مِنْ أسوأ ما أفرزته الأحداث التي تمر بمصر، هو قيام بعض الإسلاميين باختيارات فاسدة رديئة في التعامل مع الواقع، وتحميلهم ذلك مذهبَ السلف رضي الله عنهم، واختيار رموز إسلامية في القمة وتحميلهم بعض أوزارهم، ونشر ذلك بين الناس على أنه الحق الحقيق الأولى بالاتباع. وإذا كان هذا هو أحد جانبي الصورة المظلم، فلا يمكن لنا أن نغفل الجانب الآخر المضيء، وهو أن الله يقيض في كل مكانِ بدعةٍ أو زمانها من يردّ ذلك ويبيّن فساده والوجه الصحيح في ذلك، وهذا من مقتضى حفظ الله تعالى لهذا الدين، كما قال تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، وكما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام ولياً من أوليائه يذب عنها وينطق بعلاماتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكلوا على الله»[1].

فمن ذلك تصويرهم الحسين رضي الله عنه حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة، وكذلك عبد الله بن الزبير ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول مولود ولد للمسلمين في المدينة بعد الهجرة؛ بأنهما أخطآ فيما فعلا لعدم صبرهما على جور الحكام، ليتوصّلوا من ذلك إلى تخطئة من يعارض الانقلاب على الرئيس المنتخب ويعمل على إنهائه.

وقد أردت بيان حقيقة موقف الصحابيين الكريمين: الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما وعن أبويهما وأميهما، وموقف أهل العلم من تصرفهما؛ حتى لا يروَّج الباطل بين الناس وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً من حيث لا يعلمون. وسأتكلم عن ذلك في أربعة عناوين:

1- تصوير الموقف.

2- الدليل على صوابه.

3- أقوال أهل العلم في تصويبه.

4- الرد على ما يعارض ذلك.

أولاً: تحقيق موقف الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما

1- تصوير الموقف:

صار معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما خليفة للمسلمين بعد تنازل الحسن له عن الخلافة، وقد اجتهد معاوية رضي الله عنه في منع اختلاف الأمة في شأن الخليفة بعده، فاستخلف ابنه يزيد، وأخذ البيعة من الناس له، وقد وافق على ذلك جمهور الناس، بينما اعترض على ذلك المسلك آخرون، أبرزهم: الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، ورأوا في هذا المسلك توريثاً للحكم الذي هو ليس من سنة المسلمين، وهو ليس مشابهاً لاستخلاف أبي بكر الصديق عمرَ بن الخطاب رضي الله عنهما؛ لأنه لا توجد علاقة نسب أو قرابة بين الشيخين، وكان عمر أفضل المسلمين بعد أبي بكر، فلا يوجد أحد يفوقه في الفضل؛ بعكس معاوية الذي عهد بها لابنه ولم يكن أفضل المسلمين وأولاهم بها، بل كان هناك من يفوقه ويفضله؛ كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس والحسين بن علي وعبد الله بن الزبير... وغيرهم من الصحابة الأجلاء؛ لذلك أبى كل من الحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس، المبايعة ليزيد، ولما آلت الخلافة له بايعه ابن عمر وابن عباس، أما عبد الرحمن بن أبي بكر فكان قد توفي، وظل الحسين وابن الزبير على موقفهما منه. ولما تولى يزيد الخلافة لم ترضَ مسلكه طائفة من الناس، خاصة أهل العراق، فنظروا في الناس فرأوا أن الأحق بهذا المنصب والأولى به الحسين بن علي، السيد الكبير وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس على وجه الأرض يومئذ أحد يساميه ولا يساويه، فراسلوه وأخبروه أنهم لم يبايعوا أحداً حتى الآن، وشكوا إليه العمل بخلاف الشريعة، وأرسلوا إليه الكتب يدعونه للقدوم عليهم حتى يولّوه، وجاءته كتبهم بذلك وببيعتهم له. لم يجد الحسين رضي الله عنه بدّاً من الاستجابة لهم، فكيف يتقاعس عن استدعاء الناس له للقيام بأمر الله، خاصة أنه غير مبايع ليزيد؟ «فبعث ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليكشف له حقيقة هذا الأمر والاتفاق، فإن كان متحتماً وأمراً حازماً محكماً، بعث إليه ليركب في أهله وذويه، ويأتي الكوفة ليظفر بمن يعاديه، وكتب معه كتاباً إلى أهل العراق بذلك»[2]. ولما وصل مسلم بن عقيل الكوفة «فتسامع أهل الكوفة بقدومه، فجاؤوا إليه فبايعوه على إمرة الحسين، وحلفوا له لينصرنه بأنفسهم وأموالهم، فاجتمع على بيعته من أهلها 12 ألفاً، ثم تكاثروا حتى بلغوا 18 ألفاً، فكتب مسلم إلى الحسين ليقدم عليها، فقد تمهدت له البيعة والأمور، فتجهز الحسين من مكة قاصداً الكوفة»[3]، وعزم الخروج إليهم، فلما علم عبدالله بن عمر وعبد الله بن عباس وآخرون بعزم الحسين الذهاب لأهل العراق، نصحوه بعدم الذهاب إليهم، وأنهم خاذلوه غير ناصرين له، لكن الحسين رضي الله عنه أصرّ على موقفه وعزم المسير لأهل العراق، وكأني به يتمثّل قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أبى التراجع عن الخروج لملاقاة الكفار في أحد بعدما عزم الخروج، وبعدما وافق أصحابه على التراجع والبقاء في المدينة وعدم الخروج في غزوة أحد، قال: «لا ينبغي لنبي يلبس لامته فيضعها حتى يحكم الله»[4]. عندما وصل الحسين رضي الله تعالى عنه إلى العراق تبيّن له أن ابن عمه مسلم بن عقيل قتل، وأن من كاتبوه لم يكونوا من الصادقين الثابتين في دعوتهم إياه، فأراد الرجوع من حيث أتى، لكن جيش عبيد الله بن زياد التابع ليزيد حاصره وأبى رجوعه وأصرّ على استسلامه وأن يذهب أسيراً إلى يزيد، فأبى الحسين رضي الله عنه أن يستأسر للباطل ويعطي الدنية في دينه، مع علمه أن ذلك قد يكون سبباً في قتله وقتل من معه من أهل بيته، وبالفعل أقدم جيش عبيد الله بن زياد على قتل الحسين رضي الله تعالى عنه بعد مناوشات، فمضى إلى ربه مظلوماً شهيداً محمود السيرة والذكر، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

2- دليل صواب موقف الحسين:

- ورد كثير من الأحاديث في فضله ومكانته التي يتبيّن منها أن هذا الفضل والمكانة لا يمكن أن يجتمعا مع المخالفة الجسيمة أو الخطأ في القضايا الكلية أو الأصول الكبرى، فبثبوت هذه الأحاديث يتبيّن أن العمل الذي أتاه الحسين وترتب عليه استشهاده واستشهاد طائفة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا يكون إلا حقاً.

من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»[5]، وهذه منقبة عظيمة بشهادة أفضل خلق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين، وهذا لا يعني عصمة أحد منهما رضي الله تعالى عنهما، لكن يفيد أن التصرف المحوري الذي يأتيه كل منهما بما يترتب عليه من قتال وقتل أو صلح؛ هو تصرف صحيح شرعاً، إذ لا يتصور أن يتصرف أحدهما تصرفاً تنتج عنه نتائج عظيمة يكون لها أثر كبير في مجريات الأحداث ببلاد الإسلام على مر التاريخ، ويكون هذا التصرف باطلاً أو خاطئاً، ثم يقال عنه بعد ذلك إنه سيد شباب أهل الجنة.. فتصرف الحسين بإجابة من طلبوه للإمارة ورفضه الاستسلام لجيش عبيد الله بن زياد بعدما خذله أهل العراق؛ تصرف صحيح شرعاً، كما أن تصرف أخيه الحسن رضي الله تعالى عنه بالتنازل عنها لمعاوية رضي الله تعالى عنه؛ تصرف صحيح شرعاً أيضاً، قال السيوطي: «وقال النووي في فتاويه وقال المُظهَّري مَعناه: هما أفضل من مات شاباً في سَبيل الله من أصحَاب الجنة»[6]، وقال المناوي: «هما سيدا كل من مَاتَ شَابّاً وَدخل الْجنَّة، فَإِنَّهُمَا مَاتَا وهما شَيْخَانِ»[7].

ومما يجري على نسق هذا الاستدلال قوله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما: «هما ريحانتاي من الدنيا»[8]، وقوله عن الحسين رضي الله تعالى عنه: «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط»[9]، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بنصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم يلتقطه أو يتتبع فيها شيئاً، قال: قلت: يا رسول الله! ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه، لم أزل أتتبّعه منذ اليوم. قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قتل ذلك اليوم»[10]، قال الصنعاني: «قال القاضي: كأنه بنور الوحي علم ما سيحدث بين الحسين وبين القوم، فخصه بالذكر، وبيّن أنهما شيء واحد في وجوب المحبة وحرمة التعرض والمحاربة، وأكد ذلك بقوله: (أحب الله من أحب حسيناً)، فإن محبته محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبة رسول الله محبة الله، أي أن من أحبه فقد أحب الله على أنه إخبار، ولفظ (الله) منصوب على المفعولية ويحتمل أنه إنشاء دعاء، وهو مرفوع على الفاعلية وعليه ضبطت، وقوله: (والحسن والحسين سبطان من الأسباط) أي هما طائفتان من رسول الله وقطعتان منهما، أو المراد أنه يتشعب منهما نسله ويكون من نسلهما خلق كثير»[11]. وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فدخلت بها عليه، فقال لها: «ادعي زوجك وابنيك». قالت: فجاء علي والحسين والحسن، فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا أصلي في الحجرة فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب: ٣٣]، قالت: فأخذ فضل الكساء، فغشاهم به، ثم أخرج يده، فألوى بها إلى السماء، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً. اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً». قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله، قال: «إنك إلى خير، إنك إلى خير»[12].

فهذه الفضائل الكثيرة والمكانة العالية لا تكون لشخص مخالف في أصول عقدية أو مرتكب كبيرة مصر عليها، فإذا ثبتت هذه الفضائل دلَّ ذلك على امتناع أن يصدر منهما ما يقدح فيها، فإذا وقعت الكبيرة فإنه يتاب منها ولا يصر عليها، ووقوع الصغائر منهما لا يقدح في تلك الفضائل؛ لأن العبد إذا اجتنب الكبائر فإن الصغائر تقع مغفورة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر»[13].

- الحسين لم يكن بايع يزيد، ويزيد يعلم ذلك، وهو مستيقن أن الحسين رضي الله تعالى عنه لا يرضى إمارته، فليس في موقفه خداع أو نكث بيعة أو خلع يد من طاعة، ومن ثم فإن كل الأحاديث المانعة من خلع اليد من الطاعة أو نكث البيعة لا تتناوله.

- الحسين رضي الله تعالى عنه لم يدع إلى إمارة نفسه، وأنه ما ذهب إلى العراق إلا بناء على مراسلتهم له وكتبهم المتتابعة، فهو غير طالب للإمارة من تلقاء نفسه، ومن ثم فلا تتناوله الأحاديث الواردة في النهي عن طلب الإمارة.

وكان الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما ممن يعمل بما علم، ولم يكن العلم عنده لمجرد المعرفة، كما دل على ذلك نقش خاتمه، قال علي بن الحسين: «كان نقش خاتم حسين بن علي رضي الله عنهما: علمت فاعمل»[14].

وعندما أراد الحسين رضي الله تعالى عنه الرجوع بعدما تبيّن له نكوص أهل العراق عن الوفاء له بما عاهدوه عليه؛ هناك عرض على جيش عبيد الله بن زياد، كما في إحدى الروايات: «اختاروا مني خصالاً ثلاثاً: إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلاً من أهله، لي ما لهم وعلي ما عليهم»[15]. هذا قول يذكره الكاتبون في سيرته، لكنه لم يذكر عن أحد حضر تلك المحاورة، وإنما هو كلام مرسل. وهناك قول آخر بأن ما يتداوله الناس مما عرضه الحسين لم يحدث، فعن عقبة بن سمعان قال: «صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله، إلا وقد سمعتها، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس»[16]. واعتدى عسكر عبيد الله بن زياد على الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وعلى أهل بيته الأطهار حتى قتلوه رضي الله عنه مظلوماً شهيداً.

والحاصل أن الحسين رضي الله عنه اجتهد في هذا الأمر وظن أن أهل العراق يوفون له بما كاتبوه وعاهدوه وبايعوه عليه، ولما علم بنكوصهم وقتل مسلم بن عقيل الذي بعثه إليهم، أراد أن يرجع إلى بلده الذي أتى منه، فلحقته السرية الظالمة، فقاتلوه حتى قتل شهيداً مظلوماً رضي الله عنه، فالحسين رضي الله عنه ليس مخطئاً، وليس باغياً، وليس خارجياً، بل قتل مظلوماً شهيداً.

3- أقوال أهل العلم في تصويب موقف الحسين:

ذكر ابن تيمية أن أهل السنة يقولون إن الحسين رضي الله عنه قتل مظلوماً شهيداً، وهكذا وصفه بالشهادة ابن تيمية وابن كثير والذهبي وأبو عمر بن الملقن الشافعي، وجمع من أهل العلم. والخارجي أو الباغي لو قتل في خروجه أو بغيه فليس بشهيد اتفاقاً، فحكمهم باستشهاده حكم بصواب ما قام به من عمل وترتب عليه استشهاده.

قال ابن حجر عمن «خرجوا غضباً للدين من أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة النبوية، فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسين بن علي وأهل المدينة في الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج»[17]، ونقله عنه عبد الرؤوف المناوي في فيض القدير والشوكاني في نيل الأوطار.

قال ابن تيمية: «من قتل الحسين أو أعان على قتله، أو رضي بذلك، فعليه لعنة الله والملائكة والناس، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً»[18].. وهذا لا يقال لمن كان باغياً أو خارجاً على إمامه.

4- الرد على ما يعارض ذلك:

عارض الحسين رضي الله تعالى عنه في خروجه لأهل العراق، عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس... وغيرهما، لكن اعتراضهما لم يكن لخطأ شرعي أتاه الحسين، أو لأنه لا يجوز له فعل ذلك، وإنما رأوا أن من استدعاه لن يفوا بما عاهدوه عليه وأنهم خاذلون له.

فعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وغيره ممن اعترضوا على خروج الحسين، لم يقولوا له إن هذا لا يحل لك ولا يجوز لك، وإنما اعترضوا عليه من قبل الواقع لا من قبل الشرع؛ لأن أهل العراق سيخذلونه ولا يوفون بعهدهم له، فمما روي في ذلك أن الحسين رضي الله تعالى عنه «لما أجمع المسير إلى الكوفة، أتاه ابن عباس فقال: يا ابن عم! إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع؟ فقال: إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى. فقال له ابن عباس: أخبرني إن كان قد دعوك بعدما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حياً وهو مقيم عليهم، قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك. فقال الحسين: إني أستخير الله وأنظر ما يكون»[19]، «فلما كان من العشي أو الغد، جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له: يا ابن عم! إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن، فإن به حصوناً وشعاباً، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس في معزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب.

فقال الحسين: يا ابن عم! والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير.

فقال له: فإن كنت ولا بد سائراً فلا تسر بأولادك ونسائك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه»[20].. فالاعتراض هنا كما هو واضح ليس اعتراض حجة ودليل شرعي، وإنما اعتراض واقع ينبغي تحقيقه. والاعتراض نفسه كان من ابن عمر ليس تخطئة لمسلك الحسين شرعاً، كما دلت عليه الرواية: «لما بلغ ابن عمر أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد؟ قال: العراق. وإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم. فقال: لا تأتهم. فأبى.

فقال ابن عمر: إني محدثك حديثاً، إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما يليها أحد منكم أبداً، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم. فأبى أن يرجع.

قال فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل»[21]. ومما يدل على أن مواقف هؤلاء الفضلاء ليست اعتراضاً شرعياً وإنما اعتراض نابع من عدم الثقة بأهل العراق؛ أن ممن اعترض على خروج الحسين إلى أهل العراق عبد الله بن الزبير، وموقف ابن الزبير من يزيد معلوم، فـ «عن الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير: أتتني بيعة 40 ألفاً يحلفون بالطلاق والعتاق إنهم معي. فقال له ابن الزبير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟»[22]. وإذا نظرت لموقف ابن عمر من خلع يزيد ممن بايعه، اتضح الفرق بين الأمرين: «لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة)، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر، إلا كانت الفيصل بيني وبينه»[23]. فهنا كان موقفه حازماً وصارماً لأنهم كانوا قد بايعوا يزيد، وما فعلوه يعد مخالفة شرعية، وأما في حالة الحسين فكان حواراً هادئاً؛ لأن المسألة مسألة تقدير واقع ولم يكن فيها نقض بيعة ولا خلع إمام.

وكذلك كان موقف أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عندما جاء للحسين رضي الله تعالى عنهما فقال: «يا أبا عبد الله! إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف»[24]، فاعتراضه على الثقة بأهل العراق وضعف عزمهم، وليس على مخالفة شرعية للحسين رضي الله تعالى عنه.

ثانياً: تحقيق موقف عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما

1- تصوير الموقف:

عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، أيضاً، لم يبايع يزيداً ولم يرضَ إمارته، ولجأ إلى مكة، فأرسل يزيد جيشاً لقتاله، وقد توفي يزيد في أثناء ذلك قبل أن يهاجم الجيش الذي أرسله عبد الله بن الزبير، وقد استخلف يزيد ابنه معاوية الذي ظل مريضاً حتى مات، وكانت ولايته قريباً من أربعين يوماً، ولم يستخلف أحداً، فانحل أمرهم، ومن ثم فقد بويع لابن الزبير بالخلافة، وأعطت كل بلاد المسلمين البيعة ما خلا الأردن ودمشق، قال ابن الجوزي عن عبد الله بن الزبير لما مات يزيد بن معاوية: «فدعى إلى نفسه، وسمي أمير المؤمنين، وولى العمال، واستوثقت له البلاد، ما خلا طائفة من الشام، فإنهم بايعوا مروان»[25]. وبذلك استحق أن يكون ابن الزبير أمير المؤمنين حسب المستقر في فقه أهل السنة والجماعة، وقوي أمره، حتى همَّ قائد الجيش الذي أرسله يزيد لمحاربته قبل موته أن يبايعه بالخلافة، وكذلك مروان بن الحكم عزم أن يبايع ابن الزبير بدمشق، وقد ظل ابن الزبير أميراً للمؤمنين تسع سنوات يبعث خلالها عماله إلى الأمصار للصلاة والخراج، ويوليهم على البلدان، قال ابن كثير: «وبعث ابن الزبير إلى أهل الكوفة عبد الله بن يزيد الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على الخراج، واستوثق له المصران جميعاً، وأرسل إلى أهل مصر فبايعوه، واستناب عليها عبد الرحمن بن جحدم، وأطاعت له الجزيرة، وبعث على البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وبعث إلى اليمن فبايعوه، وإلى خراسان فبايعوه»[26].

2- صواب موقفه وكلام أهل العلم عنه:

يتبيّن مما تقدم أن عبد الله بن الزبير ثبت له وصف أمير المؤمنين ببيعة الأغلب الأعم من بلاد المسلمين، وأن من قاتله من الأمويين أو غيرهم هو الخارج الباغي، وقد وصفه بذلك ابن حزم فقال عنه «أمير المؤمنين» أثناء حديثه عن مروان بن الحكم، حيث قال: «مروان ما نعلم له جرحة قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما»[27]، وقال أيضاً: «فنحن نقتل المشركين حيث وجدناهم إلا عند المسجد الحرام. فنحن إذا فعلنا هذا كنا على يقين من أننا قد أطعنا الله تعالى في كل ما أمرنا به. ومن خالف هذا العمل فقد عصى الله تعالى في إحدى الآيتين. وهذا لا يحل أصلاً، وكما قلنا فعل أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، فإنه لما ابتدأه الفساق بالقتال في حرم مكة: يزيد، وعمرو بن سعيد، والحصين بن نمير، والحجاج، ومن بعثهم، ومن كان معهم - من جنود السلطان -؛ قاتلهم مدافعاً لنفسه، وأحسن في ذلك»[28]، وقال عن غزو مكة: «وقد غزاها الحصين بن نمير، والحجاج بن يوسف، وسليمان بن الحسن الجياني - لعنهم الله أجمعين -، وألحدوا فيها، وهتكوا حرمة البيت، فمن رامٍ للكعبة بالمنجنيق - وهو الفاسق الحجاج -، وقتل داخل المسجد الحرام أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وقتل عبد الله بن صفوان بن أمية - رضي الله عنهما - وهو متعلق بأستار الكعبة»[29].

قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: «ومذهب أهل الحق أن ابن الزبير كان مظلوماً، وأن الحجاج ورفقته كانوا خوارج عليه»[30].

وقد كانت أسماء بنت أبي بكر، أم عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، ممن يؤيد موقفه، كما يدل على ذلك الحوار الرائع.. قال عبد الله لأمه: «يا أمّه، قد خذلني الناس حتّى ولدي وأهلي، فلم يبقَ إلّا اليسير، من ليس عنده من الدفع إلّا صبر ساعة. والقوم يعطونني من الدنيا.. فما رأيك؟». فقالت: «أنت والله يا بني أعلم بنفسك. إن كنت تعلم أنّك على حقّ فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكّن من رقبتك تلعب بها غلمان بني أميّة، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، ومن قتل معك. فإن قلت: إنّي كنت على حقّ فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن». فدنا ابن الزبير، فقبّل رأسها، وقال: «هذا رأيي، ولكنّي أحببت أن أعلم رأيك، فزديني بصيرة، فانظري يا أمّه، إنّي مقتول من يومي هذا، فلا يشتدّ حزنك، وسلّمي لأمر الله، فإنّ ابنك لم يتعمّد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة، ولم يجر في حكم، ولم يتعمّد ظلم مسلم ولا معاهد.

اللهمّ، إنّي لا أقول هذا تزكية لنفسي، ولكن تعزية لأمّي لتسلو عنّي».

فقالت أمّه: «إنّي لأرجو أن يكون عزائي فيك حسناً. اخرج، حتّى أنظر إلى ما يصير أمرك». قال: «يا أمّه، لا تدعي لي الدعاء قبل وبعد». قالت: «لا أدعه أبداً».

ثمّ قالت: «اللهمّ ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكّة، وبرّه بأبيه وبي. اللهمّ إني قد أسلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فائتني في عبد الله ثواب الشاكرين الصابرين». ثمّ دنا عبد الله فقبّلها[31].

3- من عارض في ذلك:

ينسب لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يرى ابن الزبير باغياً على بني أمية، روى ابن عساكر في تاريخ دمشق أن ابن عمر قال: «ما وجدت في نفسي شيئاً من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي من أن أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله. فقال حمزة (بن عبد الله بن عمر): فقلنا له: ومن ترى الفئة الباغية؟ قال ابن عمر: ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم»[32]. وهذه الروية عليها عدة ملحوظات من حيث المتن:

أولاً: ابن الزبير رضي الله تعالى عنه لم يكن عاهد بني أمية أو بايعهم فكيف يقال عنه نكث عهدهم.

ثانياً: عدّ عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما بالمنزلة التي ذكرها عنه ابن عمر نفسه لا يستقيم مع جعله فئة باغية حتى يتحسر على عدم قتاله، فقد قال ابن عمر لما مر على ابن الزبير وهو مصلوب: «قال أبو نوفل: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريش تمر عليه، والناس، حتى مر عليه عبدالله بن عمر، فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت، ما علمت، صواماً، قواماً، وصولاً للرحم، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير»[33].

ثالثاً: ابن عمر لم يبايع مروان بن الحكم ولا ابنه عبدالملك أيام ابن الزبير، فكيف يتمنى الاشتراك معهم في قتال ابن الزبير وهو لم يعترف لهم بإمرة؟ قال سعيد بن حرب العبدي: كنت جليساً لعبد الله بن عمر في المسجد الحرام زمن ابن الزبير، وفي طاعة ابن الزبير رؤوس الخوارج نافع بن الأزرق وعطية بن الأسود ونجدة، فبعثوا أو بعضهم شاباً إلى عبد الله بن عمر: ما يمنعك أن تبايع لعبد الله بن الزبير أمير المؤمنين؟ فرأيته حين مد يده وهي ترجف من الضعف، فقال: «والله ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة، ولا أمنعها من جماعة»[34].. فابن عمر لم يقر بإمرة أحد لا لابن الزبير ولا للأمويين قبل اجتماع الكلمة، ولم يقر ابن عمر للأمويين بالإمرة إلا بعد اجتماع الكلمة على عبد الملك بعد مقتل ابن الزبير، قال عبد الله بن دينار: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال: «كتب إني أقر بالسمع والطاعة لعبدالله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بني قد أقروا بمثل ذلك»[35]، فإذا كان ابن عمر لم يقر لهم بإمرة المؤمنين قبل اجتماع الكلمة عليه؛ فكيف يقال إنه تمنى مقاتلة ابن الزبير معهم.

وأخيراً: تبيّن مما قدمنا صواب ما فعله الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما، وكذلك صواب ما فعله عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، وأن كل ما أثير عن موقفهما لا يصمد عند النقد.

 

:: مجلة البيان العدد  326 شوّال 1435هـ، أغسطس  2014م.


[1] جلاء الأفهام 1/419، وقد ذكره ابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة مرفوعاً ص 39، قال الألباني عن المرفوع موضوع.

[2] البداية والنهاية لابن كثير 8/163.

[3] البداية والنهاية لابن كثير 8/163.

[4] أخرجه البخاري باب قول الله تعالى: «وأمرهم شورى بينهم».

[5] أخرجه أحمد وغيره من حديث حذيفة ومن حديث أبي سعيد وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب وأبي هريرة، رضي الله تعالى عنهم، وإسناده صحيح.

[6] قوت المغتذي على جامع الترمذي 2/1019.

[7] التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي 1/22 - 1/506.

[8] أخرجه البخاري رقم 3753.

[9] أخرجه أحمد والترمذي والبخاري في الأدب المفرد والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني.

[10] أخرجه أحمد في المسند، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر: إسناده صحيح.

[11] التنوير شرح الجامع الصغير 5/356.

[12] أخرجه أحمد في المسند وفضائل الصحابة 26508، كما أخرجه كثيرون غيره، حديث صحيح.

[13] أخرجه مسلم برقم 233.

[14] جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1/807.

[15] تاريخ ابن جرير الطبري 5/413.

[16] روى كل ذلك ابن جرير الطبري في تاريخه 5/413-414.

[17] فتح الباري لابن حجر 12/286.

[18] مجموع الفتاوى 4/487.

[19] البداية والنهاية لابن كثير 8/172.

[20] البداية والنهاية لابن كثير 8/173.

[21] دلائل النبوة للبيهقي 6/471، والمستخرج من كتب الناس والمستطرف 3/18، والبداية والنهاية لابن كثير 6/259.

[22] البداية والنهاية لابن كثير 8/174.

[23] أخرجه البخاري رقم 7111.

[24] البداية والنهاية 8/174.

[25] المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي 6/138.

[26] البداية والنهاية لابن كثير 11/666.

[27] المحلى بالآثار لابن حزم 1/221.

[28] المحلى بالآثار لابن حزم 11/149.

[29] المحلى بالآثار لابن حزم 11/331.

[30] شرح النووي على صحيح مسلم 16/99.

[31] تجارب الأمم وتعاقب الهمم لابن مسكويه 2/244-245، والبداية والنهاية لابن كثير 8/364.

[32] تاريخ دمشق 31/193.

[33] أخرجه مسلم في صحيحه رقم 2545.

[34] السنن الكبرى للبيهقي رقم 16809.

[35] أخرجه البخاري رقم 7203.