يجب قبل الشروع في الرد على المخالف – سواء كان مشافهة أو كتابة – أن تراعى الآداب والضوابط الشرعية حتى يؤتي الرد ثمرته المطلوبة ولا يؤدي إلى مفاسد شرعية تربو على مفاسد ترك الرد.

ومن أهم هذه الضوابط والآداب ما يلي:

أولاً: اتصاف الرَّاد بالعلم الشرعي الصحيح الموافق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبخاصة في المسألة المراد الرد عليها ومناقشتها، وأن يكون الكلام بعلم ودليل ومأخذ صحيح في الاستدلال؛ ومن ذلك التوثق والتثبت من كلام المردود عليه من كتبه أو كلامه لا من الظنون وكلام الناس، ومن ذلك تحديد موضع النزاع وتحريره.

ثانياً: اتصاف الرَّاد بالإخلاص والتجرد لله تعالى في رده وبعده عن الهوى والعصبية والتشفي، وهذا يلزم عليه أشياء كثيرة، من أهمها: العدل مع المخالف وإنصافه وتجنب ظلمه وإهدار حقه وما عنده من المحاسن، وهذا يقتضي الحذر من الهوى والتعصب الأعمى.

وقد ذكر الشوكاني رحمه الله بعض الأسباب التي تؤدي إلى عدم العدل والإنصاف، فقال: “واعلم أن أسباب الخروج عن دائرة الإنصاف والوقوع في موبقات التعصب كثيرة جداً، منها:

(أ) نشأة طالب العلم في بيئة تمذهب أهلها بمذهب معين، أو تلقوا عن عالم مخصوص، فيتعصب ولا ينصف.

(ب) حب الشرف والمال، ومداراة أهل الوجاهة والسلطان، والتماس ما عندهم، فيقول ما يناسبهم ولا ينصف.

(ج) الخوض في الجدال والمراء مع أهل العلم، والتعرض للمناظرات، وطلب الظهور والغلبة، فيقوى تعصبه لما أيده ولا ينصف.

(د) الميل لمذهب الأقرباء، والبحث عن الحجج المؤيدة له، للمباهاة بعلم أقربائه، فيتعصب حتى لخطئهم ولا ينصف.

(هـ) الحرج من الناس في الرجوع عن فتوى قالها، أو قول أيده واشتهر عنه، ثم تبين بطلانه، فيتعصب دفعاً للحرج ولا ينصف.

(و) الزلة في المناظرة مع من هو أصغر سناً، أو أقل علماً وشهرةً، تجعله يتعصب للخطأ ولا ينصف.

(ز) التعلق بقواعد معينة يصحّح ما وافقها، ويخطّئ ما خالفها، وهي نفسها غير مسلمة على الإطلاق، فيتعصب بالبناء عليها ولا ينصف.

(ح) اعتماد أدلة الأحكام من كتب المذاهب؛ لأنه سيجد ما يؤيد المذهب باستبعاد دليل المخالف، فيتعصب ولا ينصف.

(ط) الاعتماد في الجرح والتعديل على كتب المتعصبين، إذ يعدلون الموافق ويجرحون المخالف، فمن بنى على كتبهم يتعصب ولا ينصف.

(ي) التنافس بين المتقاربَين في الفضيلة أو المنزلة، قد يدفع أحدهما لتخطئة صواب الآخر تعصباً ومجانبةً للإنصاف.

(ك) الاعتماد على الآراء والأقوال من علم الرأي المخلوطة بعلوم الاجتهاد، كأصول الفقه، ما يترتب عليه تعصب للرأي وخروج عن الانصاف[1].

والإخلاص يقتضي الحذر من الكيل بمكيالين: مكيال للنفس يستوفي فيه، ومكيال للمخالف يخسَره فيه ويبخسه حقه.

فعند تقويم مواقف الرجال كم نستنكر سلوكاً لرجل نخالفه، ثم تمر السنون، ويدور الزمان دورته، ويصدر نفس السلوك في موقف مشابه من رجل نحبه ونتفق معه، فنعلل له ونبرر ونحسن الظن، بل نكبر حكمته التي قد لا تدركها عقولنا! لماذا نقبل الشيء نفسه من امرئ ونعده عيباً في غيره؟!

قد تجد بعض الناس يبالغون في حب امرئ ومديحه، وقد لا يتركون شرفاً في الدنيا إلّا وينسبونه إليه، وتمر أقدار، وبالخلطة والمعايشة الطويلة في السفر والحضر، والتعامل بالدرهم والدينار؛ يغدو المادح قادحاً، والمزكّي جارحاً، والممدوح مذموماً.. صور كثيرة من هذه الأصناف نشهدها في بعض الوعّاظ والخطباء والموجّهين والناصحين الذين يرون فيما يقومون به واجباً شرعياً لا يسكت عنه، فإذا ألقيت النصيحة والموعظة إليه وطرقت سمعه وانهالت التعليمات عليه؛ صار ذلك من سوء الأدب أو سوء الظن به، أو الظلم والتجريح المنهي عنه شرعاً.. نرى ذلك في الشرح لعيوب الناس ونواياهم، ويسمى تشريحه هذا تقويماً وتعديلاً، فإذا وضع هو على المشرحة والتقويم سماها غيبة ونميمة، وعدم ستر العيوب بالنصيحة سراً...”[2]، وغيرها من صور الكيل بمكيالين.

والإخلاص يقتضي حرص الرّاد على سلامة قلبه نحو المخالف، وأن يحذر من التشفي في الرد والخصومة؛ لأن الإخلاص يقتضي حب الخير للناس والرحمة والشفقة بهم، وهذا شأن أهل السنة والأتباع المخلصين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -: “وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق[3]، وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: “أرحم أمتي بأمتي أبو بكر[4]، وهذا ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما يذكر عن نفسه أنه يحب الخير للمسلمين في كل مكان ولو لم يكن يعرفهم أو ينتفع بالخير الذي أصابهم.

فعن ابن بريدة الأسلمي قال: “شتم رجل ابن عباس فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وإن فيّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية في كتاب الله فلوددت أن جميع الناس يعلمون ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح، ولعلي لا أقاضي إليه أبداً، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب بلاد المسلمين فأفرح وما لي به سائمة[5].

ثالثاً: الحذر من ردود الأفعال التي قد تذهب بالرّاد إلى طرف آخر مقابل للمردود عليه، متجاوزاً حد التوسط والتوازن والاعتدال.

رابعاً: قبول ما يظهر على لسان المخالف من الحق والفرح به وبإصابته للحق ورد الباطل من كلامه وتفنيده.

قال رجل لابن مسعود رضي الله عنه: أوصني بكلماتٍ جوامع، فكان مما أوصاه به أن قال: “... ومن أتاك بحق فأقبل منه وإن كان بعيداً بغيضاً، ومن أتاك بالباطل فاردده وإن كان قريباً حبيباً[6].

ويقول الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في وصاياه للدعاة: “التزم الإنصاف الأدبي بأن لا تجحد ما للإنسان من فضل، وإذا أذنب فلا تفرح بذنبه، ولا تتخذ الوقائع العارضة منهية لحال الشخص، وباتخاذها رصيداً ينفق منه الجراح في الثّلب والطعن، وأن تدعو له بالهداية. أما التزيد عليه، وأما البحث عن هفواته، وتصيدها، فذنوب مضافة أخرى.والرسوخ في الإنصاف بحاجة إلى قدر كبير من خلق رفيع ودين متين[7].

خامساً: لا يؤخذ المخالف بلازم قوله؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب. أي أن ما يلزم على كلام المخالف من لوازم باطلة لا يجوز أن تنسب إليه بمجرد أنها من لوازم قوله؛ فإن هذا من الظلم، كمن يلزم من أحل النبيذ بلازم قوله، وهو استحلال ما حرّم الله عزّ وجلّ، أو من لم ير الجمع بين الصلاتين في السفر بأنه يرد السنة ويهجرها. ولا يلزم أحد بلازم قوله حتى يتبناه صراحة ويعبّر عنه بنفسه، أو أن يسأل فيجيب فيكون منطوق لسانه حجة عليه. وإنما يستخدم ذكر لوازم الأقوال لإبطالها، وبيان غلط وتناقض المردود عليه لكي يتراجع عن كلامه.

يقول ابن حزم رحمه الله تعالى -: “وأمّا من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم، وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفراً، بل قد أحسن، إذ قد فر من الكفر... فصح أنه لا يكفر أحد إلّا بنفس قوله، ونص معتقده، ولا ينفع أحد أن يعبر عن معتقده بلفظ يحسن به منهجه، لكن المحكوم به هو مقتضى قوله فقط[8].

سادساً: الحرص في نقد المخالف على وصف مقالته والرد عليها، دون التعرض لشخصه أو نيته ومقصده، إلا إذا ظهرت قرائن قوية تدل على فساد النية وخبث الطوية.

 سابعاً: الاعتنــاء الشديد بالدقــة في التعبير والإفهام سواء كان مشافهة أو كتابة والبعد في الردود عن الألفاظ الغريبة الغامضة، أو الحمالة؛ حتى لا يفهم كلام الراد على غير ما أراد.

وبعد ذكر هذه الضوابط أنصح نفسي وإخواني منبهاً إلى:

ذكر الميزان العدل والوسط في نقد الأخطاء والموقف من المخالف:

والناس في مواقفهم من مخالفيهم ونقدهم لأخطائهم طرفان ووسط:

الطرف الأول: أهل الغلو والإفراط:

وهم الذين أفرطوا في نقد الأخطاء وأصحابها حتى جعلوا من الفروع أصولاً ومن بعض الجزيئات كليات. وجعلوا همّهم تصيد الأخطاء والفرح بها وتضخيمها، ولم يرحموا من وقع فيها من طلاب العلم، بل جاروا عليهم في ذلك حتى أساؤوا الظن بهم وبنواياهم ومقاصدهم، وبخسوهم حقهم، وأهدروا حسناتهم وما لهم من بلاء وجهاد ودعوة وعلم وعمل وتعليم. ولا يخفى ما في هذا الموقف من عدوان ومجانبة للعدل والإنصاف. وفي أمثال هؤلاء يقول الشعبي رحمه الله تعالى -: “والله لو أصبتُ تسعاً وتسعين مرة، وأخطأت مرة، لعدّوا عليّ تلك الواحدة[9].

ولو أن هؤلاء المنتقدين حاسبوا أنفسهم وسألوها حينما يخطئون هل يودون أن يعاملهم إخوانهم بهذا المنهج الجائر كما يعاملون غيرهم؟ لكان في ذلك سبباً لمراجعة أنفسهم، واكتشافهم هذا المنهج الخاطئ في نقد الرجال ومعالجة الأخطاء.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -: “فليس من شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأً مغفوراً لهم، بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقاً، وبل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة.

وقد قال الله تعالى -: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُتَّقُونَ 33 لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْـمُحْسِنِينَ 34 لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الزمر: ٣٣ - ٣٥]. فقد وصفهم الله بأنهم متقون. و {الْـمُتَّقُونَ} هم أولياء الله. ومع هذا فأخبر أنه يكفّر عنهم أسوء الذي عملوا. وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم والإيمان[10].

ويعلق الإمام ابن القيم رحمه الله على قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: ٨]، فيقول: “فإذا كان قد نهى عباده أن يحملهم بغضبهم لأعدائه أن لا يعدلوا عليهم مع ظهور عداوتهم ومخالفتهم وتكذيبهم لله ورسوله، فكيف يسوغ لمن يدّعي الإيمان أن يحمله بغضه لطائفة منتسبة إلى الرسول تصيب وتخطئ على أن لا يعدل فيهم، بل يجرد لهم العداوة وأنواع الأذى، ولعله لا يدري أنهم أولى بالله ورسوله وما جاء به منه علماً وعملاً ودعوةً إلى الله على بصيرة[11].

الطرف الثاني: أهل التفريط والإضاعة:

وهؤلاء وإن كانوا فرّطوا في الأخذ بالحق ورد الباطل والتقليد الأعمى، إلّا أنهم وقعوا في المقابل في الغلو في الرجال والتعصب لأخطائهم ولسان حالهم يقول بالعصمة لمن قلدوهم؛ ولذا ترى الواحد منهم يزعجه ويكدّر خاطره إذا قيل إن شيخه وأستاذه مخطئ في بعض ما ذهب إليه من قول أو عمل، ويدفعه تعصبه لشيخه وغلوه في محبته له وتأدبه معه إلى تصحيح كل ما يقول أو يفعل، مبرراً ذلك بمبررات سامجة متكلفة.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى - في وصف أهل الطرفين السابقين بعد أن ذكر فضل أئمة الإسلام: “... وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يوجب قبول كل ما قالوه. وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها ، لا يوجب إطراح أقوالهم جملة، وتنقصهم والوقيعة فيهم؛ فلا نؤثم ولا نُعصّم، ولا نسلك بهم مسلك الرافضة في عليّ رضي الله عنه ، ولا مسلكهم في الشيخين رضي الله عنهما[12].

وينتقد رحمه الله تعالى هذين الطرفين بصورة أوضح في معرض ردّه على بعض الشطحات التي وقع فيها الهروي - رحمه الله تعالى في منازل السائرين، وانقسام الناس في تعاملهم مع هذه الشطحات، فيقول: “شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، وكل من عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك، ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله ثم نبيّن ما فيه... [إلى أن قال]: هذا ونحوه من الشطحات التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات، ويستغرقها كمال الصدق وصحة المعاملة وقوة الإخلاص وتجريد التوحيد، ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الشطحات أوجبت فتنة على ثلاث طوائف من الناس:

إحداهما: حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم، وصدق معاملتهم؛ فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساؤوا الظن بهم مطلقاً، وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرك جملة، وأُهدرت محاسنه؛ لفسدت العلوم والصناعات والحكم، وتعطلت معالمها.

الطائفة الثانية: حُجبوا بما رأوه من محاسن القوم، وصفاء قلوبهم، وصحة عزائمهم، وحسن معاملاتهم؛ عن رؤية عيوب شطحاتهم، ونقصانها، فسحبوا عليها ذليل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها، واستظهروا بها في سلوكهم، وهؤلاء أيضاً مفرطون.

الطائفة الثالثة: وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته؛ فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد[13].

الموقف العدل الوسط:

وأهله الذين ذكرهم ابن القيم رحمه الله تعالى فيما سبق وسماهم الطائفة الثالثة، حيث قال عنهم: “وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته. فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد[14].

أي أنهم لم يقعوا فيما وقع فيه أهل الغلو والإفراط المضخمين للأخطاء، المهدرين لحق من وقع منه الخطأ، والمهدرين لحسناتهم، المهتمين لنياتهم، بل حفظوا لهم حقوقهم، ولم ينسوا لهم بلاءهم وجهادهم وحسناتهم، ووضعوا أخطاءهم في حجمها الذي تستحقه، ووازنوا بين حسناتهم وسيئاتهم. وفي المقابل لم يذهبوا إلى تقديس الأشخاص، وادّعاء العصمة لهم سواء بلسان المقال أو الحال ، بل نظروا للمخطئين بأنهم غير معصومين، ولم يدفعهم حبهم وأدبهم مع شيوخهم إلى تقليدهم في كل ما يقولونه، أو ما يفعلونه.

وبعد وضوح الموقف العدل وما يكتنفه من الطرفين المذمومين، أسوق نموذجاً رفيعاً يوجهنا فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الطريق العادلة المستقيمة في نقد المخالف وأخطائه، يجب على كل مسلم، وبخاصة طلاب العلم والدعاة، أن يأخذوا به ويتعاملوا مع بعضهم في ضوئه وهداه.

وهذا النموذج هو ما عالج به الرسول صلى الله عليه وسلم خطأ حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حينما أرسل إلى قريش يخبرهم بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم في عام الفتح. وقد تمت هذه المعالجة حسب المراحل التالية:

المرحلة الأولى: مرحلة التثبت من وقوع الخطأ:

وفي هذه الحادثة قد تم التثبت عن طريق أوثق المصادر ألا وهو الوحي، حيث أوحى الله عزّ وجلّ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بخبر الكتاب الذي أرسله حاطب مع المرأة، وأين هي المرأة؟

المرحلة الثانية: مرحلة التثبت من الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ:

وهذا الأمر متمثل في قوله صلى الله عليه وسلم لحاطب: “ما حملك على ما صنعت؟”. وهذه المرحلة مهمة؛ لأنه قد يتبيّن بعد طرح هذا السؤال أن هناك عذراً شرعياً في ارتكاب الخطأ، وتنتهي القضية عند هذا الحد، فإذا لم تنتهِ عند هذا الحد مثل ما ظهر في قضية حاطب، وأن العذر الذي أبداه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مقنعاً لكنه طمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدق حاطب، وأنه ما زال مسلماً، نقول: إذا لم يكن العذر مقنعاً من الناحية الشرعية، فإنه يصار إلى:

المرحلة الثالثة: وفيها جمع الحسنات والأعمال الخيرة لمرتكب الخطأ وحشدها إلى جانب خطئه، فقد ينغمر هذا الخطأ أو هذه السيئة في بحر حسناته، وهذا هو الذي سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم مع حاطب رضي الله عنه، حيث قال  لعمر عندما استأذن في قتل حاطب: “أليس من أهل بدر؟”. فقال: “لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم”.

وقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله - كلاماً جيداً حول هذا الموضوع، حيث قال في رده على من قال «إن الله يعافي الجهال ما لا يعافي العلماء»: “فالجواب: أن هذا الذي ذكرتموه حق لا ريبة فيه، ولكن من قواعد الشرع والحكمة أيضاً أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل من غيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث؛ بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى الخبث.

ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: “وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم”، وقد ارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه شهد بدراً، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم لكن منع من ترتيب أثره عليه ما له من المشهد العظيم؛ فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من حسنات”[15].

:: مجلة البيان العدد  321 جمادى الأولى 1435هـ، مارس  2014م.


[1] انظر: الائتلاف (ص 101 - 102) بتصرف يسير واختصار.

[2] انظر: الائتلاف (ص101 - 102) بتصرف يسير واختصار.

[3] مجموع الفتاوى (16/ 96).

[4] مسند أحمد (3/2881)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1224).

[5] مجمع الزوائد (9/284)، وقال الهيثمي: أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

[6] الإحكام في أصول الأحكام 4/586.

[7] تصنيف الناس بين الظن واليقين (ص 77 - 78).

[8] الفصل لابن حزم (3/ 294).

[9] نزهة الفضلاء (1/ 504).

[10] مجموع الفتاوى (11/66 - 67).

[11] بدائع التفسير (2/105).

[12] إعلام الموقعين (3/ 358).

[13] مدارج السالكين [2/220-224باختصار].

[14] مدارج السالكين [2/220-224باختصار].

[15] مفتاح دار السعادة 192.