لحمد لله ربِ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمدٍ وعلى آ له وصحبه وأزواجه ومَنْ سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الحديث حول موضوعٍ ما، يُفقده أهميته ويُضعف تأثيره؛ حين يزيد الكلام فيه عن مستوى الحاجة؛ إلا أن ثَّمة موضوعات مهما كثر الكلام فيها أو زاد حيِّزُ الاهتمام بها فإنها تبقى بحاجة إلى المزيد؛ نظراً لِـمَا لها من أهمية وحاجة ملحَّة تَمَسُّ عموم الناس في كل أزمنتهم وأمكنتهم؛ فكيف حين يكون حالها مما يمسُّ حاجة كل (أحد) يتردد النفس في صدره، وهي معه في كل شؤونه منذ تخلُّقِه في بطن أمه وحتى يرحل عن دنياه ويلاقي ربه، ووجودها ضروري لكل مجتمع في شؤون حياته كلها. كل هذا ينبئك عن خطر (الفتيا) وعِظَم أثرها، وسموِّ مكانتها؛ فهي نُطْق بمراد الله ومراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - في النوازل والأحكام المتعلقة بدين الناس ودنياهم، وهي (توقيع) و (إمضاء) عن رب العالمين، وحين يتأمَّل العاقل البصير واقع بعض الفتاوى المعاصرة، فإن غيرته وصدق إيمانه لا بد أن يُسِيلا الدمـع من عينيه ويعتصرا الألـم في قلبـه؛ لِـمَـا آل إليه حال جزء مـن الفتيا المعاصرة وما طرأ عليها من عوارض وتغيرات؛ حيث: 1 - تلاحقت الفتاوى التي تسعى إلى اختيار (رخصة) يتخلص بها المستفتي من الحكم الشرعي، وبدلاً من أن يكون الترجيح معتمداً على قواعد وأصول شرعية منطلقة من البحث عن مراد الشارع، أصبح كثير من الفتاوى يعتمد على اختيار الترخيص كأساس وأصل للاختيار الفقهي. 2 - تسابقت وسائل الإعلام في إظهار شخصيات معينة لم يكن ظهورها نابعاً من مكانتهم العلمية ولا حضورهم الشعبي ولا من أي اعتبار سوى موافقة فتاواهم واختياراتهم للأهواء والرغبات الشخصية. 3 - برزت الفتاوى التي يطير بها المنحرفون والمستهترون بالأحكام الشرعية، ويذيعونها في كل مكان، ويتخذونها ستاراً لتمرير الانحرافات الفكرية والسلوكية. 4 - لم تسلم الأصول الشرعية الضرورية في الروابط الأخوية التي تجمع بين المسلمين من شَقِّ بعض الفتاوى وتخريقها لسياجها، وتحويرها لما حقيقته عدوان وبغي وقطيعة رحم؛ ليبدو حقاً شرعياً مصاناً، وبدلاً من أن تصرح تلك الفتاوى بأغراض السوء التي تحرِّك هذه الأعمال الظالمة جعلتها غايات شرعية نبيلة. كل هذا وغيره أحدث حالة من الاضطراب والحيرة والشتات لدى فئة ليست بالقليلة من عامة الناس؛ فأخذوا يتساءلون في قلق عن سبب معقول لما يرونه من اختلال في أمر الفتيا، وتفاوتت مواقفهم تجاه هذا الأمر، ولئن بقي أكثرهم على تعظيمه للفتيا واحتياطه لدينه؛ إلا أن الانحراف ما زال مؤثراً في غيرهم وفي ازدياد. إن الفتيا في الأحكام الشرعية وإن كانت في الحقيقة (رأياً) و (اختياراً) من المفتي؛ إلا أنها ليست مجرد رأي ووجهة نظر واختيار محض، بل هي: كلام في دين الله، وتوقيع عن رب العالمين، ودلالة يقول بها المفتي للناس: إن الله - تعالى - يرضى لكم أن تفعلوا كذا وتتركوا كذا. وسيقف المفتي بين يدي رب العالمين ليُسائله عن ذلك؛ فهو مقام رهيب؛ لو استحضره المفتي لارتجف قلبه فَرَقاً وخوفاً من رب العالمين، ولَخشي أن يكون مشمولاً بقول الله - تعالى -: {قُلْ إنَمَا حَرَمَ رَبِيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْـحَقِ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٣٣]؛ حيث قرن الله القول عليه بغير علم بالشرك والفواحش والبغي التي هي من الجرائم الكبرى؛ ليعلم القائل في دين الله أي خطر يقتحمه حين يفتي في دين الله؛ ويكون حذراً من وقوعه في هذا النهي العظيم. ولعظمة هذا الباب وشناعة الانحراف فيه كان سبباً لإحجام سلف هذه الأمة عن الفتيا واستعمالهم لأقصى غايات الحَيْطَة والحذر في موضوعات الفتيا. يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: (لقد أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار ما منهم أحد يحدث بحديث إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفتيا)[1]. بل كانوا يستشعرون الخوف من الله وعذابه والنار؛ حتى في المسائل الاجتهادية التي ليس فيها نص شرعي ظاهر. يقول علي - رضي الله عنه -: (من سرَّه أن يقتحم جراثيم[2] جهنم، فَلْيقض بين الجد والإخـوة)[3]، وقـال ابن عمر - رضي الله عنهما -: (أجرأكم على جراثيم جهنم أجرأكم على الجد)[4]. يقولون هذا مع كونهم أعلم الناس بشأن الحلال والحرام، وأقربهم لإصابة مراد الله في القضايا مع ما هم عليه من ورع وتقى وديانة، وما ذاك إلا لإدراكهم لخطورة هذا الباب واستشعارهم لمقام المفتي متحدثاً عن رب العالمين. إن اختلال الفتيا أو اتسامها بالضعف والفساد، خسارة لجميع الناس (حكاماً ومحكومين، علماء ومتعلمين، مفتين ومستفتين)، ولن يستفيد منها أحد إلا ذوو المناهج الفكرية المنحرفة الذين يسوؤهم بقاء الحكم الشرعي وبيانه، وأما من عداهم فبقاء الفتيا في شرفها وعِزِّها وصيانتها عن العبث والاستغلال ضرورة لنا جميعاً، ومسؤولية علينا جميعاً، يجب أن نتواصى بها ويذكِّر بعضنا بعضاً فيها، ولعلنا استشعاراً منَّا بهذه الأهمية نورد بعض الإشارات والتوصيات المهمة: 1 - تذكير المستفتي بواجبه الشرعي في موضوع الاستفتاء، وأن الحكم على الحادثة المسؤول عنها لا ينتهي بصدور فتيا من أحد بجواز أو منع، بل يجب أن يتذكر أن المسؤولية والحساب يوم القيامة سيكون عليه؛ فعليه أن يحتاط لدينه ويختار في استفتائه من يثق بدينه وعلمه، وأن يراعي اطمئنان قلبه لأمر هذه الفتيا؛ فهو أعلم الناس بما يَحْتفُّ بمسألته من قرائن وأحوال وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس»[5]. وَلْيتذكر المستفتي أن أَخْذه للفتاوى بطريق الانتقاء والاختيار يكشف عن نقصٍ وضَعْف يُخشَى أن ينحدر فيه المستفتي إلى ما حذَّر منه سليمان التيمي – رحمه الله - حين قال: ( إنك إن أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله)[6]. ونعتقد أن تعظيم أمر الاستفتاء في نفوس الناس وتذكيرَهم بواجبهم الشرعي في أمر الفتيا هو من أعظم الضمانات الشرعية الكفيلة بصيانة باب الفتيا من الانحراف للغلو أو الجفاء؛ فالناس يعون ويدركون كثيراً من العوامل والأسباب التي تؤثر في مسيرة الفتيا وتنحرف بها ذات اليمين وذات الشمال. 2 - تذكير المفتي بأن الواجب الشرعي والأمانة العظمى متعلقان في عنقه للقيام بنصرة أحكام الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن دوره لا يصح أن يقف على مجرد انتظار سائل له ليجيب عنه؛ بل تكليف الأمانة يوجب عليه أن يصدع بالحق ويجلِّي الحكم في النوازل والقضايا التي يحتاجها الناس ويبحثون عن الإجابة عنهــــــا، وهــــذا واجب الجميـــع غيــــر أنـــه في حــــق العــالم المفتي أعظــم وجوباً وأقوى إلزاماًَ. 3 - التحذير من استغلال الفتاوى واتخاذها جسراً تُمرَّر على ظهره حالات التفريط في الواجبات الشرعية، وشيوع الانحرافات السلوكية والفكرية التي يسعى لها كثير من المنحرفين في عالمنا الإسلامي. ومن العقل والديانة والواجب الشرعي أن يكون المفتي فَطِناً لتلك المحاولات، يقظاً لئلا يكون - من حيث يشعر أو لا يشعر - سبباً لمرور كثير من المحرمات الشرعية من خلال فتيا قد تكون مقبولة أو لها وجه شرعي؛ غير أن صحة الفتيا بشيء لا تجيز القول به مطلقاً من غير اعتبار لحال الزمان والمكان، ومن دون مراعاة منه لكيفية التعامل مع هذه الفتيا، ومن المؤسف أن يتمكن المفسدون من نَشْر فسادهم الفكري والسلوكي من خلال تصديرهم لبعض المفتين الذين يعطون من خلال آرائهم الفقهية ستراً وحفظاً لمرور هذا الانحراف والفساد. 4 - تربية أجيال المسلمين على تعظيم الفتيا في دين الله، وترهيبهم من الخوض فيه بغير علم، وتجلية منهج السلف الصالح في أمر الفتيا وخطرها، والتركيز في هذا المقام على الناشئة المتعلمة: من طلاب العلم الشرعي في المعاهد والكليات والجامعات الشرعية؛ حتى ينشأ طالب العلم منذ صغره على إقدار الفتيا حق قَدْرها والرهبة من ولوجها، ولو بحــق؛ فضـــلاً عن التهــــاون بها أو تحقيـــق أغــراض ســيئة مـــن خــــلالها. 5 - ضرورة تكاتف العلماء والفقهاء والمختصين في العلوم الشرعية على القيام بواجبهم تجاه موضوع الفتيا، والاجتهاد في بذل الوسائل والأسباب الـمُعِينَة على حفظ مقام الفتيا والرفع من قَدْرها وضبط مسيرها من الانزلاق والاستغلال. والفتيا في هذا العصر أحوج ما تكون إلى الجهد الجماعي والمؤسساتي الذي تجتمع فيه كلمة فقهاء المسلمين في كل بقاع العالم الإسلامي على كلمةٍ سواءٍ وقول بيِّن ينصر أحكام الشريعة ويُظهِر الحق لعموم الناس، ولعلنا نشيد في هذه المناسبة بالجهد المشكور والعمل الطيب المبرور الذي أثمر عنه قيام (رابطة علماء المسلمين) التي أُعلِن عنها في الكويت في اليوم الرابع من شهر صفر عام 1431، بعضوية عدد كبير من علماء الأمة، من أربع وعشرين دولة. وسرَّنا أن هذه الرابطة ستكون متممة للجهود العلمية والدعوية، وأنها ستتكامل وتتعاون مع جميع الهيئات الرسمية وغير الرسمية التي تخدم تطلعات الأمة. إننا نُشيد بهذه البادرة الحسنة، ونشدُّ على يدها، ونُشيد بما ظهر قَبْــلها أو يظهـــر بعـــــدها مــــن الروابط العلـــمية التي تجمع علماء المسلمـين، وتقــــرِّر الأحكــام الشرعية فــي كافة النـوازل، ونرجو من الله أن يتحـــقق على يدهـــا الخيـــر، وأن يجزي القـــائمين عليـــها خيراً وأن يسدِّد خُطاهــم ويكلل جهــودهم بالتوفيق والسداد، حتى تصــان الفتيــا ونَقْـــدر الله فيهــا حـــق قَـــدْره. [1] أخرجه الدارمي في سننه، باب: من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع (1/65) وابن المبارك في الزهد باب: من طلب العلم لعرض في الدنيا ( 19) وابن سعد في الطبقات الكبرى (6/110). [2] الجراثيم: جمع جرثومة، وهي: التراب الذي تَسْفيه الريح.  [3] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى في باب تشديد الكلام في مسألة الجد مع الإخوة للأب والأم أو للأب من غير اجتهاد وكثرة الاختلاف فيها: ( 6/245)، وعبد الرزاق في مصنفه في باب: فرض الجد: (10/262)، والمقصود بها: المسألة الفرضية الشهيرة في حال اجتماع الجد مع الإخوة الأشقاء أو الإخوة لأب، هل يسقطهم كالأب؛ فلا يرثون معه أو يرثون معه على تفصيل؟ وإلى كلا القولين ذهب جِلَّة من علماء الصحابة والسلف. [4] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في باب: فرض الجد: (10/262) [5] أخرجه مسلم في صحيحه، باب: تفسير البر والإثم برقم 2553: ( 4/1980). [6] أخرجه الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في باب: ذكر الغناء وإنكاره: (1/207 ).