بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:

فإن العلمانية - كما يعلم كل من يفهم معنى الإسلام - منظومة مناقضة للدين الحق، سواء أكانت علمانية (شاملة) تقوم على إقصاء الدين عقيدة وشريعة، أم كانت علمانية (جزئية) تقوم على إلغاء الحكم بالشريعة مع الإبقاء على العقيدة - أيْ عقيدة - محصورة في الصدور، محظورة الأثر في الواقع.

كذلك يعلم كل من يفهم معنى العلمانية، أن «الديمقراطية» من أبرز إفرازاتها وإنجازاتها في صيغتها الغربية، وأنها لذلك فكرة (لا دينية) في منبعها ومصبها، فلا ديمقراطية بغير علمانية؛ بل إن الديمقراطية هي النظام الحارس للمنظومة العلمانية الغربية كلها، برأسماليتها وليبراليتها ومناهضتها لهدايات الرسل.

للديمقراطية - كما هو معلوم - أدبيات ومبادئ يطلقون عليها (قيم الديمقراطية) مثل: حكم الشعب للشعب وبالشعب، وسيادة الأغلبية - مرجعية القانون - إطلاق الحريات - المساواة - والعدالة. كما أن لها وسائل وأدوات يطلقون عليها (آليات الديمقراطية) مثل: الانتخابات - التعددية الحزبية - تداول السلطة - المجتمع المدني.

والديمقراطية بـ «قيمها» وبأكثر «آلياتها» تكرس إبعاد الدين أو تهميشه على الأقل، نظراً لتفرعها عن الأصل اللاديني العلماني، فإذا كانت رسالة الإسلام تنادي بما نادى به الرسل، ومنهم يعقوب ويوسف - عليهما السلام - عندما قالا: {إنِ الْـحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ} [يوسف: 40] فإن الديمقراطية تجعل الحكم والتشريع للشعب وحده لا شريك له.

فحتى لو اختار الشعب حكم الشريعة، فليس ذلك - في الديمقراطية - لأن  الشريعة وحي الله، ولكن لأنها اختيار الشعب، ومن الحق «الأصيل» لهذا الشعب أن يختار غيرها إذا أراد، ويحتكم لسواها إذا شاء، وعندئذ تسلم للديمقراطية «قيمها»، ولا عزاء بعدها لمن يؤمنون بمرجعية الدين القيِّم.

العلمانية عندما تسود في بلد - ولو كان إسلامياً - فإنها بـ «قيمها» تنشئ قِطَاعات من الناس مجافية للدين، إن لم تكن معادية له، وتشطر المجتمع إلى ثقافتين أو هويتين: إسلامية، وعلمانية، وذلك من خلال علمنة التعليم والإعلام والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، فهذه القطاعات من الناس ثمار طبيعية وبدهية لا بدَّ أن تثمرها شجرة العلمانية، ويبقى في المجتمع قسم يظل متمسكاً بهويته الإسلامية.

تجيء الديمقراطية محاولة تثبِّيت أقدام القطاعات (المعلمنة) المقتطعة من الشعوب المسلمة، ولتُثبت أنهم أولى بالقيادة والريادة والسيادة من جميع الباقين من غير العلمانيين مهما حاول هؤلاء الباقون تجريب حظهم مع الديمقراطية، ولذلك فإن جميع «المؤمنين» بالعلمانية، يقفون صفاً واحداً في مواجهة هؤلاء «المتطفلين» من المتدينين على موائد مناهضي الدين!! بمعنى آخر؛ فإن كل من يظهر رغبته في إعلاء شأن الدين عن طريق آليات الديمقراطية، تجيء قيمها لتقفَ له بالمرصاد، فتحصد ما جنته الآليات من مكاسب للدين، فتطحنها تحت رحى «مبادئ العلمانية»، حيث تدور تلك الرحى على مكاسب أنصار الدين، فتذرها فتاتاً تذروه الرياح... رياح: «مدنية الدولة».... «علمانية الدستور»...، «التعددية الحزبية» على غير أساس ديني «واحترام الآخر»، ولو كان ملحداً كافراً... وقبل ذلك وبعده «حكم الأغلبية» ولو كانت هذه الأغلبية في ذاتها ضحية للعلمانية وهوائية سطحية ودنيوية، لا تلقي بالاً لأي قيم إسلامية!

أما إن كانت تلك الأغلبية حقاً.. إسلامية، فياويل من يريد أو يردد شعارات «إسلامية.. إسلامية» عن طريق آليات الديمقراطية، حتى لو كانت مجرد هتافات حنجورية في ميادين الثورات والتظاهرات!

مع ذلك فالديمقراطية ليست شراً كلها؛ ولكن فيها أمور من الخير إذا طُبقت، كالاحتفاء بالحريات، والشفافية في الانتخابات، وعدم احتكار السلطة أو احتقار الرأي المخالف ولكن ما فيها من خير أثمرته الفطرة الإنسانية الطبيعية الرافضة للظلم والجور والخداع والاحتكار، لا نكاد نرى له وجوداً حقيقياً في البلدان الإسلامية التي حاولت تطبيق الديمقراطية وإنزال قيمها منزلة لاتدانيها فيها أي شرعة سماوية، فمهما كان في الديقراطية من أنغام تطرب لها الأسماع، فإن ما فيها من ألغام يظل مزروعاً في كل مشروع مغاير من القمة إلى القاع.

لنتأمل في تجرد وموضوعية - ولكن مع استحضار العقيدة الإسلامية - تلك «القيم» الديمقراطية التي أصبحت على ألسنة كثير من الإسلاميين فضلاً عن عوام المسلمين - أشبه بأغاني حداء وثنية، يهيم بسماعها وتردادها من لا يدرك معناها ولا يفهم مرماها، مع رفضه التام لأي كلمة تخدش (مقام) الديمقراطية:

الديمقراطية والتجارب الإسلامية:

في محاولات بعض الإسلاميين للصعود على سلَّم الديمقراطية، أبى ذلك السُّلم إلا أن يُسقطهم، إمَّا سقوطاً معنوياً منهجياً، وإمَّا سقوطاً عملياً وحركياً.

* ففي تركيا مثلاً، جاءت الديمقراطية بالإسلاميين فامتنوا لها معظمين لشأنها، وامتلكوا الشجاعة أن يقولوا: «لسنا إسلاميين» لكنهم لم يجرؤوا قط أن يقولوا «لسنا علمانيين»، بل إنهم يدعون بقية الشعوب العربية للعلمانية مبقين على تعظيم الصنم العلماني المقبور «أتاتورك» في الوجدان وعلى الجدران.

* وفي أفغانستان التي التف الشعب فيها حول جماعة الطالبان بعد نجاحها في إرساء السِّلم الأهلي بعد سنين من الحروب الداخلية وأعمال الفوضى واللصوصية، وتجبر تجار السلاح والمخدرات، لم يرضَ الغرب بذلك الحكم الإسلامي السلمي، وعزموا على تصدير ديمقراطيتهم المسلحة على ظهور الدبابات ليتوج (كرازي) رئيساً لجمهورية «ديمقراطية» تقاتل أنصار الشريعة منذ أكثر من عشر سنوات، بالنيابة عن أمريكا التي لم تكف طائراتها - بطيار أو بدون طيار - عن قصف الأمل المتطلع إلى الحياة الإسلامية التي فُطر عليها شعب أفغانستان.

* وفــي باكستان، لم تسمح آليات الديمقراطية للإسلاميين بالوصول للسلطة في تلك البلاد التي تبلغ نسبة المسلمين فيها ٪90، بينما سمحت بوصول علمانيين من شتى الاتجاهات، كان بعضهم تابعاً للأقلية الشيعية في تلك البلاد السُّنِّية، كآل بوتو (ذو الفقار وابنته ثم زوجها الرئيس الحالي) فباكستان بثقلها وحجمها في العالــم الإسلامي، محظور عليها - ديمقراطياً - أن تُحكـــــم بالشريعة، ولما جهر أحد رؤسائها - وهو ضياء الحق - بخوفه من المساءلة الإلهية عن عدم تطبيق الشريعة الإسلامية، لم يطل به الأمد، فقتل في حادث غامض لم تكشف أسراره حتى اليوم.

* أما في الجزائر التي شهدت أولى الثورات العربية السلمية ذات الصبغة الإسلامية في أوائل التسعينيات الماضية، فقد تمكن الإسلاميون «السلفيون» من اكتساح الانتخابات التشريعية، وتأهلوا لتشكيل وزارة بقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لكن «قيم» الديمقراطية، أبت أن تسلم بسلامة ما قامت به آلياتها، فقام الانقلاب العسكري الهمجي، بمباركة الغرب للإنقاذ من جبهة الإنقاذ، بعد أن صرح الرئيس الفرنسي وقتها بأن فرنسا ستعيد احتلال الجزائر لو وصلت جبهة الإنقاذ إلى سدة الحكم فيها، وتواصلت الحرب الداخلية في البلاد نحو عشر سنوات ذهب ضحيتها نحو مئتي ألف قتيل!

* وفي الصومال الذي عاش شعبه خمسةَ عشرَ عاماً، بلا حكومة، ديمقراطية ولا حتى ديكتاتورية، انطلقت جماعات محلية لمحاولة الإصلاح بالإسلام تحت اسم (المحاكم الإسلامية) ونجحت في معالجة الكثير من الأوضاع المختلة في البلاد الخالية من منصب الرئاسة لعقد ونصف، لكن ذلك لم يُرضِ الغرب (الديمقراطي) فسلَّط الجارة الجبارة في حقدها (أثيوبيا) النصرانية لتغزو أراضي الصومال حتى لا تحكمها المحاكم، واضطرت فئات من الشعب الصومالي أن تدافع عن حياض وطنها المستباح، فجاءت الفرصة للإيقاع بين التيارات الإسلامية، بجذب بعضها إلى الخيار الغربي (الديمقراطي) علانية؛ لتقاتل لأجلها بقية التيارات الإسلامية التي طهَّرت أرض الصومال من الهجمة الحبشية، وما تزال الحرب دائرة بين من نصبتهم الديقراطية الغربية، وبين من نُصب عليهم من عامة الفصائل الإسلامية!

* فإذا جئنا إلى فلسطين - وما أدراك ما فلسطين - تلك البلاد المقدسة التي دنسها اليهود بديمقراطيتهم «الوحيدة» في الشرق الأوسط، سنرى كيف نُزع سلاح المقاومة (العلماني) في منظمة التحرير الفلسطينية بوعود الدول الغربية، من أجل إقامة دولة فلسطين «الديقراطية»، فلم تقم الدولة.. ولم تتحقق الديمقراطية داخل السلطة التي جاءت لذلك الغرض. ودلت على ذلك أحداث الانتخابات التي جاءت بحماس عن طريق الديمقراطية فأهلتها - افتراضاً - لتشكيل حكومة جاءت باختيار شعبي سلمي، لكن «الديمقراطيات» العالمية والإقليمية والمحلية، أبت أن تسلم بشرعية تلك الحكومة لكونها ذات توجهات إسلامية، فأقيلت، ثم حُبس نوابها ووزراؤها، ثم فرض عليها حصار إسرائيلي، تحول إلى حصار إقليمي وعالمي... لا يزال قائماً حتى اليوم بانتظار غياب الحكومة (المقالة) عن الأنظار، ليكون البديل المطروح الآن، هو تنصيب عباس رئيساً للوزراء إضافة لرئاسة السلطة!

الثورات الجديدة والديمقراطية:

في أولى محطات الثورات العربية في تونس، كان التحول «الديمقراطي» أنشودة، يرددها الجميع بعد عقود القهر والكبت، لكن عاطفة الشعب التونسي كانت مع الإسلام على الرغم من طول إبعاده عن مظاهر الحياة هناك، فانحاز الشعب للإسلاميين، ولكن هؤلاء الإسلاميين الذين جاء بهم الخيار الإسلامي للشعب، بدأ أنهم لم يحسموا خيارهم بعد، بين النهج الإسلامي أو النهج العلماني، فتواترت عن رموزهم التصريحات المحابية للعلمانيين والمجافية للإسلام، وكان أكثرها تأثراً باللوثه الديمقراطية تزكية ثم انتخاب ثم تنصيب رئيس (يساري)، تطبيقاً لـ «التعددية» ثم تناثرت تصريحات سيئة على ألسنة رموز إسلامية، تصرح بأن الحزب الحاكم - الإسلامي - لن يطبق الشريعة، بل لن يسعى للنص في الدستور على مصدريتها في التقنين، بل تواترت التصريحات باستمرار التوجه نحول الإبقاء على المظاهر غير الإسلامية كالخمارات والبارات وشواطئ العرى ومواخير «الفنون»!!

* أما في مصر، فقد تحول كثير من الإسلاميين إلى جوقة العزف على الأنغام الديمقراطية التي سمحت لهم - في البداية - بالصعود السريع بأقل التكاليف، فظنوا أن الديمقراطية هي الطريق الوحيد لإعادة أمجاد التوحيد، فجاملوها وأهلها أكثر مما تجملوا في الكلام عن الإسلام وأهله، حتى إن الكثيرين لم يعودوا يجرؤن على مجرد (نقد) الديمقراطية التي يعرفون مناقضة مبادئها (المستوردة) للمنهجية الإسلامية الأصلية، وتناسى هؤلاء أن طريق النزول - بل السقوط - المنهجي أو النظامي من فوق السلم الديمقراطي، أسرع وأقصر من طريق الصعود، وهذا ما بدأ يحصل بانتظام، حيث يسير (التحول الديمقراطي) بالإسلاميين.. نحو التحول شيئاً فشيئاً عن ثوابت وأصول، كان من المأمول أن يعملوا على التحول إليها بدلاً من التحول عنها.

* مثل هذا يقال عن اليمن وثورتها التي أجهضتها أو كادت تجهضها وعود (فلول) علي صالح، زعيم جمهورية (اليمن الديمقراطية) لأكثر من أربعين عاماً، حيث وُعد الثوريون من إسلاميين وغير إسلاميين بالمشاركة في السلطة وفق اتفاق دولي غير مكتوب، يقضي بأن يظل اليمن غير سعيد، إلا بأوهام الوعود الديمقراطية التي ظلت مخزنة في أشداق علي صالح لأربعة عقود!

* وفي ليبيا الثائرة، انحاز رموز من ثوارها نحو خزان الألغام الديمقراطي في نوع من (دفع الضريبة) مقابل ضربات الغرب «النبيل» الذي ساعد في إسقاط «الديكتاتور» ليخلفه نظام من (الديكور) الديمقراطي، فاختار هؤلاء (حرية) الانفصال بإقليم برقة، بدعوى (تقرير المصير)، وكأنهم يقولون للقذافي الذي كان يحلم بوحدة - ولو قسرية - مع بعض الدول العربية أو الإفريقية، لن نسمح بالوحدة حتى داخل حدود الأراضي الليبية، لأنها ببساطة، تتعارض مع أمانينا الديمقراطية، في «الحرية» و «المساواة» والعدالة الاجتماعية!

* وفي سورية الجريحة، يجري الحديث عن كل وسائل التغيير تحت مظلة (الشرعية الدولية)، لتظل التظاهرات «السلمية» العزلاء، هي الأسلوب (الديمقراطي) الوحيد لرد العدوان تحت استمرار القصف والنسف، دون تدخل من «الناتو» الخائف على أمن (إسرائيل)، والمنتظر - فيما يبدو - إنضاج الطبخة الإنشاء دولة علوية نصيرية، تظل وفية - كما كانت - لحماية حدود دولة اليهود.

لا ينبغي أبداً أن يفهم نقد الديمقراطية أو نقضها على أنه دفاع أو تحبيذ للديكتاتورية، فالديكتاتورية أشأم وأظلم؛ لكنَّ الفتنة بالديمقراطية أعمُّ وأصمّ.

ستظل «الديمقراطية» بأدبياتها وآلياتها هي (اللعبة) الأقرب إلى (اللعنة) التي تحل على من يُحل لأجل سواد عيونها ما حرم الله، ويسوغ مجاملة لأهلها الحكم بغير ما أنزل الله.

لماذا لا نسارع - من الآن - في صياغة نظام سياسي إسلامي بديل يرعى العقيدة ويعلي من شأن الشريعة... لنتحول شيئاً فشيئاً من «الشرعية» العلمانية، إلى الشرعية الإسلامية؟