ذُكرت سيناء وطورها بكتاب الله في أكثر من موضع بقصد التشريف لها، فيقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ} [المؤمنون: 20].. وإن ما تعيشه سيناء اليوم وسبق لها أن عاشته في ظل الاستعمار البريطاني، ومن قبله الغزو النابليوني لها، فتح شهية الحركة الصهيونية لتهويدها. ومع سقوط الحكم الملكي المصري في ثورة يوليو 1952م، عانى سكان سيناء كثيراً من الإهانة والإذلال من قبل الحكومات العسكرية المصرية المتعاقبة، حتى آل حكم مصر إلى الحكومة الحالية، فكانت الأسوأ في التعامل مع سكانها؛ فدمرت البيوت على رؤوس أصحابها، وقتلت أبناءهم، سيراً على سياسة منهجية لإفقار أهلها بقصد إخلائها من خلال دفع أبنائها للهجرة منها، بما يخدم مصلحة تهويد هذه الأرض المباركة مستقبلاً.

الحركة الصهيونية وتهويد سيناء

ارتبط تهويد سيناء من قبل الغرب واليهود حديثاً، مع ولادة الحركة الصهيونية في عصر اليقظة اليهودي، كما أطلق عليه هذا الاسم (إيلي أبو عسل) في كتابه الموسوم (عصر اليقظة اليهودي) الذي نشره في القاهرة سنة 1934م، وقد جاء الكتاب معنياً برجال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، مع النصف الأول للقرن العشرين، حيث ترجم مؤلفه لعدد من الشخصيات والأسر اليهودية التي لمعت في سماء السياسة والاقتصاد الأوروبي، وهنا التقى واتحد القرار السياسي الأوروبي مع الأهداف الصهيونية لتهويد سيناء وفلسطين، خاصة بعد افتتاح قناة السويس 1968م.

وقد استطاع دزرائيلي شراء حصة مصر من الخديوي إسماعيل، وقدر المبلغ بـ 4 ملايين جنيه نقداً، وهذه صورة من صور خدمة الصهيونية للاستعمار الإنكليزي. وجاءت مسألة تهويد فلسطين وسيناء لما فيه مصلحة الطرفين: الاستعمار والصهيونية، فقد قدمت أسرة روتشيلد المبلغ اللازم على الفور في 25/11/1875م، وفي اليوم الثاني منه قدم دزرائيلي الأسهم والبالغة (176٫602) سهم للقنصلية البريطانية في القاهرة، إهداء من الحركة الصهيونية للحكومة البريطانية.

وقد كتب الكولونيل تشرشل، الذي عاش في بيروت منتصف القرن التاسع عشر للميلاد، وكان وجوده من أسباب الفتنة الطائفية لسنة 1860م، فقال: (إذا كانت بريطانيا ترغب في الحفاظ على سيطرتها في الشرق، ينبغي لها بشكل أو بآخر أن تدخل سورية ومصر في نطاق نفوذها وسيطرتها).

أما بالنسبة لفرنسا فقد وجد نابليون في احتلال مصر الثأر لكرامة فرنسا عندما فشل إمبراطور بلدة (لومس الرابع عشر) في حملته الصليبية السابعة في احتلال مصر، فقبض عليه وسجن في دار أبي لقمان في المنصورة. وقد تمثلت حملة نابليون بشكل من أشكال الغزو العسكري والفكري قاعدتها سياسة التهويد لفلسطين ومصر. وكان نابليون هذا قد وجه نداءً إلى يهود فلسطين لنجدته في حصار عكا حتى إذا ما انتصر فإنه سيقيم لهم دولة موسوية على أرض فلسطين، حيث كان عددهم يومها لا يتجاوز 1800 يهودي، وتلك هي مقدمة خطابه لليهود، حيث قال: (من نابليون بونابرت القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في إفريقيا وآسيا، إلى ورثة فلسطين الشرعيين. أيها الإسرائيليون. أيها الشعب الفريد. الذي تستطيع قوى الفتح والطغيان أن تسلبه نسبه ووجوده القومي، وإن كانت قد سلبته أرض الأجداد فقط).. - الكلمة طويلة -.. ونابليون الذي لعب بالورقة الإسلامية، كانت الورقة اليهودية هي الضامنة لسياسته تجاه المسألة الشرقية في مناهضة السياسة البريطانية تجاه مصر والمشرق العربي، والتي تبلورت سياسته تجاهها فيما يلي:

1 - أهمية الموقع المصري كنافذ مطل على البحر المتوسط، كما هو مطل على البحر الأحمر الذي يوصله ببحر العرب ويمتد حتى المحيط الهندي.

2 - أنه بلد مستقر قرب رأس إفريقيا ويتصل بقارة آسيا عبر جزيرة سيناء.

3 - هو طريق مهم للضغط على طرق التوسيع البريطاني في الشرق.

وأخيراً وجد نابليون في اليهود السند لسياسته المشرقية بعد أن ذهب الإنكليز في حضانة اليهود بما يحقق لهم نجاح سياستهم ضد نابليون. ولم يقف نابليون عند هذا بقصد حفاظه واهتمامه بمصر من بوابة عطفه على اليهود؛ ففي سنة 1807م تبلورت لديه فكرة الوطن اليهودي، فدعا إلى عقد مؤتمر يهودي في هذا العام، وعقد اللقاء في (سافهروان)، حضره كل يهود أوروبا ممثلين في رؤساء طوائفهم، إلى جانب مشاهير حاخاماتهم. وفي هذا اللقاء تم له جمع شمل الأمة اليهودية، وقد حمل هذا اللقاء العديد من القرارات، منها: القرار رقم 3 الذي يتحدث بالنص عن (ضرورة إيقاظ وعي اليهود إلى حاجتهم للتدريب العسكري لكي يتمكنوا من أداء واجبهم المقدس الذي يحتاج إليه دينهم). وهذا ما دفع بالكاتب (دولاجار) لإبراز شخصية نابليون في ولائه اليهودي من خلال كتابه (نابليون والعسكرية اليهودية).

الأدب الغربي وتهويد فلسطين وما جاورها:

الشاعر البريطاني اللورد بايرون الذي حمل رايات الصليب في ثورة اليونان سنة 1827م ضد الدولة العثمانية ومات إبان الثورة هذه في اليونان، يقول ضمن أغانيه العبرية: «لليمامة عشها، وللثعلب كهفه، ولكل شعبٍ أرضه إلا اليهودي، فليس عنده غير قبره».

وفي مكان آخر يقول: «اطلع أيها الإله العظيم، ودع قدرتك تتعالى، وأرسل أشعتها مضيئة ودافئة على أبناء يعقوب، وأعد فلولهم التائهة إلى أرضهم الموعودة هناك، واهدهم لكي يذهبوا إلى فلسطين فهي وطنهم».

وهنا تظهر النزعة اليهودية عند أبناء السان سيمونية، ذلك المذهب الاجتماعي المعروف، ففي رسالة من خليفة السان سيمون الأب أنفانتان إلى (بارو) في 8/8/1833م، قال فيها: «علينا أن نشق بين مصر التليدة ويهودا القديمة أحد طريقين جديدين لأوروبا نحو الهند والصين، كما سنشق بعد ذلك الطريق الآخر في بيننا، وهكذا فإننا نقف بقدم على النيل وبالأخرى على القدس، وستمتد يدنا اليمنى إلى مكة، وستظل يدنا اليسرى على روما ثم تستند إلى باريس.. السويس هي مركز حياتنا، حياة العمل، هناك سنجترح المأثرة التي ينتظرها العالم ليعترف بأننا... رجال».

وهكذا نجد أن كل شيء سخر لسياسة تهويد فلسطين وسيناء، الاقتصاد والفكر والتاريخ والاستعمار والحركة الإنجيلية، إضافة للإجهاز على الدولة العثمانية، التي لم تألُ جهداً في الدفاع عن ولاياتها ضد سياسة التهويد التي حملتها مجموعة الدول الغربية الاستعمارية، خاصة منها فرنسا وبريطانيا.

وثائق عثمانية تحول دون استيطان اليهود في سيناء:

لم يجد اليهود أرضاً ودولة فتحت أبوابها لهم مثل الدولة العثمانية بعد الخروج من الأندلس سنة 1492م، لكن هذا الشعب الذي لم يعرف عنه الوفاء ورد الجميل كان أول مرة غدر بهذه الدولة وولاة أمرها بانقلاب 1908م بما يخدم سياسة الغرب الأوروبي الاستعمارية والحركة الصهيونية التي كانت وراء انهيار الدولة العثمانية، فهي، أي الصهيونية، الطامعة في سيناء التي هي موضوع دراستنا، فلم يعرف أنه استوطنها يهودي منذ عهد تيه بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام؛ ففي عهد السلطان العثماني مراد ابن السلطان سليم الثاني، والمولود سنة 953هـ، وحكم الدولة العثمانية من (7 رمضان لسنة 982هـ) لغاية (5 جمادى الآخرة لسنة 1003هـ)؛ ففي عهد هذا السلطان حاول اليهود استيطان بندر وجبل الطور في سيناء، ولم يجد قساوسة ديرسانت كاترن أمامهم سوى الاستنجاد بالسلطان مراد المذكور بعدم السماح لهم بسكن واستيطان بندر الطور ومنطقة ديرسانت كاترين، فاستجاب لطلبهم السلطان العثماني رحمه الله، فأرسل ثلاث رسائل إلى والي مصر يومها من سكنى سيناء، والرسائل الثلاث تمتلكهم مكتبة الدير، مع مجموعة نادرة من الوثائق العثمانية الخاصة بحماية أهل الذمة من نصارى الدير، وقد بلغ عددها 75 وثيقة. وبالعودة للحديث عن الوثائق الثلاث التي أدركت فيها الدولة العثمانية خطورة الاستيطان اليهودي لسيناء، وسيتبين ذلك من خلال قراءة نصوص الرسائل الثلاث، فكانت على الشكل التالي:

الوثيقة الأولى: وتحمل الرقم 149، ويعود تاريخها إلى أوائل جمادى الأولى 991هـ، وقد ختمت بالطغراء السلطانية، وجاء في بدايتها: (بسم الله الرحمن الرحيم..  فخر النواب ومجرى الحق بالصواب نايب الشرع بالطور، ومفخر الأماثل، الدزدار والحكام وولاة الأمور، يتضمن إعلامهم أن جماعة الرهبان بجبل طور سيناء، تمثلوا بالديوان، وأنهوا أن جبلهم جبل مبارك وليس له عمادة بسكنا «اليهود فيه بالبندر، وأبرزوا من أيديهم أحكاماً» شريفة بمعنى ذلك، وأن شخصاً الآن يسمى ++ إبراهام اليهودي توجه الطور بنسايه وأولاده بقصد إيقاع الفتن، وبغير العوايد القديمة، فرسمنا بأن يتقدموا بعود اليهودي وزوجته وأولاده للديار المصرية ولا يتأخروا يوماً واحداً، فليعتمد تحريراً في أوائل شهر جمادى الأول سنة تسعة وثمانين «وتسعماية». امتثلوا بالسمع والطاعة بمدينة مصر. وعمل بمضمونه في 25 جماد أول سنة 989هـ).

الوثيقة الثانية: وقد حملت الرقم 151 وختمت بالطغراء السلطانية، وجاء فيها: (مفخر النواب مجري الحق بالصواب نايب الشرع بالطور ومفخر الأماثل «ختم» +

والأقران الشاد بالطور ومفخرة الثقاة والمستحفظين الدزدار والحكام وأصحاب الإدراك وولاة أمور الإسلام، يتضمن إعلامهم أن رهبان دير طور سيناء أنهوا إلينا أن بندر الطور ليس لليهود عادة أن يسكنوا فيه مطلقاً، وأنهم صاروا الآن يحتجوا، تارة بالفصل وتارة بغيره، ويقيموا في البندر بعيالهم وأولادهم، ويحصل منهم غاية الضرر لمحل مناجات السيد موسى (وعادتهم) إذا كانوا في مصلحة يتوجه يهودي، واحد يتعاطى المصلحة ويعود، والآن خالفوا ذلك، وصاروا يتوجهوا جماعة، ومنهم جماعة سكنوا واستوطنوا بالطور، بغير عادة سابقة، وبرز الأمر المطاع السلطاني بأنه حيث لم تجر عادة اليهود بالإقامة في الطور من قديم الزمان والآن صاروا يتوجهوا للطور ويخالفوا الشرع والعادة والقانون، فيمنعوا اليهود من ذلك كل المنع، فيتقدموا بالوقوف على الأمر الشريف السلطاني، والعمل به وعدم العدول عنه، ومنع اليهود من التعدي بما يخالف الشرع والقانون، ولا يقيموا في الطور، ولا يخالفوا العادة في ذلك، تحريراً في تاسع عشرين شهر صفر سنة إحدى وتسعين وتسعماية بمدينة مصر.. امتثلوا بأوامر العالية وقابلوها بالسمع والطاعة).

الوثيقة الثالثة: وقد حملت الرقم 160 وختمت بالطغراء + الختم، وجاء فيها: (مفخر النواب مجري الحق بالصواب، نايب الشرع الشريف بالطور، ومفخري الأماثل والأقران الشادية، والحكام وولاة الأمور، نعلمهم أن الرهبان والنصارى بالطور أنهوا إلينا أن العادة جرت من تقادم الزمان، وإلى هذا الأوان، أن اليهود لا يسكنون البندر مطلقاً، وإذا طرأت لهم حاجة ضرورية فيتوجه نفراً ونفرين يقضوا ضرورتهم، ويعودوا، والآن فقد صار جماعة منهم بكثرة، يسكنون البندر، ويستوطنون فيه بعيالهم وأولادهم، وأن بأيديهم أمر شريف سلطاني، وأحكام سابقة، بمنعهم، فقد رسمنا بأن يتقدموا بالوقوف على الأمر الشريف السلطاني واعتماد مضمونه، وعدم العدول عنه، وعامل البندر الملتزم به، لا كلام فيه، وأما غيره من اليهود، فيمنعوا من السكنى في البندر، ولا يمكنوا من الإقامة به جملة، كافية إجراء في ذلك على العادة، فليعتمد ذلك قولاً واحداً.. عشرين شهر ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وتسعماية بمدينة مصر.. امتثلوا الأوامر الكريمة وقابلوها بالسمع والطاعة).

السلطان عبد الحميد الثاني والحركة الصهيونية:

تلك هي الوثائق العثمانية الثلاث، جاءت دون استيطان اليهود لسيناء، وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني كان للدولة شأن آخر مع اليهود، ففي عهد هذا السلطان كانت الحركة الصهيونية قد نشطت بعد مؤتمر بازل سنة 1897م، فما قبل المؤتمر هذا كان السلطان عبد الحميد قد أدرك خطورة هذه الحركة، فأصدر ثلاثة فرمانات سلطانية في الأيام التالية من شهر ذي القعدة لسنة 1308هـ - 1891م، + الأيام هي: 21 - 28 - 29، وجميع الفرمانات هذه تحذر من السماح باستيطان الموسويين في ممتلكات المسلمين بسيناء وفلسطين، خاصة بعد سعي الأوروبيين لطردهم من أوروبا، ففي الفرمان الثاني يقول: (بعد سبعة أيام من الفرمان الأول أصدر السلطان هذا الفرمان: إلى اللجنة العسكرية للمعية السنية: إن قبول هؤلاء الموسويين وإسكانهم أو إعطاءهم حق المواطنة شيء ضار جداً، فقد يتولد عن هذا في المستقبل مسألة حكومة موسوية، لذا يجب عدم قبوله، وأن يؤخذ هذا في الحسبان عند عرض المسألة، وأن يعرض هذا القرار بسرعة هذا اليوم، وأن تعطى المعلومات للصدارة العظمى من السكرتارية الخاصة).

وفي يوم 29 أصدر السلطان إلحاقاً لهذا الفرمان، قال فيه: (لا يحق لأية دولة أن تعترض على عدم قبولنا الموسويين الذين طردتهم دولة متمدنة... وهؤلاء الذين يعترضون علينا كان الأحرى بهم الاحتجاج على الدول التي طردتهم ورفضت قبولهم).

وتوج هذه الفرمانات بعدد من القرارات لسنة 1900م، جاءت خاصة بزوار القدس من الموسويين، وهي اتباع ما يلي:

* على زوار القدس من الموسويين حمل تذكرة مرور أو جواز سفر يتضمن الصفة والغاية من الزيارة وتابعية حاملها.

* على جميع الموسويين الذين يصلون بيروت أو أي ميناء من موانئ ولاية القدس، إيداع تذاكر سفرهم لدى دوائر الجوازات - مقابل قرش واحد - على تذكرة إقامة لمدة ثلاثة شهور في فلسطين، وفي حالة عدم سفره بعد ثلاثة شهور تخرجه الشرطة بالقوة.

* مراقبة قوائم الزوار كل شهر حتى يتسنى للشرطة إخراج المخالفين من الزوار الموسويين.

* يجب اتخاذ الإجراءات الصارمة ضد المخالفين والموظفين الإداريين المسؤولين عن تطبيق هذه القرارات.

وعلى واقع زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني سنة 1898م، فقد أسرع هيرتزل بالخطى للقائه حتى يتوسط له عند السلطان عبد الحميد، لكن إمبراطور ألمانيا امتنع عن الحديث بالموضوع لإدراكه مكانة فلسطين الإسلامية عند السلطان، وعندما قصد غليوم الشام سبقه هيرتزل إلى فلسطين عبر بوابة مصر ماراً بسيناء، وطلب من يهود فلسطين الاحتفاء بالإمبراطور الألماني، لكن هيرتزل لم يصل معه إلى شيء، وعند ذلك أدرك أن الأمر لن يتحقق له إلا بخلع السلطان عبد الحميد عن طريق محورين، الأول: خارجي ارتبط بدول أوروبا ودورها في إسقاط الدولة العثمانية. والآخر: داخلي عن طريق يهود جماعة الاتحاد والترقي. وقد تحقق ذلك بخلع السلطان بعد انقلاب الدستور لسنة 1909م.

وقد بلَّغه قرار الخلع خمسة، واحد منهم اليهودي قره صوه، الذي عندما شاهده السلطان قال للوفد: ماذا يفعل هذا اليهودي بينكم في موضوع خلع خليفة المسلمين؟

ويحضرني في هذا المقام موقف يتسم بالكرامة وعزة النفس عندما أرسل الإنكليز قوة عسكرية إلى ميناء العقبة على أساس أن سيناء مصرية، فعلى الفور أرسل قوة عثمانية طردت القوة المصرية، وعندما احتج القنصل البريطاني في إسطنبول على هذا العمل، كان جواب السلطان: وهل يستأذن صاحب أرض في ملكه؟

وعندما هلل القوميون العرب بخلع السلطان، لم يطل الزمن عليهم حتى حلت كارثة تهويد فلسطين، حيث كان اليهود وراء هذا الخلع، ويحضرني هنا الشاعر الكبير فارس الخوري، فقد قال قصيدة هجاء مرة بالسلطان، وعندما علم دور اليهود والماسونيين بالانقلاب هذا، اعتذر في مذكراته للسلطان عن قصيدته التي هجاه فيها، قائلاً: «لم أندم في حياتي ندمي على ما قلته في قصيدتي»، وهذا الكلام موجود في مذكرات الخوري. وكانت ثمرة خلعه كلمته الخالدة التي واجه بها هيرتزل: (إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً فضلاً عن 150 مليون ليرة إنكليزية ذهباً، فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي. لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي أيضاً، هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين -، وقد كان بعد ذلك ما كان، ولذا فإنني أكرر الحمد والثناء على الله تعالى، وأعتقد أن ما عرضته كان في هذا الموضوع الهام وبه أختم رسالتي) في 22/9/1898م، خادم المسلمين عبد الحميد بن عبد المجيد.

وقد أورد الصحفي يوسف إبراهيم يزبك في كتابه «يوميات لبنانية»، ترحم مطران الموارنة في لبنان إلياس الحويك، وذلك بحضور طبيب السلطان، وكان مارونياً، فعندما أخبره عن وفاته، قال المطران الحويك: «لقد عشنا في كنفه بألف خير من الله، وما سندري ما ستخبئ لنا الأيام بعد مماته».

فتلك هي الصورة المثلى للعثمانيين الذين حافظوا على الأراضي العربية التي كانت خاضعة لتبعيتهم قرابة الخمسمائة عام، وعندما ثار العرب على الدولة العثمانية نكبوا أنفسهم بالثورة العربية المشؤومة، التي ضيعوا فيها البلاد وشردوا العباد، بل اعترفوا بشرعية تهويد فلسطين، من خلال اتفاقية فيصل وأيزمان سنة 1919م.

ورحم الله الشيخ حسن البنا وسيد قطب وحسن الهضيبي، الذين تكلموا عن خطورة تهويد سيناء، وقد نشرت كلماتهم في كتيب صغير تكلم فيه الثلاثة عن خطورة مستقبل سيناء بعد نجاح اليهود في تهويد فلسطين، وإن ما تعيشه سيناء من واقع الاضطراب السياسي الذي تعيشه مصر، حيث أراد الانقلابيون تجسيد سياستهم الخيانية في النيل من أهالي سيناء بالقتل والتشريد وهدم المساجد، مع تعطيل كل مناحي التطوير والاهتمام بهذه الأرض المباركة، فهل سيكون هناك أمر ما يُدبّر مع إسرائيل في ساعة من ليل؟

:: مجلة البيان العدد  327 ذو القعدة 1435هـ، سبتمبر  2014م.