وقف الحاج أبو محمود لحظة عند باب المنزل ونظر إلى حيث تقف زوجته أم محمود في منتصف الردهة، انتقل بعينيه يتفحص جدران الصالة المجردة من الأثاث ومن ثم نظر إلى داخل الغرف المخلوعة الأبواب يفتش فيها عن خيار آخر.. لكن رجعت عيناه من حيث بدأت!! خزانة الملابس التي تقف عندها أم محمود كانت الخيار الوحيد الموجود.. نظر إلى زوجته، تأملها للحظة يبحث في وجهها الشاحب النحيل عن ذلك الجمال الأخيلي الذي لم يستطع أن ينفك من أسره منذ ريعان شبابه.. ليلى الأخيلية كان يحلو له أن يناديها.. لم يدغدغه الآن اللقب كما كان!! بل رسم على وجهه صورة مريرة للأسى والانكسار. لمعت عيناه بالدمع، بيد أنه لم يرد أن يفصح عنه، فاستدار ناحية الباب، سحب المزلاج، وفتحه على مصرعيه، فاندفع الهواء بقوة كمن ملَّ الانتظار بالخارج. ارتجف الحاج أبو محمود كشجرة ذابلة في مهب الريح وانفجر صوت أم محمود بسعال متلاحق. اتجه إلى حيث تقف زوجته خلف عارضة الخزانة. وقف لبرهة بالقرب منها إلى أن توقف السعال.

قالت أم محمود بصوت محشرج: هيا أبو محمود.. لا بد أن نسرع، ليس لدينا فحم نستدفأ به الليلة... تقدم أبو محمود خطوتين وأمسك بأحد الأرفف.. شرعا يدفعان الخزانة للخارج. اصطدمت الخزانة بعتبة الباب وأبت مغادرة منزل أواها أكثر من أربعين عامًا.. حاول الحاج أبو محمود وزوجته دفعها حتى كادت قواهما تنهار؛ لكنها لم تخرج!! توقفا إثر موجة من السعال انتابت أم محمود من جديد. «يا رب ارحم شيبتنا يا كريم» همس أبو محمود يدعو الله.. انطلقت من إحدى الغرف آهات امرأه تتوجع. فارتعدت فرائصهما وطفقا يستغيثان «ياآآآ رب»!

توجه الحاج أبو محمود مسرعًا إلى إحدى الغرف، وعاد يحمل عتلة حديدية هي كل ما بقي من سيارته... وضع العتلة تحت العارضة الجانبية للخزانة حيث كانت تقف أم محمود.. زج بها بصعوبة تحت الخزانة يحاول أن يرفعها بيده العسراء، أمسكت أم محمود بالعارضة المقابلة - المحاذية للباب.. لم يكن للزوجين بد من تناسي الهواء البارد المتدافع، كان كل ما يدركانه هو زوجة ابنهما صلاح تتوجع من آلام المخاض.. كان جسداهما النحيلان ورقة عظميهما يتضاءلان أمام ضخامة الخزانة.. ازدادت استغاثة زوجة ابنهما وازدادت نداءاتها لخالتها أم محمود.

كان كلٌ من الزوجين يعتصر ألمًا وهو ينادي: «ياآآآآ رب ما لنا غيرك يا كريم، يا آآآرب». أخذت أم محمود تدفع الخزانة للأمام بكل ما أوتيت من قوة بينما يرفعها الحاج أبو محمود من الخلف.. أخيرًا، هز ارتطام الخزانة الشارع ومزق صمت المغيب الشاحب الذي أسر الحي.. خرج الحاج أبو محمود، فأوصدت أم محمود الباب خلفه. كانت العتمة تزحف للحي.. نظر يمنة ويسرة لكن لم تقع عيناه على أحد.. غادر معظم السكان منازلهم وبقي الثلج يعتلي الركام المتناثر في الحي.

شعر بالألم يمزق قلبه حين عاودته الذكريات.. رحل ياسر مع زوجته وأطفاله إلى المجهول.. ضغط على صدره بيده الوحيدة عله يوقف وخز الآلام التي تهاجم قلبه كلما لاح طيف ياسر... تناول العتلة يفكك بها أركان الخزانة والآلام تنحر فؤاده. اندفعت التساؤلات: ترى ماذا حلَّ به وأطفاله؟! هل هم من بين الغرقى قبالة شواطئ صقلية؟ أم استطاعوا النجاة واستقروا في السويد؟ قفزت لمخيلته صورة ابنه وأحفاده يستغيثون وهم يغرقون... فانهمر الدمع الساخن على خده المتغضن، هلعًا من تلك المخاوف، وعاد يحدث نفسه: «قلت له: امكث يا بني معنا، نحيا أو نموت معًا، لكنه... لكنه...». هز رأسه بالنفي وعاد يبرر: «ليس هناك بديل عن الهجرة.. ربما يكون أكثر حظًّا من محمود وأبنائه الذين هلكوا جميعًا جراء القصف بالبراميل المتفجرة!! وباسل الذي اعتقله النظام وقتله في سجون دمشق.. وقد يجد له فرصة للحياة أكثر من صلاح الذي استشهد في حصار حمص...» ، شعر بألم شديد في يده اليسرى أعاده إلى ذات الشارع المقفر، نظر ليده، فإذا بها تنزف. لم يدرك ما جرحها ومنذ متى دماؤها تخضب الثلج الأبيض تحت قدميه.

تنهد تنهيدة عميقة... تحسست يده اليسرى المكان الآخر من الجذع تبحث عن أختها لعلها تشد من أزرها وتساعدها في محنتها الحالية، لكنها ودعتها في انفجار السوق الشعبي. تفاقم شعوره بالضعف فانحنى يضغط بيده على الثلج بغية إيقاف الدم المتدفق ويدعو بحرقة «ياآآآآ رب عليك بالظالمين.. أهلكهم جميعًا فإنهم لا يعجزونك، يا رب!!».

 كان الحي يغرق في الظلام عندما أوشك الحاج أبو محمود على الانتهاء من تقطيع خشب الدولاب... نظر من جديد للشارع.. كانت هناك أضواء شاحبة تجاوزت الأطلال التي تركها أصاحبها رغمًا عنهم إما موتي بين ركامها وإما مُهجرين مثل ياسر وأخته أسماء التي تتجرع الذل والحرمان في مخيم اللاجئين بلبنان.

نظر إلى ركام الخزانة المتناثرة أمامه.. وتذكر ميلادها في منجرة والده، كان يترقبها وأضلاعها تُجمع وأرففها تُركب لوحًا لوحًا قبل خمسة وأربعين عامًا، تذكر كيف سافر إلى دمشق خصيصًا لشراء الطلاء. تأمل الورود المنقوشة بمهارة على أبوابها والعصفورين الذين يحمل كل منهما نصف قلب ليتمم نصفه الآخر عندما يُغلق باب الخزانة، تأمل القلوب المتناثرة حول العصفورين.. تذكر كيف سخر منه والده عندما أراد أن ينقش الأحرف الأولى من اسمه واسم عروسه ليلى.. نبض قلبه بالحب لتلك الذكريات!!

أفاق من سكرة الذكريات على صوت زوجته أم محمود تستعجله لإحضار الفحم.. حمل الفأس من جديد يحطم الألواح الملقاة أمامه إلى قطع أصغر.. استهلك تحطيم الخزانة جلَّ طاقته.. جمع كل القطع الخشبية وأدناها من الباب.. ومن ثم أخذ الصفيحة المعدنية، ووضع فيها بعض القطع.. صب عليها قطرات من الكيروسين ثم أخرج شالًا من معطفه ونثر عليه بعض الكيروسين وألقاه داخل الصفيحة.. أشعل عود ثقاب وهو يفكر في زوجة ابنه صلاح التي توشك أن تضع صلاحًا الصغير، كما يرجون أن يكون.. توهج المكان حوله. وأخذت ألسنة اللهب ترتفع كلما ذكاها بالأعواد الصغيرة المتناثرة حوله، قال لنفسه يعزيها: «هذا الخشب سيدفئنا طيلة الشتاء»، تناول عصا طويلة وحرك بها وسط الصفيحة المشتعل... أخذ قطعة أخرى ورماها داخل النار وهو يفكر كيف تلد زوجة ابنه بلا قابلة تتولى أمرها، أو حتى سيدة من نساء الحي تساعد زوجته!! أخذ يكلم نفسه: «أم محمود لديها خبرة بالنفاس لا بأس بها، وقد ساهمت في ولادة أحفادها. لكنها المرة الأولى التي تتولى التوليد وحيدة بمفردها، كما أنها تعاني من أزمة ربو حادة جراء العاصفة الثلجية!!».

تحسست يده أحد الألواح المتروكة بجانبه، وألقاه في النار الملتهبة أمامه، فجأة أدرك أنه ألقى أحد العصفورين في النار!! انتفض كما لو أن النيران لسعته، وأخذ يحاول إخراج عصفوره من بين الخشب المحترق.. أحرق يده، لكنه لم يتوقف عن محاولاته.. كان يزج بيده تارة بين ألسنة اللهب وتارة في حشايا الثلج تحت قدمية.. أخيرًا انتشل العصفور من براثن النيران وانبرى يدس القطعة في أكوام الثلج يطفئ الحواف الملتهبة حول العصفور..

فُتح باب المنزل بسرعة؛ فدق قلبه متوجسًا خيفة مكروه أصاب زوجة ابنه. لكن طلَّ وجه زوجته أم محمود مستبشرًا تهنئه: مبارك أبو محمود، مبارك، صبي!! لقد ولدت صبيًّا، صلاح - أبو محمود - صلاح!!

:: مجلة البيان العدد  335 رجب  1436هـ، إبريل – مايو  2015م.

googleplayappstore