجازة رسمياً من حيث تنفيذ الاغتيالات، ويقوم الموساد بتدريب عناصرها على كيفية التعامل مع السلاح وحماية الذات والاستهانة بالموت. حيث يجري تدريب المرشحين على كيفية سحب المسدس أثناء الجلوس في مطعم إذا اقتضى الأمر: إما بالسقوط إلى الخلف على المقاعد أو إطلاق النار من تحت الطاولة، أو بالسقوط إلى الخلف ورفس الطاولة في الوقت نفسه ثم إطلاق النار؛ وكل ذلك في حركة واحدة. وأشارت تقارير تلفزيونية بثتها القنوات الإسرائيلية إلى امتلاك الوحدة لأساليب مختلفة في عمليات القتل والاغتيال، كلها تُظهِر حجم الحقد الذي يخفيه ويظهره قادة العدو. حملات تقريع: اتخذ الإعلام الصهيوني في حملات انتقاده وتوبيخه لجهاز الموساد منحىً سلبياً للغاية، حين وصفه المحلل السياسي «يوئيل ماركوس» في صحيفة «هآرتس» بأن طريقة تنفيذ الاغتيال تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن رئيس الموساد وعناصره الأمنية لا يزالون يعيشون في الماضي». وانتقد اختيار مدينة دبي المليئة بشبكة مكتظة من الكاميرات؛ كساحة للتنفيذ قائلاً: لا أدري من صادق على العملية في أيام المشكلة الأمنية الأساسية، ويمكن التخمين أنه دون مصادقة رئيس الوزراء ما كانت لتنفَّذ، ومع مراعاة الحذر الشديد الذي يتخذه كي لا يفشل فإن من المفاجئ أنه هذه المرة أدى دور العميل بسبعة أخطاء». بينما تساءل «بن كاسبيت» في صحيفة «معاريف» قائلاً: «من الصحيح أن المبحوح قد اغتيل، وأن العملاء عادوا إلى قواعدهم بسلام، لكنهم بالمقابل لا يستطيعون الآن التجوال في العالم، وإذا كانوا قد اقتُطِعوا من وحدة التصفية في الموساد» المسماة «كيدون»، فإن الوحدة فقدت جزءاً ذا شأن من قوَّتها». ويضيف: « حدث خللٌ مَّا في دبي... كان يفترض أن يكون الاغتيال هادئاً، بلا توقيع، وأن يكون موت المبحوح طبيعياً، وهنا حدث الخلل الكارثي، لم يدرك الموساد أن دبي جعلت الإمارة كلها هدفاً مصوراً؛ أغلقوا الدوائر وتعرفوا على العملاء». وفضل «نحميا شترسلر» اختيار عنوان لاذع، وهو: «جهاز هواة يعيش في الماضي» قائلاً: «هكذا أصبحت قصة النجاح الكبرى فشلاً مدوياً، وبات الموساد جهاز هواة يعيش في الماضي؛ مجموعة العملاء تركت وراءها بصمات كثيرة حتى رجل المباحث الأعمى كان سيعثر عليها». وقال: «لم يأخذ منفذو الاغتيال بالحسبان أن التكنولوجيا طارت إلى الأمام في السنوات الأخيرة، في العالم القياسي كان يكفي: تزييف جواز سفر، إلصاق لحية، والتنكر في زي لاعب تنس بقبعة رياضية، هكذا مكتوب في كتب التجسس. أما اليوم فالعالم رقمي، محوسب، متصل إعلامياً ومصور، وهذا - على ما يبدو - لم يأخذوه بالحسبان في قيادة الموساد. الفضيحة الدبلوماسية: لم تتوقف تبعات الاغتيال على الأصعدة الأمنية والاستخبارية، وإنما ألحقت بالكيان الإسرائيلي «فضيحة دبلوماسية»، بعد أن طالب الاتحاد الأوروبي وزير الخارجية «أفيغدور ليبرمان» بتوضيحات حول اغتيال المبحوح، لا سيما الاتهامات الموجَّهة للموساد بوقوفها خلف الاغتيال، ويُتوَقع أن يتسبب ذلك في مزيد من التعكير للعلاقات الأوروبية الإسرائيلية، كما يؤيد الاتحاد الأوروبي تشكيل لجنة دولية للتحقيق في هذه الجريمة، وهو ما دفع برئيس جهاز «الموساد» «مائير داغان» إلى عدم التفاخر - كالعادة - علناً بإنجازات جهازه، كما أن الإحراج الدبلوماسي الذي أثاره الاغتيال يعطيه سبباً إضافياً للبقاء في الظل. قطع عنق الموساد: صحيفة «معاريف» من جهتها اختارت عنواناً بالغ الأهمية تعليقاً على حادث الاغتيال بقولها: نجاح تكتيكي وفشل استراتيجي، مشيرة إلى أن التنفيذ كان مصقولاً، والقتلة جاؤوا وخرجوا بسلام، وكل شيء سار كالساعة، إلا أنه في الزمن التكنولوجي بات كل شيء مكشوفاً أمام كاميرات المراقبة. ولم يصدق أحد أن يكون ممكناً إغلاق دائرة وتنفيذ ربط بين كاميرات المطار وكاميرات الفندق، لكن شرطة دبي قامت بعملية مراقبة، واستثمرت طاقة وتكنولوجيا؛ كي تطرح جوازات سفر القتلة بالبث الحي، للعالم بأسره. بينما كان المحلل العسكري «عماليا روزنبلوم» الأكثر جرأة في حملة التقريع والإدانة لسلوك الموساد «الطائش» في اغتيال المبحوح، وترك العشرات من الأدلة على تورُّطه؛ حين طالب بـ «قطع عنق رئيس الموساد» معنوياً من خلال إقصائه ومحاسبته. وأشار «عكيفا ألدار» إلى حقيقة أن اغتيال المبحوح لن يهزم حركة حماس، مثلما لن يؤثر إحباط صفقة تبادل الأسرى في المدى البعيد على علاقات القوى في المناطق، مطالباً بالتصدي لحركة حماس من خلال إيجاد بديل سياسي حقيقي.