العلماء الربانيون يعيشون هموم الأمة ويعرفون أحوال الناس وواقعهم، وهم الذين تفزع الأمة إليهم بعد الله – عز وجل – في ملماتها ونوازلها، فتجد عندهم القيادة الرشيدة والتوجيه السديد والمأمن من الشرور والفتن، وإذا احتاج الأمر إلى المقارعة والجهاد فهم الذين يقودون الناس ويشعلون فيهم الحماس ويحرضونهم على ذلك.

والتاريخ مليء بالحوادث والنوازل التي قاد العلماء فيها أمتهم ووجد الناس عندهم الجواب المطمئن لكل نازلة؛ إذ كشفوا الحيرة والاضطراب بأقوالهم السديدة التي انطلقت من فهم للشريعة ومقاصدها وفهم لواقع الناس وأحوال الأمة، كما شاركوا أمتهم النضال والنزال وقادوهم إلى بر الأمان.

ولا يخفى على المتأمل لحياة السلف هذه الأحوال والمواقف المشرفة لهم؛ فهذا إمام السنة أحمد ابن حنبل – رحمه الله تعالى – وكيف حمى الله به الدين في وقت عصيب قلّ فيه النصير وقلّ فيه المتكلم بالحق، فثبته الله – عز وجل – وقاد الأمة في مواجهة فتنة الاعتزال والقول بخلق القرآن حتى انتصر الحق وزهق الباطل.

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى – وكيف كشف الله - عز وجل – به الحيرة على الناس أيام التتار وشرح به صدور الناس لقتال التتار، فحمّسهم وحرّضهم على القتال بقوله وفعله، وكان من نتيجة ذلك أن رد الله – عز وجل - كيد الكفار الغزاة في نحورهم وأعز دينه ونصر أولياءه.

وكذلك الحال في الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى – وكيف أنقذ الله به الأمة من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد، وجاهد مع الإمام محمد بن سعود وأولاده – رحمهم الله تعالى – حتى مكّن الله تعالى لهم في الأرض.

وهكذا كان دور العلماء المجاهدين في تاريخ الإسلام الطويل، وهذا ليس بمستغرب على العلماء الربانين الصدّيقين؛ فهم ورثة الأنبياء، وهم صمام الأمان لأمتهم، وهم مرجعها في سِلمها وحربها، وفي كل شؤونها. وكلما كان العالِمُ يعيش هموم أمته ويعرف أحوالها وواقعها وما يُكاد لها ويخطط من قبل أعدائها؛ كلما كان ذلك حاجزاً لها من الانحراف والفتنة والمهانة والذلة، والعكس من ذلك؛ فما من فترة من فترات المسلمين تمر عليهم وتكون الأمة في واد وأهل العلم والدين في واد آخر لا يعلمون إلا القليل عن الأمة وهمومها وواقعها، إلا كان من جراء ذلك فتنة وفساد كبير على الأمة بأسرها علماء وعامة، حكاماً ومحكومين.

وهل هناك فتنة على الناس أشد من أن يترك العلماء قيادة الأمة ورعايتها ليتولى أمرها وقيادتها أهل النفاق والفساد؟! إن هذا هو الحاصل اليوم في أكثر بلدان المسلمين.. إن بُعد أكثر العلماء عن واقع الأمة ومعرفة أحوالها واستبانة سبيل المجرمين الذين يكيدون لها؛ هو من بين الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع المرير الذي تعيشه الأمة الإسلامية في أكثر البقاع اليوم في عقائدها وشرائعها وأخلاقها.

وحين يبتعد العلماء عن الأمة وقضاياها الكبار ونوازلها العظام، فإنهم في أغلب الأحوال يسلمونها إلى فئتين من الناس: إحداهما توجه العامة، والأخرى توجه شباب الدعوة والصحوة.

فالفئة الأولى: هي فئة المفسدين من المنافقين الذين يفسدون عقيدة الأمة وأخلاقها ويربطونها بأعدائها ويزيّنون لها التبعية للغرب أو الشرق، مجندين في ذلك كل وسائل الإعلام المختلفة التي تمر بالناس بالليل والنهار، كل ذلك في غيبة الدعاة الربانين من العلماء والدعاة الصادقين، ما ترك الأمة كالشياه المطيرة لترعاها الذئاب الضارية، وكفى بذلك فتنة للساكتين من أهل العلم من وزر السكوت وإسلام الأمة لأعدائها.. وكفى بذلك فتنة للناس في عقيدتهم وأخلاقهم وأموالهم عندما يتولى توجيههم في ذلك المفسدون في الأرض، قال الله تعالى: {لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63]، أي لبئس ما كان يصنع العلماء الربانيون بسكوتهم.

والفئة الأخرى: فئة المتسرعين من بعض الدعاة الذين لم يكن لهم حظ من العلم والفقه وتصدروا في بعض البلدان قيادة الشباب في الدعوة والجهاد في سبيل الله – عز وجل –، فوجدوا أنفسهم في منأى عن أهل العلم، وجدَّت في واقع الدعوة والأمة قضايا كبيرة لا يتصدى لها إلا أهل العلم المجتهدون، فاقتحموا هذه النوازل وتجرؤوا على الإفتاء فيها، فكان من جراء ذلك فتنة لهم ولمن تبعهم؛ نظراً لسيطرة العواطف والحماس عليهم وليس العلم والفقه[1].

وإن كلا الفئتين على ما بينهما من فرق في النوايا والمنطلقات، فإنهما يشتركان في كونهما يجران المفاسد على الأمة؛ سواء بالتميّع في أخذ الإسلام والتحلل من أحكامه كما هو الشأن في مقاصد الفئة الأولى، أو في التسرع والانطلاق في اتخاذ مواقف دعوية وجهادية دون مراعاة الضوابط الشرعية كما هو شأن الفئة الأخرى. وكما أن كلتا الفئتين لا تسلمان من إثم هذه المفاسد كل بحسبه، فإن من سكت من العلماء المجتهدين يشتركون في إثم هذه الفتن؛ وذلك لبعدهم عن واقع أمتهم وما تحتاج إليه من معرفة الحق في نوازلها وقضاياها الكبار، التي لم تجد الأمة أمامها إلا هاتين الفئتين، فأسلمت لهما القياد.. والله المستعان.

وتأكيداً لخطورة هذه الأمور وتصويراً لواقع الأمة وما تحتاج إليه من علمائها؛ أسوق بعض الأمثلة من القضايا والنوازل التي تتوق الأمة وتهفو إلى سماع كلمة العلماء الربانين فيها ومعرفة المواقف العملية إزاءها:

- كثر الحديث في السنوات الأخيرة عما يسمى النظام العالمي الجديد والشرعية الدولية، ولا يخفى على المسلم الواعي حقيقة دينه وحقيقة أعدائه ما في هذا النظام من رفض لأحكام الإسلام الدولية وتعطيل ذروة سنامه؛ ذلك أن الواضعين لهذا النظام والمطالبين بضرورة التزامه من جميع العالم، يقصدون به ترك الدين جانباً وعدم اعتباره في أي موقف دولي، وأن يُعَطَّلَ الجهاد وتحترم حدود اليهود الغاصبين في فلسطين، وأن يتحاكم الجميع إلى شريعة هذا النظام وليس إلى شرع الله - عز وجل – وأحكامه؛ و هذا أخطر ما في النظام؛ لأن الرضى به هو تنكر للإسلام ورفض لأحكامه التي تتضاد مع هذا النظام وتأباه.. فأين علماء الإسلام من النصح للأمة وبيان كفريات هذا النظام ومطالبة الأمة برفضه والانقياد له؟ ولا يكفي في إنكار هذا النظام إفتاء السائلين عنه أو إنكاره في حلقات العلم الخاصة. بل إن هذا النظام الطاغوتي من الخطورة بحيث يتطلب قومة لله - عز وجل - صادقة من أهل العلم يعلنون فيها رفضهم نظام الطاغوت؛ بصورة جماعية تسمعه الأمة الإسلامية في كل مكان، حتى لا تنخدع من قبل أعدائها المتربصين في الداخل والخارج.

- ومن القضايا التي تنتظر الأمة موقفاً صريحاً من العلماء فيها، قضية السلام الدائم مع اليهود وإقرارهم على احتلالهم وتطبيع العلاقات معهم.

فإلى هذا الوقت لم نسمع حول هذه الفتنة إلا مواقف فردية غير معلنة ولا تأتي إلا عند السؤال والاستفتاء، وإنما الذي تسمعه الأمة وتروَّض على قبوله هو مكر الليل والنهار من أعدائها وبني جلدتها الذين يزيّنون هذا الاستسلام، ويلبِّسون ويغلطون في طرحه ومناقشته.

فأين موقف العلماء وكلمتهم المعلنة حول هذا الاستسلام المهين؟ وما حكم إقرار اليهود في مقدسات المسلمين؟ وما حكم السلام الدائم معهم وعقد المعاهدات الدائمة على وضع أوزار الحرب معهم واحترام حدودهم وفتح بلدان المسلمين لاستثماراتهم الاقتصادية وثقافاتهم الإلحادية وسلوكياتهم المنحرفة؟

- كما تحرص الأمة على سماع كلمة أهل العلم في قضايا المسلمين وما يواجهونه في بلدانهم من محن وبلاء من أعدائهم الكفرة. ولو أن علماء المسلمين لهم مواقف صريحة معلنة من محن المسلمين المختلفة يعلنونها للعالم ويطالبون أعداءهم الكفرة برفع الأذى والنكال؛ لكان لذلك - والعلم عند الله عز وجل - أثر كبير على علماء المسلمين، ومن أهم القضايا محنة المسلمين في كشمير المحتلة، وفي فلسطين، وفي الفلبين، وبورما، وأفغانستان، والعراق، ومصر، وسورية... وغيرها من بلدان المسلمين التي يُضطهد فيها الدعاة والمصلحون.

- كما كثر الحديث في الآونة الأخيرة عما يسمى (الإرهاب)، والمقصود بالدرجة الأولى المسلمون ودعاتهم ومجاهدوهم، حيث حصل خلط عجيب بين ما تقوم به الفئات المتسرعة تحت ضغط الواقع في البلدان دون مراعاة للمفاسد المترتبة على فعلهم – وهو اتجاه خاطئ ومردود -، وبين السواد الأعظم من دعاة المسلمين ومجاهديهم ممن يرفضون هذه التصرفات لكنهم يجاهدون الكفرة الغزاة المحتلين لبلدان المسلمين، لكن أعداء الملة لا يفرقون بين هذا وهذا - مع علمهم بذلك -؛ لأن الخطر عندهم يكمن في الإسلام نفسه ومن يدعو إليه، ويكمن عندهم في إعلان الجهاد في سبيل الله - عز وجل – ليكون الدين كله لله.

وقد قامت وسائل الإعلام في أكثر بلدان المسلمين بتأييد هذه النظرة وترديدها حتى تأثر بذلك فئام من الناس. فما أحوج الأمة إلى سماع كلمة أهل العلم في هذه القضية.. وما أحوج الأمة إلى أن تسمع دفاع العلماء عن الإسلام ودعاته المضطهدين وأن لا يسلموهم للكفرة وأتباعهم يشوهون صورة الدعاة إلى الله - عز وجل - وقصدهم من ذلك كله الإسلام والقضاء عليه.. وما أحوج الأمة إلى أن يرفع العلماء رأسها وتخاطب الكفرة أعداء الدين بنفس خطابهم وأن الإرهاب الحقيقي هو ما يقوم به الغرب الكافر أو الشرق الملحد واليهود الغاضبون من قتل مئات الآلاف من الأبرياء من المسلمين، ومن هتك وتشريد وسجن.. يا ليتنا نسمع هذا الكلام من ورثة الأنبياء من علمائنا الأجلاء في عالمنا الإسلامي، ويعلنونها صريحة يرهبون بها عدو الله وعدوهم، ويسهمون في رفع الظلم والاضطهاد الذي يتعرض له دعاة الإسلام في أكثر بلدان المسلمين اليوم.

ولا يخفى على العلماء المخلصين ما يعيشه المسلمون اليوم من فرقة واختلاف وشحناء وعدوان، خاصة بين دعاتها ومجاهديها وأهل الخير من أبناء السنة فيها.. وإن الحاجة إلى تدخل أهل العلم أصبحت ملحة وضرورة ماسة للحفاظ على الدين والأنفاس والأعراض وحمايتها من مفاسد هذا الاختلاف وهذه الفرقة المشينة.. وإن كلمة أهل العلم في هذا الشأن مهمة وكفيلة - إن شاء الله تعالى - بحسم مادة هذا الاختلاف أو تقليل أثره في معظم الاحتمالات.

وإن الأمة لا تكتفي من علمائها بكلمة أو كلمات يقولونها في جواب عن سؤال من أحد الأطراف المختلفة، وإنما المطلوب دراسة أسباب الاختلاف وأن يجتمع أهل العلم المخلصون المحايدون على بيان واضح معلن ينصحون به أهل الاختلاف ويعلنون فيه موقفهم من مسائل الخلاف، ما يسع منها وما لا يسع، ويسعون فيه إلى جمع الكلمة ورد المعتدي، ولا يدعون المجال لطرف معين ليقوِّم الطرف الآخر، حيث يعز العدل ويدخل الهوى، وإنما يقطعون الطريق بموقفهم المعلن على كل طرف يريد التشهير أو النيل من الطرف الآخر بغير حق، وإنها لفتنة تستحق أن تحظى باهتمام أهل العلم بها؛ لأنها تعد من النوازل التي إن غاب أهل العلم عنها فسيزداد اشتعالها وخطرها، وفي هذا فتنة وإثم على المسلمين عامة.

- إن الأمة تنتظر الموقف الحاسم والمعلن من علمائها تجاه الذين يبدّلون شرع الله - عز وجل - في أكثر بلدان المسلمين، ويحكمون فيها بدلاً من ذلك حكم الطاغوت من القوانين الوضعية والدساتير الكفرية.

- إن الأمة تنتظر من علمائها الموقف الحاسم والفتوى الصريحة في حكم من ظاهر الكفار والمشركين وعاونهم ونصرهم على المسلمين في احتلال ديارهم وفرح وشمت بما يصيب المسلمين من أعدائهم الكفرة.. إن أبناء الأمة يطالبون علماء الأمة بإعلان ما كانوا يعلمونه لطلابهم في حلق العلم من أن مظاهرة الكفار على المسلمين ناقض من نواقض الإيمان وردة عن الإسلام، وإنزال هذا الحكم على من يمارس ذلك من المنافقين من إعلاميين وساسة.

أخيراً نذكّر علماءنا الأجلاء بأن يحذروا من الاستجابة لبعض طروحات المغلطين والملبسين من ساسة وغيرهم، وذلك في استفتاءاتهم التي يريدون بها الاتكاء على رأي العالم وموقفه إزاءها في تحقيق أغراض سيئة يفتنون بها الأمة! ويبررون بها ظلمهم! فحين لا يتفطن أهل العلم لأغراضهم الماكرة ويجيبونهم عن طروحاتهم إجابات مجردة دون معرفة بمقاصدهم ومآلات أمرهم؛ فإن آثار فتوى أهل العلم في مثل هذه الحالات تكون غير محمودة في الغالب، وعن هذا الموضوع يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في حديثه عن فوائد تتعلق بالفتوى والمفتي: (الفائدة الرابعة والأربعون: يحرم عليه إذا جاءته مسألة تحيُّل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع، أن يعين المستفتي فيها، ويرشده إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصّل به إلى مقصوده؛ بل ينبغي له أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم، يؤازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل وباطنها مكر وخداع وظلم، فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقض مقصدها وباطنها. فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود. وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق! وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطرة وخبرة لا يخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس، ولكثرته وشهرته يستغنى عن الأمثلة)[2].

وقال رحمه الله تعالى أيضاً في موطن آخر وهو يتحدث عن أنواع المسائل التي ترد على المفتي: (... وتارة تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالب مزخرف ولفظ حسن، فيتبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل، وتارة بالعكس؛ فلا إله إلا الله، كم ههنا من مزلة أقدام، ومجال أوهام، وما دعا محق إلى حق إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليه من الإنس في قالب تنفر عنه خفافيش البصائر وضعفاء العقول، وهم أكثر الناس، وما حذر أحد من باطل إلا أخرجه الشيطان على لسان وليه من الإنس في قالب مزخرف يستخف به عقول ذلك الضرب من الناس فيستجيبون له، وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزونها إلى الحقائق، فهم محبوسون في سجن الألفاظ مقيدون بقيود العبارات، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْـجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ 112 وَلِتَصْغَى إلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} [الأنعام:112-113].

وأذكر لك من هذا مثالاً وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يلزم أهل الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين، فقامت لذلك قيامتهم، وعظم عليهم، وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرت به عيون المسلمين، فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صوّروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغبار، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة ألزموا بلباس غير لباسهم المعتاد وزي غير زيهم المألوف فحصل لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات، وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاة، وآذوهم غاية الأذى، فطمع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم، فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا؟ فأجابهم من مُنِعَ التوفيق وصُدَّ عن الطريق بجواز ذلك، وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه، قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعينة وإن خرجت في عدة قوالب. ثم ذهب إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على بقائهم. ولله الحمد)[3].

هذا هو تحذير ابن القيم في زمانه، فكيف لو خرج في زماننا اليوم الذي بلغ فيه المكر والخداع مداهما في كثير من بلدان المسلمين؟

وختاماً: وبعد ذكر بعض مظاهر الفتنة التي تنشأ من بُعْدِ أهل العلم عن واقع الأمة وأحوالها، وبعد ذكر الأمثلة التي تتوق الأمة إلى سماع أهل العلم ومواقفهم منها؛ فإنه لا بد من الإشارة إلى أنه لا يزال - والحمد لله - في الأمة وعلمائها خير كثير، ولا يزال فيها أولو بقية ينهون عن الفساد ويعون واقع أمتهم، وقد قال بعضهم كلمته في مثل هذه القضايا المطروحة سابقاً، لكن الأمر من الخطورة والأهمية ما لا يكفي فيه قول فردي يقال في جلسة أو استفتاء، ولا يكفي فيه قول واحد ولا اثنين، ولا عشرة؛ إنما الأمر من الأهمية بحيث يحتاج إلى ترابط أهل العلم وإعلان موقفهم الموحد إزاء هذه القضايا وغيرها حتى يصل إلى الأمة وتسمعه كما يسمعه أعداء الإسلام، ليدركوا أن للأمة رجالها وعلماءها الربانيين الذين قادوها في القديم ورفعوا رأسها، وسيقودونها - إن شاء الله تعالى - في هذا الزمان؛ حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة تتعلق بالأدب مع العلماء والاعتذار لهم؛ فقد يوجد بعض العلماء المخلصين الذين يعون أحوال أمتهم وما تحتاج إليه وما يراد لها، ومع ذلك فلا يرى لهم أثر كبير في نصح الأمة وبيان الحق لها، ما يدفع بعض المستعجلين والمتحمسين من الدعاة أو طلبة العلم إلى رمي هذا الصنف من العلماء بالجبن أو المداهنة وحب الدنيا، وهذا غلط، بل فيه فتنة وجور؛ لأن مثل هؤلاء العلماء الذين لا يشك في إخلاصهم وغزارة علمهم، قد يرون ما لا يرى غيرهم، وقد يغلب على ظنهم أن في إعلان مواقفهم فتنة، وقد يكون بعضهم قد حيل بينه وبين قول الحق، والبعض الآخر قد التبس عليه الأمر.. إلى آخر هذه الأعذار، والمهم أن من عُرِفَ عنه العلم والإخلاص وعدم المداهنة وله البلاء الحسن في الإسلام والدعوة إليه؛ فلا ينبغي النيل من عرضه والتشهير به، بل يلتمس له العذر ما استطيع إلى ذلك سبيلاً.

 

:: مجلة البيان العدد  327 ذو القعدة 1435هـ، سبتمبر  2014م.


 [1] ولا يعني هذا أن كل المتصدرين للدعوة اليوم كذلك معاذ الله! –، فلقد رأينا في بعض بلدان المسلمين من جمع بين الدعوة والعلم والحكمة، وظهر أثرهم في استقامة الدعوة وشبابها.

[2] إعلام الموقعين 4/229.

[3] إعلام الموقعين 4/192-194.