خلق الله الإنسان وركب فيه العقل وجعل عقله يمتاز بالتركيب، لا كعقل البهائم ساذجاً منحصراً في معرفة الأم لأجل الرضاع، أو معرفة المرعى وتوحش السباع.

وهذا العقل الذي يركّب ويفكك مفطور على الخير (كل مولود على الفطرة)، وهو قابل للانحراف إلى الشر كذلك (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).

والذي خلق العقل وركبه ثم جعله يحلل ويفكك، ويجمع ويركب؛ هو الذي شرع له الشريعة وأمره ونهاه بما يقبله عقله ولا يستشكله إلا نادراً، من باب التحير لا الاستحالة.

وهو مع هذا؛ إن تحير، جُعلت له الأمثلة والآيات الكاشفة في المشهود على الغائب - كإحياء الأرض على إحياء الموتى -، أو بالمشهود على المشهود - كآيات الرسول على صدق الرسول -.

ثم جعل الله هذه الآيات والعلامات مبثوثة في الأرض، وأمر بالتفكر والتدبر ليقوم العقل بمهمته بالجمع والتركيب، فيتضح له ما خفي عنه واستشكله، وطالب به واستوضحه.

لكن العقل المنكوس قد يرتمي في أوحال الضلالة وتيه الغواية، فيقلب آيات الله الشرعية والكونية، فيجمع ما أراد الله تفريقه، ويفرق ما أراد جمعه، فيضل في منهجية التفكيك والتركيب، ويقع في أعظم المنكرات: الشرك فما دونه من الموبقات.

وقد تجنح نفس الإنسان فيهوى المنكر ويحبه ويدافع عنه عشقاً وتلذذاً، لكنه في داخلة نفسه على بينة من سوء الحال والمآل.

لكن البلية حين تنمو الشهوة لتصبح شبهة يصعب نزعها إن خفيت وقمعها إن ظهرت.

فيغيب حينها الانكسار والإنابة، ويحضر الاستحلال وفلسفة المنكر، كقول أحد عامة المسلمين: سجدتُ، وتفكرت في الذنوب فما قدرتُ! لقد كان في كل مسألة خلاف وقولان، فمم أتوب؟!

لقد كان أسلافنا يواجهون سيل الشبهات بالتفنيد والإبطال، لكن فلسفة المنكر ليست شبهة فحسب، فالشبهة سابقة للمنكر، فيكون الانحراف أثراً من آثار الشبهة، بينما فلسفة المنكر تكون لاحقة لتسويغ انحراف موجود وحاصل، فتكون أخطر من الشبهة المجردة كونها صارت مركبة:

فهي شبهة.

وهي شهوة لهذا المنكر المراد تسويغه.

وهي دفاع عن النفس والذات التي ارتكبت هذا المنكر.

وهي أيضاً راضخة للواقع بضغوطه الشديدة التي لا يطيقها بعض الأنفس، فتسعى للتسويغ وفلسفة المنكرات بدلاً من المدافعة والممانعة والصبر والمجاهدة التي أخبر الله عنها: {فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْـمُلْكَ وَالْـحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَـمَعَ الْـمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

وقوله تعالى: {وَلَـمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَـمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: 43].

وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَـمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْـمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16].

لقد كانت الاعتراضات على الرسل وما جاؤوا به مجموعة في مسلكين:

اعتراض هوى وشهوة، فيواجه بالوعظ والتذكير.

واعتراض جدل وشبهة، فيواجه بالحجة والتفكيك.

ولمّا كانت هذه الاعتراضات مهما بلغت من الجدل مجملة؛ كانت ردود الوحي في تفكيكها وردها مجملة، لكنها أقوى، وهي تحمل في دواخلها أصول تفكيك الاعتراضات المركبة بعمق على مر العصور.

إن مؤسس (فلسفة المنكر) هو إبليس الذي لم يرفض السجود المجرد، بل حاول فلسفته وتجميع عناصر مفككة لتسويغ هذا العصيان، {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 76]، فهنا فلسفة لهذا المنكر، مقارنة بين النار والطين، والخروج بنتيجة مركبة: النار خير من الطين، فلا يمكن أن أسجد لآدم وهو الذي يسجد لي!

وابن القيم قام بتفكيك فلسفة المنكر التي أسسها إبليس ليُعرض ويعترض على الأمر الإلهي، وبيّن أن عنصر الطين خير من النار من وجوه، فبطلت فلسفة إبليس لمنكره، وما بُني على باطل فهو باطل[1].

ومشركو العرب لديهم فلسفات لمنكراتهم ردها الوحي وأبطلها: فأحدهم يعترض على البعث بفلسفة تجريبية، فيفت العظم البالي أمام النبي صلى الله عليه وسلم ويقول بخيلاء: (أتزعم يا محمد أن الله يبعث هذا!)، فيرد النبي صلى الله عليه وسلم بيقين: (نعم ويدخلك النار). ثم ينزل الوحي واصفاً المشهد ومفككاً لهذه الفلسفة في كلمات معدودة تقوم على الوقاية ثم ذكر الشبهة ثم الدمغ: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ}، فهذه وقاية، {قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، عرض للشبهة باختصار، {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}، دمغ الشبهة.

ومن اعتراضات المشركين على أصل التوحيد، الاعتراض القدري المعروف: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148]، وهو اعتراض كل عاصٍ يعارض الشرع بالقدر.

بل إن هذه الاعتراضات وفلسفة المنكرات واجهت الأنبياء قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم:

- كاعتراض قوم شعيب عليه بالنواحي الاقتصادية والمادية الدنيوية لأجل إبطال الشريعة: {أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود: 87].

- وكذلك اعتراض الملك الظالم على إبراهيم بسبب الطغيان المادي فقدح في الربوبية (أنا أحيي وأميت).

فهذه الفلسفات الاعتراضية لتسويغ المنكر وتحليله هي في واقعنا اليوم أكثر عداً وأغلظ عقداً، بل أضحت ظاهرة لرد الشريعة جملة وتفصيلاً، ورفض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى بات المؤمن الذي يبكي على خطيئته بالأمس بسبب نصح عابر؛ مجادلاً اليوم عنها ومنافحاً ومكابراً!

وهذه الانتكاسة العقلية لما أمر الله به من التفكر والتدبر للوصول لله ولصراطه المستقيم، إذ بها تكون هي سبيل الصد عن الله وأمره!

وجماع فلسفة المنكر:

التأويل الباطل في السمعيات.

والقياس الفاسد في العقليات[2].

ونحن اليوم نواجه تيارين يحملان شعلة كل طريقة:

فالقياس الفاسد للمعقول يشعل ناره الملاحدة والعلمانيون والليبراليون وغيرهم.

والتأويل الباطل للمنقول يوقد جذوته العصرانيون والتنويريون ومرتزقة المتدينة وغيرهم.

فأضحى أصحاب التأويل قنطرة لأصحاب القياس في فلسفة كل منكر وتسويغ كل باطل وانحراف، ومقصد الطائفتين ليس الحق قطعاً، إذ للحق مورد معروف، ومن لم يرد حياض الماء العذب لم يرتوِ.

ومن ينكب على كل ساقط ولاقط، ويبعث إفك المستشرقين، ويحتفي بكتابات الكفرة عن الدين؛ جنى من الشوك الشوك، ودله الغراب على جيف الكلاب.

والناظر لسبب صد كثير من الناس عن الدين، يرى أنه بدأ يتحول من مسلك السذاجة والعصيان المجرد الشهواني، إلى مسلك فلسفة المنكر الشهواني والعقلاني، فإغراق في الشهوات وتعقيد في الشبهات، يقوم على ذلك شياطين من الإنس يقعدون بكل صراط يوعدون ويصدون عن سبيل الله من آمن به ويبغونها عوجاً.

وإن كانت اعتراضات أصحاب القياس الفاسد من الملاحدة وأضرابهم كثيرة وعديدة، فإن اعتراضات أصحاب التأويل الباطل غزيرة وشديدة؛ لأنها تتدثر بالوحي، وتلبس لبوس الضأن ودواخلها ضمائر الوحوش، ونزع الجلود الكاذبة عنها هو التفكيك.

والوحي لم يقتصر على تفكيك فلسفات المنكرات، لكنه أتى متضمناً خطاب الوعظ ليخاطب كل الإنسان: العقل والوجدان.

وبذور الرد على المنكرات المفلسفة موجودة في الوحي، نحتاج معها إلى اهتمام بتثوير النصوص واستقرائها، وفهمها والتفكر فيها، كما فعل ابن تيمية في أعظم إنتاجٍ لتفكيك فلسفات الخصوم.

ونحن نرى اليوم طوفاناً من الشبهات المسبقة أنتجت انحرافات، ونرى كذلك طوفاناً من الفلسفات اللاحقة لتبرير الانحرافات الموجودة، يتم صياغة ذلك كله في مقالات وأخبار وألعاب ومسلسلات ورموز و(ستاند كوميدي) وغير ذلك.

أليس اليوم هناك من يتكلم عن قضية تطور العصر وتغير الزمان ليقصي الشريعة التي لم تتغير بزعمه منذ قرون!

وهناك من يقرر الليبرالية حين يعترض بأننا ما دمنا نطالب بحجاب المرأة في بلاد الكفر فلها الحق في التكشف والعري في بلاد الإسلام!

وهناك من يقرر الرأسمالية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم).

وهناك من يردد (لا تدخلوا الدين في السياسة) متذرعاً بأن علماء الشريعة جهلاء بالسياسة، في أوضح صورة للعلمانية البائسة!

وهناك من يردد عبارات التسامح والتعددية وعدم الطائفية ليقبل شيوع الكفر والبدع.

وإن كان هذا في القضايا الكبرى، فإن أفراد المسلمين وعوامهم قد تسلل لهم هذا في موجة التواصل الاجتماعي التقني.

ألسنا نرى من يربّي ابنه على الانحراف في المخبر والمظهر، ويفلسف هذا المنهج بأنه الأقدر على مواجهة الحياة القادمة وصعابها!

ومنهم من يحتج على لبس صلبان الأندية الرياضية بقوله: (إنما الأعمال بالنيات).

ومنهم من يقرر اختلاط النساء أو حضورهن اللهو في الملاعب والملاهي لأن النبي صلى الله عليه وسلم سابق عائشة!

إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في واقعنا.

وحيال هذه الهجمة لا يصح أن يكون كل خطابنا الشرعي بذات المستوى السطحي؛ فإن كان نافعاً اليوم لأقوام هم على قدر من السهولة وقلة العلم، فليس بنافع في محاضر شيوع القلم، فإن من عوام المسلمين اليوم من هو مهندس وطبيب ومفكر... إلخ، يتشوف عقله لخطاب شرعي رصين يجمع الحجة العقلية والعاطفة.

وليس المطلوب تنكب طريق الوعظ وهجر جلد القلوب القاسية بسياط المواعظ حتى تلين، وليس أيضاً المطلوب استهجان وازدراء الوعظ وأهله، بل هو من أسنى المقامات وأعظم القربات، وقد أمر الله سبحانه وتعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63].

والله سبحانه وتعالى وعظ المؤمنين فقال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْـحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231].

وقال: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58].

وقال: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْـمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].

وقال في قصة الإفك: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِـمِثْلِهِ أَبَدًا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [النور: 17].

وليس المطلوب كذلك الإيغال في عويص الردود الذي يشق إدراكه على عامة المسلمين، فمن المحكمات: (حدثوا الناس بما يعقلون).

لكن أليس من العقل تكوين وصياغة خطاب واعٍ يجمع بين القدرة على تفكيك فلسفة المنكرات والوعظ مع الجاذبية؟

أليس من واجب دعاتنا وعلمائنا السعي للخروج بتفكيك فلسفة المنكرات من الدائرة العلمية التخصصية الصغيرة لتشمل في خطابها السهل الميسر عموم المسلمين في دائرة كبيرة؟

إن واقعنا يحوي نماذج من الدعاة والعلماء الذين امتازوا بمثل هذه الطريقة ولهم جماهيرية طاغية وقبول بين المسلمين.

وما دام الأمر كذلك؛ فإن من العجز والضعف أن يكون الفسقة في مجالات اللهو يسعون (للاحتراف) في تخصصاتهم، ويبقى دعاتنا ضحايا العشوائية واجترار الأساليب العتيقة، ولسان حالهم: نقوم بذلك إعذاراً لا تأثيراً!

وحين يقوم العلماء والمفكرون بتفكيك فلسفة المنكرات شرعياً وعلمياً، فللدعاة أن يصوغوها في قوالب جاذبة تؤثر في الناس، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

وحينها يكون المسلم الداعي إلى الله قادراً على مواجهة هذا المكر الكبّار، دفعه ورفعه، عقلانياً ووجدانياً، والله المستعان وعليه التكلان.


 

:: مجلة البيان العدد  328 ذو الحجة 1435هـ، أكتوبر  2014م.


[1] انظر: الصواعق المرسلة (3/1004).

[2] انظر: مجموع الفتاوى (5/552).