يميل بعض الإسلاميين الفضلاء إلى تصوير (تطبيق الشريعة) في النظام الإسلامي بما يتوافق مع كيفية تطبيق القوانين في النُّظُم السياسية المعاصرة؛ وذلك من خلال أن يتفق الناس باختيارهم على دستورٍ للحكم قد وافقت (أغلبيةُ) الناس على إدراج (الشريعة الإسلامية) ضمن موادِّ هذا الدستور؛ وهو ما يكفل عدم مخالفة أي قانون داخلي لنظام هذا الدستور.
ولو وقف الأمر عند هذا الحدِّ لأمكن إيجاد مخرجٍ لهذا التخريج يهوَّن فيه من أمر هذا الخلاف؛ غير أنَّ محاولة تكييف تطبيق الشريعة بما يتلاءم مع النظام الديمقراطي المعاصر جعل تطبيقَ الشريعة ليس إلا مادَّة من موادِّ الدستور يجري عليها ما يجري على أي مادَّة أخرى: من إمكانية الحذف والتعديل والتقييد، ومن كون المشروعية والقوَّة فيها تعتمد على كونها رغبة الناس وإرادتهم، لا على كونها شريعة من ربِّ العالمين.
ومن الصراحة المهمة التي لا بد أن يحتملها منَّا (إخوتنا الكرام) أن نقول: إنَّ مثل هذا التخريج هو من قبيل (لَيِّ) الشريعة، و(تطويع) أحكامها بما يجعلها متلائمة مع الثقافة الغربية المعاصرة. ولئن كان التطويع في زمنٍ مضى حاضراً بقوة في قضايا (المعجزات) و (الأمور الغيبية)؛ لتعارُضِها مع  المنهج المادي الغربي فإن أعراض هذا الوهن قد انتقلت إلى جهة أخرى من خلال تطويع الأحكام الشرعية، بل الشريعة كلِّها بما يتوافق مع سطوة الثقافة الغربية المعاصرة في قضايا الحقوق والحريات المدنية.
إنَّ هذا التفسير - وإن صدر عن فضلاء - إلا أنه مناقض للشريعة ومعارض لأصولها؛ فليس لنا خِيار في تطبيق الإسلام حتى ننتظر رأي أقليَّة أو أكثرية فيه؛ فَمَن يرفض الإسلام خارجٌ عن دائرته، ولن تكون أحكام ديننا متوقفة على إرادته؛ وقد بذل الصحابة مهجَهم ودماءهم في سبيل فتح البلاد لنشر الإسلام، ولم تتوقف الفتوحات في يوم من الدهر لمعرفة رأي الناس، وهل يقبلون بدخول جيوش الإسلام أم لا؟ بل إن علماء الإسلام متفقون على أن الطائفة التي تمتنع عن حكم شرعي واحد فإنها تقاتَل حتى تلتزم بالإسلام[1]؛ فلم يكن لأي طائفة خِيار في تَرْك حُكْم شرعي واحد؛ ولو اتفقت عليه كلُّها، وسياق الدلائل الشرعية في بطلان هذا التصُّور يطول.
إنَّ مثل هذا التخريج - وإن بدا متلائماً بعض الوقت، ومقنعاً لبعض المخالفين - إلا أنَّ له أثراً سلبياً بالِغَ السوء في إثخانه بالأحكام الشرعيَّة وتهوين قدرها في قلوب المسلمين، وذلك من جهات عديدة، من أبرزها:
أولاً: أن الشريعة حين تحكم الناس على هذا التفسير، فليس لكونها شريعة من ربِّ العالمين وإرادة من الحيِّ القيوم، وإنما مستَنَدُ ذلك كونُها رغبة الناس وإرادتهم؛ فالواجبات الشرعية: من إقامة الشعائر، ورفض الخمور، والفواحش، والربا، لا تَستمِدُّ سلطتها من كونها أمراً شرعيّاً بل من خلال رضا الناس ورغبتهم؛ وهذا هو تفسير آلية عمل الدستور في النظم السياسية المعاصرة، وفي هذا من تهوين الأحكام ما يهزُّ ضمير أي معظِّم لنصوص الشريعة.
ثانياً: إذا كانت الشريعة إنما تحكم لإرادة الأكثرية في الدستور، فبإمكانهم أن يرفضوها من خلال الطريقة نفسها؛ فالدستور ليس شأناً جامداً لا يتغيَّر، بل هو قابل للتغيير والتعديل، وحينئذٍ سيكون بقاء الشريعة في النظام الإسلامي مرتبطاً برضا الأكثرية من الناس وإرادتهم وليست أمراً ثابتاً وضروريّاً، وهذه هوَّة مهولة في أساس هذا التفسير قد دافع عنها أصحابها بأنَّ إجراءات تعديل الدستور تبدو معقَّدة وطويلة بعض الشيء ولا يمكن للناس أن يتفقوا على تغيير مادة تطبيق الشريعة.
والجواب عنه أن يقال: إن مجرد القول بأن حكم الشريعة مما يمكن أن يعاد النظر فيه هو جريمة لا تُحتَمَل؛ فليس لمسلمٍ في الشريعة أن يختار في أي حكم شرعي. يقول الله - تعالى -: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا} [الأحزاب: ٦٣]؛ فكيف يكون له الخيار في ترك الشريعة بأكملها؟ فليس لأي مؤمن أحقية اختيار الحكم الشرعي حتى ولو كان سيختار الإسلام؛ لأن إيمانه بالله يجعله منقاداً ومختاراً لأوامر الله.
فالميثاق بهذه الطريقة قائم على (إقرارٍ) بجواز تغيير الشريعة إن أراد الناس ذلك، وهذا شرط باطل وشنيع. وحتى لو كان مثل هذا بعيداً، فالدخول في العقود الدنيوية المحرَّمة باطل لتضمُّنه رضاً بمحرَّم؛ فكيف حين يكون العقد مُجِيزاً لتعطيل الشريعة بأكملها؟
ثالثاً: حين ترفـض الأكثرية تطبيـق حكم الإسلام فإن هـذا التفسـير يحتـرم لهـذه الأكثـرية إرادتها ويسلِّـم لها ما تريد، وهذا لازم شـنيع يتحاشـى كثيـرون الحـديث عنه؛ وإن كان قد التـزم به آخرون؛ فجعلـوا النظـام السياسي الإسلامي بهذا يقوم على اعتبار أقوام قد حكم الله على من فعل دون فعلهم بالكفر؛ فمن يستنكف عن التحاكم إلى الشريعة كافر بنصِّ القـرآن؛ فكيـف بمـن يرفـض الشـريعة كلهـا؟ يقول - تعالى -:{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤].
وقد يقال هنا: إن الأكثرية إذا رفضت الحكم بالشريعة فلا يكون بإمكانك أن تحكم بالشريعة؟ وجوابه: أن الواجب متعلِّق بالقدرة والاستطاعة، فإذا لم يتمكن المسلمون من الحكم بالشريعة فهم معذورون، وهو شيء خارج عن موضوعنا؛ غير أن أصحاب هذا التفسير يرفضون الحكم بالشريعة على خلاف رغبة الأكثرية؛ لأنَّ هذا ينافي حرية الاعتقاد وحقَّ الاختيار، ويؤسس للنزاع والخلاف، وهو ما يعني أن حديثهم متجه إلى تطبيق الشريعة في وضع الاستطاعة والقدرة، فلما اعتُرِض عليهم بخطورة مثل هذا الرأي استدلوا بوضع الضرورة!
رابعاً: أن أحكام الشريعة وأصولها تكون محترمة لمجيئها في الدستور؛ فاحترامها وتقديرها من احترام وتقدير الدستور؛ فهي من جنس الموادِّ والقوانين المنصوص عليها في الدساتير مما هو من شؤون الإدارة والمعيشة الحياتية؛ فليس لها من القوَّة والخصوصية شيء يذكر، والحديث عن مكانتها وقَدْرِها إنما يكون بناءً على تعظيمنا للدستور؛ فعظمة الشريعة تابعة لعظمة الدستور لا العكس.
خامساً: إن نصَّ الدستور على الحكم بالشريعة يحتاج إلى تفسير وإيضاح، وقد يتطلَّب تقييداً وبياناً، وواقع كثير من النظم السياسية المعاصرة أن تفسير ذلك يرجع إلى المجالس البرلمانية المنتخَبَة، وحينها سيكون مرجعنا في تفسير الأحكام الشرعية وتحديد ما يوافق الدليل مما يعارضه إلى الأشخاص الذين يختارهم الناس لإدارة شؤون حياتهم ولو لم يكونوا من المتخصصين والفقهاء، وحينئذٍ فمن الممكن أن يُمَدَّ الشراع لكثير من المحرَّمات من خلال هذه البوَّابة.
سادساً: إذا كان تطبيق الشريعة راجعاً لإرادة الناس، فبالإمكان تفسير الشريعة والتخفُّف من بعض أحكامها مراعاة لإرادة الناس التي كانت السبب في الحكم بالشريعة؛ فَتَرْك بعض أحكام الشريعة والتخفُّف من قوانينها التي تصادم شهوات الناس هو مِنْ استلهام روح الدستور، وحينها لن يُتَعرَّض لأصل الشريعة بالتغيير؛ وإنما سينال التغيير جزءاً كبيراً من أحكامها؛ لتتلاءم مع الذائقة المعاصرة في حريات الاعتقاد، والدعوة، وإقامة الشعائر، والمساواة المطلقة والتخفُّف من أحكام الإلزام والمنع، وأما حَدُّ الردَّة المجمَع عليه، فلهم معه أمور سأعود إليها في مقالة قادمة بإذن الله.
لقد كان حريّاً بأولئك الفضلاء أن يكون تعظيمهم للشريعة وتطبيق أحكامها أعظم في نفوسهم من ضمان مجيء الحكم بالإسلام على وَفْقِ النظريات السياسية الغربية، وبإمكانهم أن يقرروا التحاكم إلى الدساتير مع جعل الشريعة سلطةً عُليَا فوق الدساتير؛ فيكون لإرادة الناس وَضْعُ ما يريدون في الدساتير، وتكون الشريعة وأحكامها فوق هذه الدساتير وحاكمة عليها، وهي سياسة موجودة حتى في النظم السياسية المعاصرة التي تقرِّر حقَّ الأغلبية في اختيار النظام السياسي الذي يريدون، لكنْ ثَمَّ أصول وقيم في حقوق الإنسان وحرياته وفي تطبيق الديمقراطية، ترفض أن يقوم أي دستور على معارضته؛ فمن المرفوض تماماً في الثقافة الديمقراطية المعاصرة أن يقوم دستور على انتهاك أي حقٍّ من حقوق الإنسان أو حرياته على وَفْقِ المعيار الغربي.
فهل يكون قَدْرُ الإسلام في قلوب أتباعه دون قَدْرِ حقوق الإنسان لدى أولئك الغربيين؟


[1] قد حكى الإجماع في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع متفرِّقة من الفتاوى، انظر: 28/ 356 - 468 - 510 -545 - 557.