اختص خطاب الإنذار بأمة الدعوة، واختص خطاب التذكير بأمة الإجابة، والدعوة في الأصل إنما هي الدعوة إلى توحيد الله تبارك وتعالى، أي إلى الدخول في دين الإسلام، فإذا دخل المرء في الإسلام صار من أمة الإجابة، فيتحول الخطاب إلى خطاب تعريف وإعلام وتذكير. ولقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار قومه بدعوتهم إلى توحيد الله عز وجل كما جاء في قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: ٢١٤]، وقوله تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر: ٢]، وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْـجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْـجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: ٧]، وظل يدعو قومه ويعرض دعوة التوحيد على قبائل العرب، ولما استجاب من استجاب وآمن من آمن كان خطابهم ترسيخ هذا الإيمان والأمر بالتكاليف والإعلام بمقتضيات التوحيد، كما كان الخطاب – أيضاً - خطاب تذكير ورقي إلى معالي الأمور ومحاسن الأخلاق كما في قوله تعالى: {إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِـمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: ٣٧]، وقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْـمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: ٥٥]، وقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى} [الأعلى: ١٠]. وفي حديث معاذ – رضي الله عنه – لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، قال له: “إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله...“[1]. فأهل الكتاب الذين قد ضلوا عن صحيح التوحيد، وأشركوا بالله تعالى، ونسبوا له ما لا يليق به سبحانه من الزوجة والولد؛ هم أمة الدعوة، فكان خطابهم أن يوحدوا الله عز وجل ولا يشركوا به شيئاً؛ يقول الإمام النووي في الشرح: (وفيه أي السنة أن الكفار يدعون إلى التوحيد)، ج 1 ص 167 ط الشعب/ القاهرة. ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم (في بقية الحديث) لمعاذ: «فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة»؛ لأنهم بطاعتهم أصل الدين، وهو التوحيد، صاروا من أمة الإجابة، فكان خطابهم خطاب تعريف وإعلام بشعائر الإسلام وشرائعه.

ومن خصائص القرآن الكريم وأهدافه مخاطبة الفريقين وهدايتهما، والهداية هنا هي هداية البيان والدلالة.. الفريق الأول هو فريق غير الموحدين، سواء كانوا مثلثين أو وثنيين أو ملحدين أو مرتدين أو كفاراً أصليين، وأما الفريق الثاني فهو فريق المسلمين المؤمنين. وقد جاء خطاب الفريقين في آية في مستهل سورة الأعراف وهي قوله تعالى: {كِتَابٌ أُنزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: ٢]، فقوله تعالى: {لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} إشارة إلى خطاب الفريق الأول وهم المشركون وهم أمة الدعوة، وقوله: {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} خطاب خاص لأمة الإجابة. وجاء التصريح بأمة الإجابة (المؤمنين) تشريفاً لهم، وجاء التنكير في أمة الدعوة تحقيراً لشأنهم.. ولقد خصّ القرآن الكريم خطاب أمة الدعوة بنداء (يا أيها الناس) و(يا أيها الإنسان)، وهو سمة خطاب القرآن المكي، حيث كانت الدعوة للناس كافة إلى توحيد الله دون الأمر بالتكاليف. كما خص خطاب أمة الإجابة بنداء (يا أيها الذين آمنوا)، وهو غالب خطاب القرآن المدني، حيث الأمر والنهي لأمة الإجابة، فقد استقر التوحيد وترسخ الإيمان.. وعلى أمة الإجابة ثلاثة تكاليف:

الأول: أن تصون التوحيد خالصاً، وأن تصلح داخلها وترتقي بأفرادها؛ وذلك بتفعيل حقوق الأخوة الإسلامية والوشيجة الإيمانية، وتماسك الجبهة الداخلية، وإشاعة جو من الطهر والعفاف والصدق والأمان، وترسيخ قيم العدل والتراحم، وإنما يكون ذلك بوسيلة التناصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبأسلوب “الحكمة والموعظة الحسنة“.

الثاني: أن تعمل وتسعى إلى إقامة الدين كاملاً، وهو التكليف الوارد في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} [الشورى: ١٣]، فلا يكفي ولا يعفي أن أكون ديّناً أو متديناً، بل لا بد من إقامة الدين كله؛ عقيدة وشريعة، عبادات ومعاملات، حدوداً وأخلاقاً. كما لا يكفي ولا يعفي أن أكون صالحاً، بل دليل ذلك أن أكون مصلحاً حسب قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْـمُصْلِحِينَ} [الأعراف: ١٧٠].

الثالث: أن تتولى دعوة غير الموحدين، وهو الانطلاق نحو الخارج لتحقيق عالمية الإسلام، وعموم الرسالة، وليكون الدين “كله“ في الأرض لله، ولتعبيد الخلق جميعاً لله رب العالمين؛ وذلك ببيان الرشد من الغي وعرض أصل الدين، ولهم بعد ذلك حرية الاختيار من غير إجبار ولا إكراه، قال تعالى: {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: ٢٥٦]، فالإسلام لا يُكره أحداً على الدخول فيه، وإنما لا يسكت ولا يغضّ الطرف عن المعاند المشاغب الذي يحول بين الدعوة ووصولها للناس، فهذا له شأن آخر، إذ لا بد من إزالته ومحوه من طريق الدعوة بحسب القدرة عليه، على أن تكون الدعوة إلى توحيد الله تعالى والإيمان به، فإذا استجاب المدعوون لتلك الدعوة أخذنا بأيديهم وعرفناهم وارتقينا بهم لأعلى درجات الإيمان ومراتب الإحسان، وصار الخطاب خطاب أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ونصح وتذكير، وكان هدف الخطاب إقامة الدين كاملاً كما سبق بيانه وحسب قوله تعالى: {الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْـمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْـمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: ٤١].

تلك هي المعالم الرئيسة في الدعوة، غير أن الأمور قد لا تسير على هذا النهج وذاك الملمح، إذ يحدث الخلط في كثير من الأحيان؛ فقد تغيب مفاهيم “الدار“ و“المرحلية“، فالدعوة في ديار الإسلام تختلف عن غيرها من الديار، كما أن الدعوة في مرحلة الاستضعاف تختلف عن مرحلة التمكين.. وقد يخاطب الدعاة أمة الدعوة بما تخاطب به أمة الإجابة، بل قد لا يفرق الداعي بين الموحد وغيره، وتكون الكارثة حينما تضيع حقائق الإيمان وتكاليفه، وتلتبس مفاهيم التوحيد عند أمة الإجابة، وتغيب مقتضياته، وترتكب نواقضه! ويزداد الطين بلة، ويعظم الخطب حين يغضّ الدعاة الطرف عن الأخطاء العقدية في التصور أو في السلوك؛ كالأخذ بالوسائل الغربية، واتباع {غَيْرَ سَبِيلِ الْـمُؤْمِنِينَ} [النساء: ١١٥]، والسكوت عن بعض المنكرات فلا ينكرونها تواطؤاً أو تنازلاً، فتتنزل العقوبات وتتوالى النكبات والهزائم على مدّعي الإيمان ومن يظنون أنهم موحدون!

إن الله تعالى لا ينصر ولا يؤيّد بنصره إلا أهل الإيمان الحق والتوحيد الخالص، وما كان من مذلة وإدالة عدو فبسبب الذنوب ونقص الإيمان وتقصير الموحدين؛ فما من مصيبة إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة وعودة وتصحيح للمسار، وفي هذا يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى – كلاماً نفيساً جديراً بالدراسة والتأمل: (والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه القائمين بدينه علماً وعملاً، ولم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق، وكذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، كما قال تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: ١٣٩]، فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْـمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: ٨]، فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة ففي مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان علماً وعملاً ظاهراً وباطناً.. وكذلك النصر والتأييد؛ إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى: {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: ٥١]، فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد؛ ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه؛ إما بترك واجب، أو فعل محرم، وهو من نقص إيمانه..)[2].


 

:: مجلة البيان العدد  321 جمادى الأولى 1435هـ، مارس  2014م.


[1] البخاري برقم 1395، ومسلم برقم 19.

[2] كتاب إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ج 2، ص 135، ط المكتبة القيمة - القاهرة.