دخل المدينة التي عشقها منذ نعومة أظفاره، استقل عددًا من الحافلات حتى وصل حاجز قلندية.. الزوار بالآلاف والحافلات تتقاطر عبر الحواجز، وأخيراً وصل المدينة التي أحب. تجول في منطقة الأسواق والفنادق، ها هو يدخل من باب العمود.. الممرات ضيقة والأسواق عامرة بالخيرات والمحلات التجارية الصغيرة تنتصب على ميمنة الممرات وميسرتها، أسواق المدينة كثيرة ويمتد تاريخها إلى مئات السنين. المسجد الأقصى، وقبة الصخرة ماثلة أمامه بقدسيتها وصمودها. يؤدي الصلاة ثم يعرج على المصلى المرواني ثم يتجول في الساحات المجاورة.

عبق الماضي يشع بهاء في كل شبر في المدينة، تنتابه رغبة في البقاء، غير أن قريته بعيدة، وبعد أن ابتلع الغروب قرص الشمس بقليل قرر العودة بعد صلاة العشاء. انطلق إلى موقف الحافلات وكانت رجلاه لا تقدران على حمله، فتفاجأ بعدم وجود حافلات وكانت المحطة شبه خاوية بسبب بعض التوتر الذي عم بعد الغروب إثر مطاردة المحتل لبعض الشباب. حاول البحث عن مأوى في بعض الفنادق المنتشرة في المدينة إلا أنه لم يوفق في ذلك لأنه لم يكن يحمل تأشيرة زيارة ولم يكن من أبناء المدينة.

كان لا بد من المبيت ولكن أين.. جاءته فكرة كومضة مرت أمام عينيه بعد أن اختمرت في مؤخرة رأسه.. ماذا عن المبيت عند طرف أحد الأسوار؟ تلفت في الجوار فوجد بعض الحجارة المتناثرة فرتبها بطريقة جعل منها وسادة حجرية ووضع عليها سترته. لم يكن الجو باردًا ولم يكن هناك عائق - في نظره - أمام تنفيذ فكرته. تكور كسلحفاة، وتمنى أن تمر تلك الليلة بلا منغصات، وكان ينوي العودة لقريته صبيحة اليوم التالي عندما تنشط حركة الناس والحافلات. مرت نصف ساعة على ما يرام وفجأة سمع جلبة في المكان، تململ في الهواء الطلق وهو ملتحف سماء مدينته ويتدثر ببعض غيوم خفيفة. طوقت المكان مجموعة من «حرس الحدود» وبعض الشرطة القادمة على ظهور الخيل، وكان الجميع مشهرًا سلاحه ومستعدًا لإطلاق النار، أوسعوه ضربًا وكبلوه وفتشوه فلم يعثروا على شيء. انتبه أحد الأفراد لوجود الحجارة فأخذوها معهم في كيس كإثبات على مشاركته في قذف الجنود بالحجارة أو تأمين المتظاهرين بالحجارة! أقسم أنه جاء زائرًا ولا توجد له علاقة بقذف أي شيء، غير أن دفاعه لم يجد آذانًا صاغية وألقوا بجسده المنهك في سيارة جيب عسكرية.

في الأسبوع التالي مثل أمام محكمة عسكرية ووجهت إليه عدة تهم. وقف العاشق مدافعًا عن نفسه وأنه جاء المدينة زائرًا ومحبًا، ولما لم يفلح في إقناع الخصم بوجهة نظره تدخل أخوه الذي كان على مقربة منه وقال بلهجة الواثق من قوة حجته وقدرته على الإقناع:

- أنا متأكد من براءة أخي فهو لم يرمِ حجرًا قط.

- لماذا تتحدث وكأنك متأكد من صدق ادعائك؟ - تساءل المحقق -.

 - لأن أخي - كما أعرفه لا يؤمن بقذف الحجارة كأسلوب، إنه يصر على مبدأ الرصاصة!

سارع المحقق الحانق إلى إغلاق ملفاته بشيء من الغضب وقرر تخفيف الحكم لشهرين وإغلاق ملف القضية لعدم كفاية الأدلة!

 :: مجلة البيان العدد  332 ربيع الآخر 1436هـ، يناير - فبراير 2015م.