كم كان معاذ يحلم بالحياة الجامعية الصاخبة، ويتحرّق شوقاً لأفكارها اللاهبة؛ فكان يعتبر الجامعة البوابة الذهبية لجني الآمال، وسرعان ما أدمته الآلام، فلم تعد ذلك العالم الذي استلب لبه، واستهوى قلبه. وجده عالماً عجيباً يحفل بالوجوه الباهتة، ويزخر بتيارات ومذاهب متلاطمة، فهل يحسن السباحة أم فاتته معرفة العمق والمساحة؟! لكنه يحمل بين جوانحه فطرة لم تدنس، وبقية من قيم فطرية لما تتلوث.

اتجه نحو دراسة اللغة العربية وآدابها التي كان مفتوناً بها، تلك اللغة الشاعرة التي كان مولعاً بأشعارها وتراثها. وعبثاً حاول والده إقناعه بدراسة الأدب الإنجليزي والحضارة الغربية؛ فهمس في أذنه:

- يا معاذ.. العقل والمستقبل يدعوانك إلى دراسة الإنجليزية وآدبها.

- وما جدوى إضاعة العمر في قراءة (الشكسبيريات) والعكوف على الأدب الغربي؟

- إنها لغة العصر ونافذة على الفكر والحضارة الغربية الثرية.

- ومن يا أبي للغة القرآن وتراثها المكنون الذي حري بأن يغيّر مسار الكون؟

ويئس الوالد من إقناع معاذ بتلك الرغبة، فتركه لما يعلمه من عناد علّه يراجع نفسه، أو يغريه تهافت الطلاب على الالتحاق بقسم اللغة الإنجليزية، والآمال العريضة، والمستقبل اللامع الذي ينتظره خريجو هذا القسم.

وتحققت رغبة الوالد وسجل بقسم اللغة الإنجليزية، ونجح أحد أساتذة الأدب العربي فيما أخفق فيه والده، وبعد حوار طويل عقب إحدى محاضراته الجميلة سأله د. حلمي:

- ألا تفكر في الالتحاق بقسم اللغة الإنجليزية؟

- لكني أعشق العربية والتبحر في علومها وآدابها.

- حبك للعربية واضح جداً، لكن أمتنا بحاجة إلى هذا التخصص والبروز فيه.

- وهل الأمة بحاجة إلى أدب شكسبير وإبداعات ميلتون وديكنز؟ وهل يكون تقويم مسار البشرية بأمثال فكر هؤلاء وآدابهم؟

- بل أمتنا بحاجة إلى منافحين عن دينهم بهذه اللغة، إلى دعاة مخلصين يجيدون هذه اللغة عسى أن تشرق شمس هذا الدين على البشرية المعذبة المحرومة من هذا النور.

وتسللت كلمات هذا الأستاذ إلى قلب معاذ دون أن تمر على أذنيه، ودب بين جوانحه دبيب مسؤولية ألقاها على كاهله، وبلغ من عمق كلمات أستاذه ودفئها أنه اشتعل رغبة في أن يكون سفيراً لهذا الدين، وتأكد من سداد هذه النصيحة ما شاهده في قسم اللغة الإنجليزية من مشاهد وأحداث؛ فهذا أستاذ مولع بالغرب مفتون به، وآخر لتقاليدهم وأفكارهم خاضع مجنون، وثالث بلغ من تقديسه الزائد للغرب وسخافاته الفكرية حداً أفقده شخصيته وكرامته، وثالثة الأثافي أساتذة مبشّرون دائبون على سلخ الطلاب عن دينهم وبث الخجل في نفوسهم من هويتهم وحضارتهم. آآآآه! كم يكابد الحر ويلاقي من غلو بعض الأساتذة المنهزمين الذين طأطؤا للغرب الرؤوس كالمصابين بمركب النقص، فضلاً عن الجهل ببديهيات الإسلام؛ لأنهم يرون أن من يرفع بالإسلام رأساً فهو متخلف وفلاح!

وذات يوم تعالت صيحات الأذان (الله أكبر الله أكبر)، وسرى نشيد المآذن يترنم بنداء (حي علي الصلاة حي علي الفلاح)، والأستاذ منهمك لأذنيه – كعادته – في تدريس الطلاب الروايات الطافحة بالمشاهد الجنسية، والعبارات البذيئة، فلا يبالي بنداء الحق، ولا يراعي مشاعر طلاب متعطشين لإجابة الداعي. فقام معاذ يستأذن في السماح له ولإخوانه بالذهاب إلى صلاة الجماعة، وإذا بصرت الأستاذ يزمجر: لا.. الضرورات تبيح المحظورات؟!

وأبى أن يأذن للطلاب بالخروج من قاعة الدرس، وكادوا ينفجرون من شدة الضحك والدهشة من هذا الجهل المركب؟! وهكذا تمر سنوات الدراسة بطيئة ثقيلة حبلى بالرغبة المسعورة في غسيل مخ الطلاب، وانتزاع إعجابهم وهيامهم بحضارة الغرب ومذاهبه، واقتلاع جذور اعتزازهم وانتمائهم للإسلام.

وعاهد معاذ ربه على التفوق في دراسته والذب عن هويته باستماتة، غير آبهٍ بأراجيف الطلاب بأنه سيدفع ثمناً غالياً، فإما الرسوب وإما الفصل؛ لكثرة مقاطعته ورده على أحد الأساتذة الأمريكان، وتفنيده شبهاته التي كان يبثها بين الطلاب، وانتفض يحرض طلاب القسم على ترك قاعة الدرس إن لم يكف هذا الأمريكي الخبيث عن الطعن في عقيدتهم ونثر الشكوك والشبهات في محاضراته.

ولم يزدد معاذ وسط هذا الجو المشحون إلا اجتهاداً وحرصاً على التفوق، لشدة ما أعجب أكثر الأساتذة بجده وذكائه وشجاعته، وأبدى هذا الأستاذ الأمريكي إعجابه بشجاعته، حتى إنه دهش أنه كان من أكثر المتحمسين لترشيحه لبعثة دراسية في أمريكا.

وفوجئ بترشيح مجلس القسم له أيضاً لقضاء عدة أشهر للإقامة في أمريكا، وطفق الطلاب ما بين مهنئ له وحاسد على هذه الفرصة الكبرى التي يتمنّونها لإتقان وإجادة الإنجليزية، ومخالطة هذا العالم الحافل بالأعاجيب، الذي بدا لخيال أقرانه كأحلام الجنة الموعودة.

وتردد معاذ في بادئ الأمر، فماذا تخبئه له ولأمثاله هذه التجربة؟

فيا له من اختبار نزل بلا اختيار، فهل يذهب بقلب مفتون مبهور أم أنه سيعود بوجه المنتصر المسرور؟! وسافرت البعثة إلى بلاد العم سام، ووسط بريقها غاص شباب وشابات وغاب فتيان وفتيات في ظلال بهرجة حضارة فاتنة خلابة، وأسلموا قيادهم – وهم بلا زاد روحي – لسحر هذه المظاهر الخادعة لحضارة تبدي زينتها وتخفي محنتها.. لقد رست أقدامهم أخيراً على شاطئ تلك البلاد المسحورة ومخايل الجمال والعدل والحرية التي طالما طربت لها الرؤوس وتاقت لخمرها الكؤوس. تلك بلاد العم سام التي كم سحرت شباباً بمظاهرها الخادعة، وكم أسرت عقولاً حضارتها الزائفة التي ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب.

وأخذ أحد المشرفين على البعثة المهزوم يضع برنامجاً مشحوناً «جريئاً» يجر الطلاب إلى اغتنام اللذائذ الحرة المطلقة من كل قيد أو عرف.. وحرضهم على غشيان أماكن اللهو ومصائد الشهوات، ومنتجات العراة.. مباهياً الطلاب بهذه المباهج، وبحلاوة حياة الحرية؟! وفطن معاذ بأن البرنامج اليومي للبعثة يمارس أنواعاً من غسيل الأدمغة المركز، وتهييج الأنفاس المبهورة؛ فمن الطلاب من أخذ يغرق رويداً رويداً في وحل الحرية، ومشى البعض الآخر على استحياء يريد التجريب وإن لم يكن عن اقتناع، واستسلم من الطلاب من استسلم فأغراه الضعف وأغواه الانبهار.. لكن معاذ أحس بعزة واستعلاء، وترفَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّع عن أن يتساقط كفراش جذبه جميل الشهوات، وأشفق على بلاد تعرَّّّّّّّّّّت من كل قيمة وخلق.. جميل حقاً هذا الرقي والعلو في العلوم، وهذا الجمال الساحر في الطبيعة والوجوه والأجسام.. أعجب بالمعاهد والمعامل والمتاحف المبثوثة هنا وهناك، وعبقرية الإدارة والتنظيم المثير للعجب والإعجاب، لكن كم يساوي كل ذلك في ميزان الأخلاق؟ إنه لا يساوي شيئاً في ميزان القيم الإنسانية. رقي في العلوم، وفتح بعد فتح في التقدم، لكن انحطاط وسقوط في الأخلاق. هكذا أحس بإفلاس في الأخلاق وإفلاس في الروح.. فيا لها من أمة بلغت ذروة في الرقي والعلم والعمل لكن شعبها بدائي في عالم الشعور والسلوك! ما أشد كذب المبهورين والمنهزمين بتلك الحضارة، وأي زيف ودجل يمارسه الطبل الأجوف في إعلامنا لإضلال واحتلال أفكار الشباب، وغزو عقله ووجدانه برسم صورة سحرية موهومة لبلاد العم سام. بدأ يعرف إجابات أسئلة طالما عجز عن تفسيرها وحلها وسط ضجيج وصخب إعلام مأسور، وجو جامعي فارغ مبهور.. عاد إلى مصر، إلى الجامعة بوجه آخر، وكان في استقباله أستاذه الأمريكي الذي رشحه لهذه السفرة وصاح بصوت متهدج:

- كيف وجدت أمريكا؟ أرأيت سحر حضارتها وجمال الحرية الغامر؟

- أشكرك جداً، فكم أثَّرت فيَّ هذه الرحلة، وسأظل مديناً لك بالكثير!

- أظن أن نظرتك قد تغيرت وتأثرت بمباهج الحياة هناك؟

- لقد عدت أشد إيماناً واعتزازاً بالإسلام، وأكثر إشفاقاً على إفلاس حضارتكم، كما آلمتني تلك الروح المادية الغليظة، روح الجشع والأنانية وعبادة البطن والشهوات، ثقافة سخيفة وآداب مدمرة للدين والأخلاق والحياة الكريمة..إني لأشعر بعد عودتي أني قد «ولدت من جديد».

:: مجلة البيان العدد  325 رمضان 1435هـ، يوليو  2014م.