مقدمة الحوار:

من القطاعات البحثية الحيوية قطاع الدراسات القرآنية، والذي كان ولا يزال في حاجة إلى بذل الجهود المضاعفة لتطويره والارتقاء به، ومن المراكز العلمية الرائدة «مركز تفسير للدراسات القرآنية»، وهو مركز نوعي في تخصصه، كرّس جهده في تطوير هذا القطاع، والعمل على إنشاء صرح مؤسسي يخدم هذا المجال الفريد.

وحيث يقام في مدينة الرياض المؤتمر الدولي لتطوير الدراسات القرآنية في الفترة من 6  إلى 10ربيع الآخر 1434هـ، بتنظيم من جامعة الملك سعود ممثلة في كرسي القرآن الكريم وعلومه بالتعاون مع مركز تفسير للدراسات القرآنية؛ فقد أجرينا حواراً مع فضيلة الشيخ د. عبدالرحمن بن معاضة الشهري رئيس المؤتمر ومدير عام مركز تفسير للدراسات القرآنية في الرياض.

أولاً: تأسيس مركز تفسير:

البيان: لو حدثتنا عن نشأة المركز كيف ومتى بدأت؟

أصل هذا المشروع بدأ بإنشاء موقع إلكتروني مع بدء دخول الإنترنت للسعودية عام 1419هـ، ثم تطور عام 1423هـ ليكون منتدى حوارياً متخصصاً في الدراسات القرآنية باسم (ملتقى أهل التفسير). وبدأنا باستقطاب الباحثين وإثراء المنتدى بالموضوعات الجادة التي تجذب المهتمين الذين يتزايد عددهم يوماً بعد يوم، وحرصنا على الجدية في الملتقى، فترسخ لدى القارئ نوع من التقدير للملتقى وللمشاركين فيه، حيث يكتب أبرز الكتاب بأسمائهم الصريحة، وقد ساعد هذا على نجاح الملتقى منذ سنواته الأولى.

وفي عام 1425هـ قررنا مع مجموعة من الزملاء المشرفين أن نحول هذا العمل الإلكتروني الناجح إلى عمل مؤسسي يكون مظلة للارتقاء بهذا المشروع الذي أثبت نجاحه في خدمة الباحثين في القرآن وعلومه، فكانت فكرة إنشاء مركز تفسير للدراسات القرآنية، ليكون مركز أبحاث ودراسات غير ربحي ومقره مدينة الرياض.

البيان: لا بد حتماً من صعوبات وعوائق واجهتكم، كيف تجاوزتموها وتعاملتم معها، وفي المقابل ما أبرز التسهيلات التي لم تكن تتوقعها أثناء التأسيس؟

العوائق النظامية هي أبرز العقبات، حيث لا توجد أنظمة مسنونة تسهل عمل هذه المراكز البحثية، كما لا يوجد وعي كافٍ لدى رجال الأعمال والمؤسسات المانحة لتبني مثل هذه المراكز النوعية البحثية. ولكن إيماننا بالمشروع جعلنا نتجاوز هذه العقبات بتوفيق الله سبحانه وتعالى. ومن التسهيلات التي ساعدتنا على نجاح مشروعنا التعاون مع شركاء النجاح الكبار، مثل: معالي الشيخ صالح بن حميد عندما قبل رئاسة مجلس الإدارة، وكذلك معالي الدكتور عبدالله العثمان مدير جامعة الملك سعود عندما عرضت عليه عضوية مجلس الإدارة، فقد كان هذا مما ساعدنا على إنجاح مشروعنا، حيث بادر معالي الدكتور عبدالله العثمان إلى إنشاء كرسي القرآن الكريم وعلومه وكلفني بالإشراف عليه، فكان هذا معيناً لنا على الانتفاع من إمكانات جامعة الملك سعود الضخمة في خدمة القرآن وعلومه، وقد تحقق في ظل هذه الشراكة الرائعة عدد من المشروعات الكبرى، كموسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، والمؤتمر الدولي لتطوير الدراسات القرآنية الذي يعد الأول من نوعه، وهو شراكة بين كرسي القرآن وعلومه في كلية التربية بجامعة الملك سعود ومركز تفسير للدراسات القرآنية.

ثانياً: المركز وخدمة الباحثين:

البيان: يظهر جلياً اهتمام المركز بالخارج، وهو توجه رائع، وإبراز باحثين قل أن يعرفهم طلاب العلم وربما العلماء في العالم الإسلامي، هل هذا من سياسات المركز التي ينتهجها؟

المركز رؤيته عالمية، حيث نصل إلى كل الباحثين اليوم من خلال البوابة الإلكترونية، كما أن الحوار العلمي الجاد على صفحات ملتقى أهل التفسير عرّفنا بمئات الباحثين الجادين المتميزين في العالم، وعقدنا علاقات تعاون علمي مميزة من وراء التعارف على صفحات ملتقى أهل التفسير، وهذه نعمة عظيمة منَّ الله بها علينا في الاستفادة من شبكة الإنترنت، ولم يعد يهم كثيراً مكان وجود الباحث مع وجود هذه الوسائل الحديثة في التواصل، وقد أسعدني كثيراً ما رأيته من الحب للملتقى وللمركز في زياراتي للعديد من دول العالم في المشرق والمغرب التي فيها نشاط للقرآن الكريم وعلومه، بل حتى في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا - ولله الحمد، ولدينا علاقات علمية قوية مع عدد من الباحثين في مختلف دول العالم نعتبرهم بمثابة السفراء للمركز في تلك الدول دون أن يتقاضوا أي مرتبات من المركز، وإنما هو التطبيق الأمثل لمقولة: العلم رحم بين أهله، وهو من أقوى أواصر الرحم والمحبة في الله وخدمة العلم.

البيان: ما الخدمات التي يقدمها المركز للباحثين، وكم بحثاً أصدرتم حتى الآن، وهل لك أن تطرح أسماء بارزة لباحثين وباحثات وبحوث أيضاً؟

نحن نقدم للباحثين خبرات الخبراء الذين سبقوهم في البحث والدراسة مجاناً على صفحات الموقع الإلكتروني، وهذه من أعظم الخدمات التي يحتاج إليها الباحثون اليوم؛ فالمعلومة الصحيحة والدقيقة هي ما يحتاج إليه الباحثون في الدراسات العليا، ونحن نستهدف طبقة المتخصصين في القرآن وعلومه من الأساتذة وطلاب الدراسات العليا بالدرجة الأولى، فنحن في زمن التخصص، والنجاح قرين للتخصص اليوم إلا في حالات قليلة، وما وصل من الفوائد لغير هذه الفئة فهو كما تقول العامة (فوق البيعة)، ومع حبنا لخدمة الجميع، إلا أن إمكاناتنا المادية تحول دون استهداف جميع الشرائح. وقد أصدرنا ما يقارب من عشرين إصداراً بعضها طبع ونفد من الأسواق، مثل كتاب (مقالات في علوم القرآن) للدكتور مساعد الطيار، وبعضها سينزل للمكتبات قريباً جداً، ونطمح لأن يأتي وقت قريب يصبح فيه مركز تفسير المركزَ الاستشاري الأول على مستوى العالم في قضايا تطوير الدراسات القرآنية واستشراف مستقبلها. وأما الباحثون الذين يشاركوننا مشروعنا هذا فهم صفوة الباحثين والمتخصصين في القرآن وعلومه في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولكثرتهم لا أقدر على تسميتهم حتى لا أغفل منهم أحداً، بل إنني أقول: إن الباحث المتخصص الذي لا يشاركنا في ملتقى أهل التفسير نادر، وقد بلغ عدد المشاركين في حوارات ملتقى أهل التفسير أكثر من عشرة آلاف عضو معظمهم من المتخصصين في القرآن وعلومه وأساتذة في الجامعات الإسلامية، والتسجيل لدينا مشروط بضوابط مسبقة، لأننا نؤمن بفكرة الانتقاء والجودة دون الالتفات للكثرة المجردة.

البيان: عملية التواصل مع الباحثين ما آليتكم فيها، وما آليتكم في إصدار البحوث والدراسات من ناحية ضوابط البحث والطباعة وغير ذلك؟

نحن نتواصل مع الباحثين بوسائل التواصل التقنية، كالبريد الإلكتروني والهاتف والزيارات المباشرة له، أو يقوم الباحث بزيارة المركز، ونستفيد من اللقاءات على هامش المؤتمرات الدولية والمحلية التي نحضرها في التعريف بمركزنا واستقطاب الكفاءات للمشاركة في مشروعاته. وأما آليتنا في إصدار البحوث فنحن نتبع أمثل الطرق البحثية في الجامعات التي درسنا فيها وندرس فيها اليوم، وقد حرصنا في المركز على تنويع المستشارين من كل العالم الإسلامي لتظهر ثمار المركز وعليه صبغة العالمية وعدم الانفراد بالرأي والرؤية، وأرجو أن يكون هذا ظاهراً بشكل إيجابي في إصدارات ومشروعات المركز.

البيان: هل عندكم تصور عن مدى معرفة كليات القرآن وأساتذتها وطلابها في العالم عن مركزكم؟

أزعم أننا وصلنا إلى شريحة كبيرة جداً من الفئة المستهدفة دون أن نبذل مالاً في الدعاية للمركز حتى الآن لقلة ذات اليد، لكننا سنبدأ في هذا العام ببعض الحملات الإعلامية التعريفية بمركز تفسير - إن شاء الله، وقد بدأنا بمجلة البيان فأعلنا فيها مع بدء عام 1434هـ، ونحن متفائلون بذلك، وسنواصل التعريف بالمركز حتى يبلغ العالم كله، ويسمع بنا كل محتاج إلى خدماتنا خدمة للقرآن وعلومه، وقربة إلى الله بخدمة كتابه الكريم خدمة نوعية متقنة تليق بكتاب الله الكريم، ولدينا كل مقومات النجاح من عملنا في هذا البلد المبارك، وهو بلد كريم معطاء باذل لخدمة القرآن حكومةً وشعباً، وهو مهبط الوحي وأهله يحبون خدمة القرآن ويتشرفون بذلك من أعلى رجل في الدولة حتى أصغر طفل فيها، وأنا دائم التذكير لنفسي ولزملائي العاملين في المركز بهذا الشرف والاحتساب فيه.

البيان: هل عندكم قائمة بالعناوين التي تحتاجون إلى البحث فيها، أم تأتيكم أفكار العناوين وتسعون لإصدارها؟

نحن نستفيد من كل الأفكار التي تنتج داخل المركز أو خارجه، ونهتم بكل التفاصيل التي تنفعنا في مشروعنا، وقد جاءتنا الكثير من الأفكار الإبداعية من نقاشات جانبية أو إشارات صغيرة في حوارات جانبية هنا أو هناك، ولدينا إدارة للمشروعات في المركز تقوم ببلورة كل الأفكار ودراستها وتقديمها على هيئة مشروع نبدأ في دراسته ومدى جدوى تنفيذه.

ثالثاً: مؤتمر تطوير الدراسات القرآنية:

البيان: تستقبلون هذه الأيام مؤتمراً لتطوير الدراسات القرآنية، في البداية لو سألتك عن معنى العنوان كيف توضحه لنا، وما جوانب القصور في الدراسات القرآنية التي سيناقش المؤتمر تطويرها؟

نقصد بالتطوير معناه الإيجابي، وهو التجديد العلمي المنضبط بأصول الفهم الصحيح للقرآن الكريم، مع الاستفادة من كل التقنيات والأدوات المساعدة على إيصال رسالة القرآن للعالمين، والارتقاء بمستوى البحث العلمي في القرآن وعلومه ليكون على مستوى تطلع الرواد من العلماء والباحثين، ومساعدة الباحثين المبتدئين على الارتقاء في درجات البحث العلمي في هذا التخصص وتطوير مهاراتهم البحثية والعلمية ليكونوا قدوة لطلابهم، وليكونوا على مستوى التحديات التي تواجهها أمتنا في هذا العصر، كما نعني بالتطوير تطوير الجوانب الإعلامية والتقنية والتمويلية التي تخدم القرآن الكريم وتساعد على نجاح مشروعاته، ولو تأملنا الجهود التي تبذل في خدمة الإنجيل والباحثين المتخصصين فيه لتملكنا الذهول من تلك الأموال التي تنفق في ذلك، لكننا نثق بتوفيق الله لأهل القرآن، ونجد من تسديد الله ما يجعلنا نواصل المسير في هذا المشروع ونطلب من كل من يبلغه خبرنا أن يخصنا بدعوة طيبة ينفعنا الله بها في الدنيا والآخرة. وقد حرصنا في محاور المؤتمر الدولي لتطوير الدراسات القرآنية على الشمول، وقد انبثقت محاور المؤتمر في الحقيقة من الخطة الاستراتيجية لمركز تفسير للدراسات القرآنية، والتي وصلنا إليها مع أحد المراكز المتخصصة في التخطيط الاستراتيجي، ورأينا أن نحولها إلى مؤتمر عالمي لملاءمتها لأي قطاع يخدم الدراسات القرآنية، ومحاور المؤتمر ستة هي: المحور العلمي، والمحور التعليمي، والمحور التقني، والمحور الإعلامي، والمحور التمويلي، والمحور التشجيعي.

البيان: ما أبرز المعلومات عن هذا المؤتمر من ناحية الباحثين وأوراق العمل والجهات المشاركة بشكل موجز؟

وصلنا ما يزيد على 350 بحثاً مشاركاً من مختلف دول العالم، وقد استعرضت اللجنة العلمية هذه البحوث وتواصلت مع الباحثين حتى سُلمت البحوث بشكل نهائي، وانتخبت اللجنة العلمية ما يقارب مئة بحث من هذه البحوث، وأخضعت كل البحوث المقدمة للتحكيم العلمي حسب تخصص البحث المقدم، وخلصت اللجنة العلمية إلى تقسيم البحوث المقبولة إلى ثلاثة أقسام: أولاً: البحوث المقبولة للعرض في جلسات المؤتمر وعددها 34 بحثاً، ثانياً: البحوث المقبولة في حلقات نقاش وعددها 21 حلقة نقاش، ثالثاً: البحوث المقبولة للطباعة ضمن أعمال المؤتمر فقط وعددها 14 بحثاً؛ ومجموعها كلها 69 بحثاً، وسنقوم بطباعة بحوث القسمين الأول والثالث وتوزيعها في المؤتمر وإتاحتها كذلك لعموم الباحثين عبر موقع مركز تفسير وبوابته الإلكترونية، ونرجو أن تكون وثيقة مفيدة للباحثين في تاريخ تطوير الدراسات القرآنية مستقبلاً.

البيان: ما الطموح المأمول أن تقدمه الدراسات القرآنية في الساحة الفكرية والتنموية عموماً في عالمنا العربي والإسلامي؟

نحن نشكو اليوم من ضعف أدواتنا في الدراسات التي تستشرف المستقبل للدراسات القرآنية وكيفية مشاركتها الفعلية في مستقبل الأمة الإسلامية، لكننا على يقين ووعي تام بأن الأمة في إقبال واضح على تعلم القرآن الكريم ودراسة علومه والعناية بتدبره، وهي في طريقها إلى ذلك تنتظر من أبنائها المتخصصين في القرآن وعلومه أن يتلمسوا لها الطريق الصحيح الذي ينبغي عليها سلوكه، وأن يستشرفوا لها مستقبل الدراسات القرآنية التي ترتقي بعلومه وتقربها للأمة الإسلامية بمختلف اللغات، وتوظف كل وسائل العصر وتقنياته في سبيل تحقيق هذه الرسالة، وهذا ميدان بكر نسعى جاهدين للتخصص فيه وإتقان أدواته، حيث يعتبر حقل استشراف المستقبل بكراً بشكل عام، فضلاً عن استشراف الحقول الخاصة كالدراسات القرآنية مثلاً، لكننا نعمل في هذا السبيل ونسأل الله التوفيق والسداد.

رابعاً: قبل الختام.. تطلعات وتوصيات:

البيان: ما الذي ترى أنه ينقص مركز تفسير، وما نداؤك الذي توجهه لجميع الشرائح في خدمة هذا المركز؟

نحن نطمح إلى إنشاء أوقاف تكفل استمرار المركز، وتضمن استمرار نجاحاته، وتحقيق رؤيته العالمية الفريدة في خدمة القرآن وعلومه، وتطوير بيئة الدراسات القرآنية وتعزيز الناجحين فيها من المراكز والأفراد، ولو هدى الله أحد أثرياء المسلمين، وهم كثيرون، وشرح صدره لتبني مثل هذه الأوقاف؛ لحقق لمشروعنا الديمومة واستطاع المركز بذلك أن يحقق خططه وأهدافه، ونحن لا نخفي مدى حاجتنا لتعاون التجار ورجال الأعمال المسلمين، وتذكيرهم بمسؤوليتهم أمام الله في خدمة كتابه الكريم والانتصار له ممن يناله بسوء.

البيان: خاتمة تود إرسالها لأهل القرآن والباحثين في هذا المجال، وكلمة أخيرة لهذا الحوار وقراء مجلة البيان والعاملين فيها؟

أدعو إخواني وأحبابي الباحثين في القرآن وعلومه إلى تحمّل مسؤوليتهم في خدمة القرآن الكريم وعلومه والاحتساب في سبيل ذلك؛ بتعليم الناس كتاب الله والمشاركة الإيجابية الفاعلة في المشروعات الهادفة لخدمة القرآن، فالعمر يفنى والباقي هو العمل الصالح الخالص لوجه الله، وخيره ما كان في خدمة القرآن الكريم، وهو تخصص شريف ينبغي إعطاؤه حقه من النصح والبذل والناس في حاجة، وقد لمست من خلال تجربتي البسيطة في الإعلام قلة المبادرين للمشاركة في تعليم الناس القرآن وتفسيره وترسيخ المفاهيم الصحيحة في أصول التفسير وكيفية التعامل معه وتدبره دون إفراط أو تفريط حتى لا يتجرأ على هذا العلم من ليس من أهله فيضر أكثر مما ينفع.

وأما أحبابي في مجلة البيان فأسأل الله لهم المزيد من التوفيق، وأثمن جهودهم وأدعوهم للاستمرار في توعية الجيل المسلم، فهو في أمس الحاجة إلى مجلة البيان وأمثالها من المجلات الرائدة الرصينة المتوازنة العميقة.

:: مجلة البيان العدد 308 ربيع الآخر 1434هـ، مارس 2013م.