الناظر للسنة يظفر بعدد من طرائق التعليم التي يخال كثير من المسلمين سبق الغرب بها، وكان من فقه أئمة السنة أن ترجموا بعض تبويباتهم بها كما هو صنيع الإمام البخاري.

فقه الأئمة أن تدريس العلوم الشرعية فقه، فلذا كانت دروسهم العلمية وفق ما ترويه كتب السير في تراجمهم دروساً تعنى ببناء الملكات ولم يكن التلقين فيها سائداً ولا سيما في علم الفقه وهو ما أخصه في مقالي هذا.

فالدرس الفقهي مراحل علمية ومزيج علوم شرعية، ويتفق أهل الفقه أنه صناعة يحتاج إلى صانع ومصنع ليخرج المنتج وهو فقيه المستقبل، وأما الصانع فهو الفقيه، والمصانع هي المساجد والكليات الشرعية.

وبنظرة سريعة للدرس الفقهي الحالي وأعني به درس الفقه في الكليات الشرعية تجد اختزال الفقه في مرحلة واحدة هي مرحلة الترجيح وكأنه كل الفقه، ناهيك عن غياب العناية بالدليل الذي هو منبع الفقه.

تأمل معي ورقة امتحان الفقه وانظر عدد الأسئلة في الراجح مقارنة لغيرها في المهارات الفقهية الأخرى كالاستدلال والمناقشة والاستنباط ... إلخ تجد برهان قولي.

هذا الاعتناء بالراجح أورث عند المتفقهة تصوراً خاطئاً بأن الفقه هو الحكم الشرعي، متناسين أن الفقه لغة هو الفهم، وأنه اصطلاحاً معرفة الأحكام الشرعية، والمعرفة أعم وأشمل من مجرد الترجيح، وغدا معه درس الفقه درساً صورياً لا روح فيه.

حتماً توجد نماذج مضيئة ومشرقة في الدرس الفقهي الجامعي، وربما يكون من الفقه في بعض دروس الفقه الاختصار على الراجح، ولكن حديثي في هذا المقال عن الدرس الفقهي السائد في الكليات الشرعية كلية الشريعة تحديداً.

التركيز على الراجح حرم جل المتفقهة من تذوق حلاوة الفقه وأسفر عن ضمور الملكة الفقهية عند بعضهم، وأصبح هم الشيخ ختم المقرر لا اكتشاف بذور المواهب الفقهية التي تنتظر الري والسقاية لتقوم على سوقها فقهاء نفس ترجع إليهم الأمة في نوازلها.

 (ركزوا على الراجح) قلَّ طالب شريعة لم يسمعها من أفواه بعض الأساتذة حقيقة أو حكماً، متأولين - الأساتذة الكرام - صنيعهم هذا بالرفق بالتلاميذ، غير مدركين أن الرفق هنا يكون في التعامل لا في المحتوى العلمي، وأن الرفق بالتلميذ توريثه العلم الشرعي على جادة أهل العلم الراسخين.

(ركزوا على الراجح) غصة عند الطالب المتطلع لنيل حلاوة الفقه وبلوغ مرتبة التحقيق العلمي ولا سيما إذا اقترن معها عدم المطالبة بحفظ الأدلة، وثقْ - أيها الشيخ - أنه إذا جاملك بعض المتفقهة اليوم بالشكر سيعذلك نباغهم غداً إذا تسلموا سنام القضاء وجلسوا مقعد الإفتاء.

بل أتعجب كيف يتصور السؤال عن الراجح بكثرة في امتحان المستويات الأولى، فذهن الطالب لم يتمرس بعد على الصناعة الفقهية ولم يتهيأ بعد للترجيح؛ كيف وهو لم يدرس في الأصول مباحث دلالات الألفاظ والاجتهاد؟! نعم يتصور منه المقدرة على الترجيح إن كان خريج معاهد شرعية لكن كم نسبة هؤلاء إلى عموم الطلاب؟

الدرس الفقهي مجموع مهارات (ملكات) كما يسميها أهل العلم، والترجيح هو واحد من بين تلك المهارات لا كلها، فمتى ستحضر المهارات الأخرى في الدرس الفقهي السائد؟

الحفاوة البالغة بمهارة الترجيح جرأت بعض التلاميذ على الترجيح دون المرور والتضلع من ماء الأصول فنجد طالباً في المستوى الأول ولما يشتد عوده بعد في العلم يطلق عبارات: هذا ما أدين الله به، هذا ما أراه، عندي أنه كذا ... غير مدركين الفرق بين الدرس والإفتاء، وغير معظمين لمقام التوقيع عن رب العالمين.

وختاماً فهذه الأسطر ليست تقليلاً من مهارة الترجيح، ولكنها دعوة لئلا ينفرد بالحضور في الدرس الفقهي الأكاديمي من بين سائر المهارات.

رزقني الله وإياكم الفقه في الدين.

 :: مجلة البيان العدد  339 ذو القعدة  1436هـ، أغسطس  - سبتمبر  2015م.