أثار رفض خوان غويتيسولو لإحدى الجوائز العربية حَنَق بعض المثقفين المتهافتين ممن تخلَّوا عن دورهم الطليعي التنويري الحضاري، واختاروا بيع ضمائرهم، ولَعِبَ دور النديم المهرج للسلطان؛ فأينما وليت وجهك تجدهم بجانب ولي النعمة، دون أدنى إحساس بالذنب أو تأنيب الضمير لتغاضيهم عن معاناة بني جلدتهم من الشعوب العربية المقهورة.
وقد يتساءل بعضهم:أليس غريباً أن ينتصر كاتب إسباني للشعوب المسحوقة، بينما نخبتها «تنام في العسل» أم هي مجرد عنترية جوفاء، كما يفعل كتَّابنا العرب الميامين؟
كلاَّ، لقد سبق أن ساند من قَبْل المسلمين، مخاطراً بحياته، وقام بما لم يقم به سائر مثقفي العالم العربي والإسلامي وكتَّابه ومبدعيه وفنانيه.
إنني ممتن لموقف الكاتب الإسباني، الذي دفعني إلى قراءة كتاب قديم له، كنت قد اشتريته منذ مدة من بين الكتب المستعملة من عند كُتبيٍّ عجوز يفترش رصيفاً. ثم وضعت الكتاب جانباً، وانشغلت بقراءة الروايات والكتابة عنها، (وأبرر هنا إهمالي له بأنه ليس كتاباً إبداعياً).
وأتذكر جيداً أنني سبق وقرأت عن محنة شعب البوسنة والهرسك، قبل أكثر من عقدين. أتذكر تلك اللحظة جيداً، وكأنني أتصفح ذلك العدد من تلك المجلة الإسلامية الآن، وكنت يومها دون سِنِّ العشرين.
ومن أجل الأجيال التي لم تعاصر تلك المذبحة، ومن أجل الأجيال القادمة نقدِّم هذا العرض.
كما جاء في مقدمة مترجم الكتاب، الصادر عن دار الفنك المغربية (1994م) الدكتور طلعت شاهين، فإن خوان غويتيسولو يُعدُّ من القليلين الذين أصدروا بيانات ضد النازية الجديدة في البوسنة والهرسك، تلك التي تحاول القضاء على آخر شعب مسلم في أوروبا، وقد خاطر الكاتب بالسفر إلى سراييفو؛ حيث أمضى أسبوعاً كاملاً، عايش خلاله الموت الذي يحيط بالمدينة في كل لحظة؛ فكان نتاج هذه الرحلة مجموعةَ مقالات سماها: «دفتر سراييفو». وللكاتب حساسيته المميزة اتجاه القضايا الإنسانية العادلة بشكل عام، والعربية الإسلامية بشكل خاص، وفي حوارٍ مع المترجم صرح غويتيسولو بأنه حاول أن يظل محافظاً على احترامه لنفسه؛ فقد كان يشعر بالغثيان من قراءة ما يحدث هناك يومياً، وبعد مرور أكثر من سبعة عشر شهراً لم يعد يقبل هذا الدور دون أن يكون طرفاً مباشراً فيه، لكنه يعتقد أن الكتابة وحدها لا تكفي.
في طريق الرحلة يثير انتباهه مجموعة من السياح، فيتذكر ما قرأ في الصحف، عن شركاتٍ سياحية إيطالية تعلن عن رحلات خاصة للسياح المتعطشين إلى الاستمتاع بمشاهدَ خارقة للعادة؛ حيث يجوبون المناطق التي دمرتها الحرب حديثاً في مختلف أنحاء العالم، فيستنشقون رائحة البارود، ويتجولون في القرى المدمَّرة، ويشاهدون الأجساد المتحللة والمقابرَ الجماعية التي لا يكاد يغطيها التراب وأكوامَ الجثث المصطفة، ويخمِّن أنهم في طريقهم إلى البوسنة، ويتساءل: هل يذهبون لالتقاط صور فوتوغرافية للنساء والأطفال المكدسين في قطارات النفي، أم لتصوير البيوت المحترقة والأجساد المتفحمة والمساجد المدمرة، أو تلك الفتاة المسلمة التي رسموا على ذراعـــها الصليــب بسكيــن حاد، أو تلك المرأة الباكية أمام كاميرات التلفزيون، وهي تقص حادث اغتصابها المكرَّر على أيدي جيرانها، وتبول طفل أحدهم على وجهها وهم يمسكونها بأيديهم، وكلُّ جريمتها أن زوجها هرب ولم يدافع عن قضيتهم المباركة، وتعاون مع «المتطرفين المسلمين».
لحُسْنِ الحظ أن الحقيقة كانت بخلاف ذلك، لكن الكاتب يستغرب كيف يستمتع أولئك السياح بجمال الشاطئ الدلماسي (اليوغوسلافي)، ويتجاهلون ما يحدث على بعد مائة كيلو متراً. وفي الطريق إلى الفندق يسأل سائق السيارة أين يمكنه مقابلة المهجَّرين من البوسنة والهرسك، ممن يستطيع الحديث معهم باللغة الإيطالية، (وكان على معرفة بأنهم يقيمون في الفندق نفسه)، ولا يخفي السائق عنصريته اتجاه المسلمين قائلاً: «هذه مدينة نظيفة... وجودهم هنا يسبب لنا هروب الزبائن. نحن لا نريدهم هنا في سيليت».
- إلى أين تريدهم أن يذهبوا؟
- إلى تركيا أو ليبيا. عن نفسي أقول لك: فَلْيذهبوا إلى الجحيم».
أمَّا نشرة الأخبار الكرواتية، فهي مكرَّسة للأنشطة والخطب واللقاءات اليومية للرئيس العبقري توجمان. وفي دليلٍ مصوَّرٍ قديم للعاصمة (ما قبل الحرب) يقرأ تحته: «إذا سافرت نهاراً، فستعثر على مدينة شرقية تشبه تلك التي توجد فقط في الأساطير وستُذهل وأنت تخترق طرقها الواسعة ذات العمارات الحديثة البراقة أو على الطراز النمساوي في القرن التاسع عشر». بَيْدَ أنها لم تعد سوى ساحة من الدمار، مليئة بالجراح والأوصال الممزقة؛ أما والمباني والشوارع فقد اختفت بالكامل من الوجود، والناس قابعون في مخابئهم...
ويشبِّه الكاتب العيش في سراييفو بأنها حياة في مصيدة الفئران، تجبرهم على تجنُّب أماكن الخطر ومعرفة الأماكن التي يمكن التنزه فيها، دون خطورة كبيرة ومعرفة حتى الزوايا والتقاطعات المفضلة لدى القناصة؛ فأبسط خطأ أو غفلة في اختيار الطريق يؤدي إلى النهاية المشؤومة، مع أن الجميع مضطرون للخروج بحثاً عن الماء والطعام ومواد التدفئة، ويتعايش السكان مع مشاهد الإبادة اليومية والإحساس العام بالخيانة. ولا يتوانى الكاتب عن وصف كل ما يحدث في البـوسـنة وسراييفو مـن عمليـات قتـل وتدميـر ومـذابح أو ما يسمى بالتطهير العرقي الذي يجري بلا رادع.
ففي إحدى المستشفيات التي لم تسلم بدورها من القصف، تجد أغلب المصابين في المستشفى مبتوري السيقان أو مقطوعي الأيدي، وفي غرفة واحدة كان هناك مصاب كرواتي برفقة صربي ومسلم، يعيشون ثلاثتهم (كأشقاء)؛ حيث يصرِّح له الكرواتي بأن «الشكناز يريدون زرع الكراهية في قلوبهم». وفي جناح الأطفال يحس غويتيسولو باستحالة الوقوف إلى جوار طفلة صغيرة تتدلى عضلة ساقها الممزقة في دلو ماء... وفي المقبرة تتوجه كل الشواهد المسيحية والإسلامية، بجميع طوائفها، باتجاه القبلة؛ فالموت وحده يوحِّد بين المؤمنين من ديانات أهل الكتاب ضحايا الوحشية نفسها، ويقترح أن تضم المقبرة شاهداً آخر تُكتَب عليه عبارة: «هنا ترقد كرامة المجموعة الأوربية ومصداقية منظمة الأمم المتحدة المقتولتان في سراييفو. لقد ذهبتا ضحيتي جبن مفاوضيهم وزعمائهم النموذجي ووقاحتهم»، ولا يتردد المؤلف في أن يعلن أن تلك القرارات والاتفاقيات بقيت مجمَّدة في الأدراج؛ لأن المصالح الحيوية لتلك القوى لا تتعرض للخطر.
إن السيد رادوفان كاراديتش الذي يتخفى خلف مظهر شاعر حالم يتظاهر بجهله التام بتعبير «التطهير العرقي»، ويضمنه ببلاهة في إجاباته على الصحافيين، فيرد مستنكراً: «مذابحَ وغرفَ غاز ومعسكراتِ قَتْل؟ إنها من صنع خيال المجاهدين، والمتطرفين المسلمين الذين يحاولون السيطرة على أوربا»، فهو يلعب مع ميلوزفيتش وسيسليج دور الضحايا لمؤامرة (فاتيكانية، إسلامية، ألمانية)، وهم يقاومون كل المؤامرات بفضل مساعدات الروس واليونانيين، فضلاً عن حماية «سانا سافا» ضامن النصر النهائي للشعب السماوي المختار الذي تتغنى به الأغاني الشعبية الصربية.
وفي مأوىً للاجئين، قابل الزوجين ياسمينكا وإيساك، وتحت الجدار عُلِّقت عليه سُـبَحٌ وشعار البوسنة والهرسك وضحا له أن «الشكناز ينفذون الأوامر كالآلات المبرمجة تماماً، وأكثرهم مرتزقة من روسيا و أوكرانيا أو من المجرمين الذين أطلقهم ميلوزفتش من السجون. يريدون أن يزرعوا الكراهية بيننا، لكنهم لن يتمكنوا من ذلك، سنعود لنعيش معاً في يوم من الأيام.
وفي الجانب الآخر من الشارع توجد عائلات صربية، يساعد كلٌّ منهم الآخر، ويهبطون المخابــئ معهـــم... «نحن لا ننسى، لكننا نعفو».
 إنها سراييفو... وهكذا كانت.
أما الأرملة «أبزيا» فتسرد كيف أن قوات النسور البيض قام أفرادها بغرز كُلاَّب جزَّار في فم جارها المسلم ووثقوا يديه ثم ربطوه إلى خلفية سيارة وسحلوه، ليراه كل الناس ثم ذبحوه، ولعبوا برأسه كرة القدم، وبعدها رموا بأشلائه في النهر، وأجبروها على وضع فوهة مسدس في فم ابنها وينهالون عليها ضرباً بأيديهم وأرجلهم لتطلق الرصاصة، وحين يئسوا غادروا، لكنها فقدت النطق ثمانية أيام؛ لم تستطع خلالها النطق بأي حرف.
أما المسلمون اللاجئون إلى قراشدة، فقد حُشِروا داخل مسجد قديم، أضرموا فيه النار، ولم تنسَ صرخاتِهم المرعبة ورائحةَ اللحم المحترق. وعن إمكانية العيش مع صرب القرية من جديد، ترد بأنه من الصعب أن تعود للعيش إلى جوار الرجل الذي أرشدهم إليهم.
يسمي الكاتب قصفَ معهد الدراسات الشرقية، بمكتبته الشهيرة؛ حيث احتــرقــت محتــوياتهــا الثقافية الثمينــة بـ: «اغتيال الذاكرة»، وهو يرمي إلـى إزالة أي أثر إسلامي من أرض صربيا الكبرى، وأولها المكتبة التي تمثل ذاكرة الشعب البوسني المسلم.
ونائب رئيس الجمعية الإنسانية للثقافة والتعليم اليهودي يتأسف؛ لأنه لا أحد يزور البوسنة منذ استقلالها، ومنهم إسبانيا التي لا ترسل سوى الضباط وقادة الجيش، ويقول: «إنه لمن المخجل أن تتجاهلنا إسبانيا ولا تقيم علاقات مع البوسنة»، ويرى أن العلاقات بين الطوائف الدينية في البوسنة كانت طيبة جداً. وأنهم كانوا يطلقون على سراييفو اسم «أورشليم الصغرى». أما المعونات فهي «صدقة مهينة» بتعبيره... فهم يرسلون إليهم الحثالة وما لا يصلح للبيع من ملابس وأطعمة محفوظة، وأولئك المتوحشون يطلقون عليهم النار دون تمييز؛ لأنهم يعيشون معاً، ويعتبر الحديث عن التهديد الإسلامي «فرية من أكاذيب ميلوزفيتش؛ فالمتطرفون الحقيقيون هو وعصابته».
ويعتبر الكاتب وجود قوات القبعات الزرق بدورها المحدود حوَّلها إلى متفرج ثم إلى مشارك أخرس للمعتدي، والرافضون للتدخل العسكري يستخدمون الإعانات الدولية كسلاح يحرم المحاصرين في سراييفو من حقهم الشرعي في الدفاع عن النفس، بينما بيل كلينتون (الرئيس الأمريكي وقتها) يلقي بصواريخه على العراق، وهو ما قوبل بالتفهم من جانب وزارات الخارجية الغربية... ولا أحد يدين القناصة الذين يقطفون أرواح النساء والأطفال؛ لأن المنطقة التي تجري فيها هذه الأحداث، لا تدخل في مناطق «المصالح الحيوية» للولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية، وقيمة الإنسان البوسني أقل من قيمة برميل البترول الخام.
إن المتطرفين الصرب يطلقون صرخات التحذير من «المتطرفين المسلمين» الذين توجههم إيران، هكذا تصير حرب التطهير العرقي حرباً صليبية جديدة ويجري إحياء الصراع الأوروبي القديم ضد المسلمين ومحاولاتهم إقامة «خلافة إسلامية في البلقان»، وهي حرب إعلامية أيضاً؛ فتلفزيونا (الصرب واليونان)، يحذران من الخطر التركي؛ حيث يبث تلفزيون بلغراد وصلة غنائية فيها فتاة بزي فلكلوري صربي تنحني بإثارة لتقبل مدفعاً يقصف مسلمي (أتراك البوسنة).
ويؤكد رئيس أئمة البوسنة أن الحكومات الأوروبية بدل مساعدتهم وقفت تتفرج عليهم وتسمح بإبادتهم، ناكرين حقهم المشروع في الدفاع عن النفس، ويتساءل: بِمَ تفيدهم المساعدات الإنسانية إن كانوا يتركونهم يُذبَحون، وعن التهديد الإسلامي ردَّ بقوله: إنها فكرة يشيعها الصرب فقط، وهناك أكثر من سياسي غربي يعد استراتيجيته الخاصة لمواجهتها؛ فالشكناز يريدون محو الإسلام من منطقة البلقان.
قبل الرحيل يعترف الكاتب أن مبادرته والكاتبة الأمريكية سوسن سونتاغ لجذب كتَّاب من ذوي الأسماء الرنانة إلى سراييفو باءت بالفشل، والمسألة ليست سوى مقتٍ للإسلام، بينما المثقفون البوسنيون الذين ظلوا في سراييفو يسألون زملاءهم بإلحاح: «لماذا كل هذا الجبن وكل هذا الصمت؟». ويُقِر الكاتب أن لا أحد يخرج من جحيم سراييفو سالماً؛ فمأساة المدينة تحوِّل قلب وجسد من يشاهدها إلى قنبلة على أهبة الانفجار في مناطق الأمن المعنوي للمذنبين بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا الانفجار هو الذي يسبب أقصى الخسائر.